الشّحن المدمّر ... كفـــــى ..

بقلم : رشيد الكرّاي
 لا أحد في هذا البلد يريد أن يهدأ وأن يتفرّغ لأداء عمله فقط ،

فعلى مدار سبع سنوات ونحن نتفنّن في صناعة وافتعال الأزمات والإيقاع ببعضنا البعض.

لقد أخطأت الثورة منذ البداية في افتعال أخطر أزمة مع رجالات النظام السابق في كل المجالات عندما وصفتهم «بالأزلام» وطاردتهم في كل مكان حتى بات لزاماً عليهم أن يتّحدوا للدفاع عن أنفسهم وعن حقهم في البقاء في الحياة ، وأصبحوا - ربما بقصد أو غير قصد - يشكلون الخط الأول للثورة المضادة ، ويبحثون ويفتعلون الأزمات مع الثورة لإفشالها بأي ثمن حتى لو كان الثمن ضياع الوطن كله .

كان لزاماً علينا أن نحاول احتواء كل هؤلاء «الأزلام» ودمجهم في الثورة وإجبارهم علي تغيير نمط وأسلوب إدارتهم لكي يكونوا جزءاً فاعلاً في منظومة التغيير الجديدة لأنهم ينتمون لنفس المجتمع ومن نسيجه ولا يمكن بتر جزء منه بحجة التغيير والملاءمة مع المرحلة الجديدة .

وأخطأ النظام بعد ذلك عندما لم يحاول أيضاً أن يستوعب في هياكله كافة التيارات السياسية والقوى الوطنية الحقيقية التي شاركت في الثورة ولم تصل إلي الحكم. وكان لزاماً منذ البداية أن تكون هناك صيغة توافقية تحقق المشاركة للجميع في صياغة القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي حتى تكون المسؤولية مشتركة وعلى عاتق الجميع بدلاً من حشد الحشود والمليونيّات للتعبير عن المواقف والمعارضة من خلال الميدان والخروج إلى الشوارع وهو ما تجيّش له بعض الأطراف هذه الأيام استعدادا لفوضى شهر جانفي الموسمية بألوان سُتُرات منظّميها صفراء كانت أو حمراء أو زرقاء .

وأخطأنا ومازلنا نخطىء عندما انتظرنا طويلا استقرار الوضع السياسي لكي نحقق ونفرض الاستقرار الأمني والإقلاع الاقتصادي ، وربطنا بين هذا وذاك بحيث لم يعد هناك استقرار من أي نوع وإنما أزمات تليها أزمات واحتجاجات في مواجهة احتجاجات وانقسام في كل شيء ، وصل الى مداه حتى داخل نفس الأسرة الواحدة.

وسلسلة الأخطاء متوالية ومتوقعة فما إن نخرج من مشكلة إلا وتأتينا أخرى أشد وأعنف ، وسنظل في انتظار مفاجآت ومفاجآت تليها ، لأن هناك قصوراً عاماً في الرؤية وغيابا في الحرفية وخبرةً في الأداء وهناك تضارب في المواقف والسياسات ، وهناك إحجام وتردد في سرعة اتخاذ القرار. لذلك يمكن وصف ما نحياه بأنه فوضى مجتمعية في المدارس وفي الجامعات وفي الشارع وفي المؤسسات ، وفي النقابات وفي الوزارات ، حتى وصلت إلي داخل المؤسسة الأمنية نفسها بشكل لم يسبق حدوثه في أي مرحلة من تاريخ تونس الحديثة . ولا أرى من علاج لهذه الأوضاع إلا بالمصالحة وبالتوافق السياسي لتوسيع قاعدة المسؤولية بين المؤمنين بالإرث التاريخي والدستوري للدولة التونسية وبعودة القانون والأمن.
فالقانون الغائب يشجع الجميع على الاستهتار والتحدي ، والذين قالوا يوما إنهم لا يعترفون بالقضاء ولا برجالاته ويرفضون الامتثال أمامه ضربوا القانون في مقتل مهما كانت حُججهم وأعذارهم ومبرراتهم لأنهم في نهاية الأمر وجهوا رسالة لغيرهم بأن يحذوا حذوهم وأن يرفضوا القانون.

إن تونس تتفكك أوصالها وتتراقص ، وحدودها تتعرض إلى الأخطار والمؤامرات وسلع التهريب والسلاح تتدفق عليها من كل مكان ، وخطر الفتنة مازال قائماً ، ونحن مازلنا في غيبوبة ، واحتجاجات ومصادمات وقتلى وجرحى في قضية لم نعد نعرف ما هي...

فسياسة الشحن ونشر أجواء الاستقطاب والتعصب والتحريض على الكراهية وخلق المناخ المناسب للتشجيع على الارهاب عن قصد أو من دونه والتى ينتهجها جلّ السياسيين والاعلام غير المسؤول والتي نحيا على وقعها هذه الأيام ، هي وقود قد ينفجر فى وجه الوطن فى أية لحظة ، ولن يكون الخاسر فيه غير المواطن ، أو ربّما ينتصر الجميع وتنهزم تونس ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا