قهوة الأحد: هل يمكن أن نعيش بدون صندوق النقد الدولي ؟

أثار الإضراب العام الناجح الذي قام به الاتحاد العام التونسي للشغل للمطالبة بالترفيع في الأجور في قطاع

الوظيفة العمومية من جديد طبيعة العلاقة بين بلادنا وصندوق النقد الدولي . فقد أشار الأمين العام للمنظمة النقابية اثر لقاء الفرصة الأخيرة مع السيد رئيس الحكومة قبل الإضراب أن الحكومة لا يمكن لها الدخول في مفاوضات للترفيع في الأجور نظرا لرفض مؤسسة بريتون وودز هذا المقترح بعد الالتزام الذي أخذته بلادنا عند إمضاء القرض الممدد في ماي 2016 بين حكومة السيد الحبيب الصيد آنذاك والمؤسسة الدولية وقد أشار السيد الأمين العام إلى أن رئيس الحكومة أكد له في اجتماعه انه أوفد وزيرا إلى مقر الصندوق في واشنطن لطرح هذه الإمكانية إلا أن رد مسؤولي المؤسسة كان بالرفض .

شكلت هذه المعطيات بمثابة الصدمة للرأي العام العريض وللمتابعين للشأن الاقتصادي. فقد اعتبرها العديد بمثابة نقطة النهاية لاستقلالية قرارنا الاقتصادي والتي شكلت منذ الاستقلال احد أسس ومكونات السيادة الوطنية . فقد دفعتنا الأزمة الاقتصادية الخانقة التي نعيشها إلى التفريط في قدرتنا على ضبط سياساتنا واختياراتنا الاقتصادية الكبرى منذ الاستقلال . وقد خلت هذه التصريحات وموقف الحكومة من المفاوضات الاجتماعية ومن الزيادة في الأجور في الوظيفة العمومية ولجوئها إلى موقف صندوق النقد من كتلة الأجور في بلادنا الكثير من المرارة عند الرأي العام خاصة وان احد المطالب الأساسية للثورة كان الكرامة وقدرتنا على ضبط خياراتنا وتصوراتنا ومشاريعنا بكل حرية وبدون ضغوط أجنبية .

ومن ناحية أخرى ومن تجربتي في المؤسسات الدولية لسنوات طوال لا اعتقد أن هذه التصريحات ومحاولة الحكومة تفسير رفضها لهذه الزيادات بالتزاماتها مع صندوق النقد ستستأثر برضا وسرور هذه المؤسسة ومسؤوليتها . فقد ضبطت المؤسسات الدولية وبصفة خاصة صندوق النقد الدولي سياسات واضحة في تعاملها مع البلدان الأعضاء تعتمد مبدأ رفض التدخل في المسائل السياسية وعدم الزج بها في ضبط الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان والتي تبقى من مشمولاتها . وقد جاءت هذه السياسات نتيجة للنقد الشديد الذي وجهته منظمات المجتمع المدني للمؤسسات الدولية ورفضها للوصاية التي حاولت في السابق فرضها على البلدان النامية .

إذن أثارت التصريحات الأخيرة وردود الفعل الرسمية وتعاطي الحكومة مع مطالب الاتحاد العام التونسي للشغل الكثير من الجدل حول علاقة بلادنا بالمؤسسات الدولية وبصفة خاصة مع صندوق النقد الدولي مما دفع العديد إلى طرح السؤال الهام حول قدرتنا على العيش بدون هذه المؤسسة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها بلادنا .

وقد نتج عن هذا التساؤل انقسام كبير على مستوى الرأي العام بين موقفين متناقضين . نجد من جهة الموقف الرسمي والذي يسانده الكثير من الملاحظين والخبراء والذي يؤكد انه لا خيار عن هذا الاتفاق واحترام الالتزامات التي أخذناها مع صندوق النقد الدولي . ويقدم المدافعون عن هذا الموقف العديد من الحجج والتفسيرات . والحجة الأولى تشير إلى أن بلادنا هي التي ذهبت للبحث عن صندوق النقد وإبرام الاتفاق معه ولم تأت هذه المؤسسة لتفرض علينا هذا الاتفاق . والحجة الثانية تخص الأزمة الاقتصادية وخاصة انخرام التوازنات الكبرى وبصفة خاصة المالية العمومية وميزان الدفوعات والتي تفرض علينا الحصول على تمويلات كبيرة من الخارج لسد هذا العجز .
كما يؤكد كذلك المدافعون عن هذا الموقف على أن تمويلات صندوق النقد تتم بشروط ميسرة خاصة وان سعر الفائدة المطبق من قبل الصندوق ضعيف إذا قارناه بالأسعار المطبقة من قبل المستثمرين الخواص على مستوى الأسواق العالمية .

كما يشير كذلك الموقف المدافع عن هذه العلاقة الى ارتباط المؤسسات العالمية بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي لصرف دعمها المالي لبلادنا . والمسألة الأخيرة تخص مؤسسات الترقيم السيادي والتي تربط ترقيماتها باتفاقيتنا مع الصندوق وتخفض الترقيم كلما عرفنا صعوبات مع هذه المؤسسة .
كل هذه الأسباب تجعل الاتفاق مع الصندوق أساسيا وضروريا في ظل الأوضاع القائمة وبالتالي لا مناص من احترام الالتزامات التي أمضينا عليها معه .

ومن جهة ثانية نجد أصواتا رافضة لهذا الارتباط وتدعو إلى فك هذا الاتفاق مع صندوق النقد وتشير هذه الأصوات إلى عديد الأسباب التي تفسر ضرورة مراجعة هذا الاتفاق والانتهاء منه . ومن ضمن هذه الأسباب يمكن أن نشير إلى مسألة سيادية القرار الوطني واستقلالية قرارنا الاقتصادي التي تشكل أساس دولة الاستقلال وتؤكد هذه الأصوات أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي قد نتج عنه تراجع عن ثوابت استقلالية القرار الاقتصادي الوطني واصطفاف سياساتنا الاقتصادية على الاختيارات الاقتصادية للصندوق والمؤسسات المالية العالمية .
كما تشير الأصوات الرافضة لهذا الاتفاق إلى الطابع التقشفي للسياسات المتبعة بإيعاز من صندوق النقد الدولي ولانعكاساتها الاجتماعية من تفقير وتهميش للطبقات والفئات الفقيرة .

إذن تعيش بلادنا على وقع هذا الجدل والتناقضات حول موقف من الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية . ويبقى السؤال الأساسي حول إمكانية الاستغناء عن هذه المؤسسة والابتعاد عن ظلها المخيف والمرعب .
لكن قبل الإجابة عن التساؤل لابد من الإشارة إلى ملاحظتين هامتين: تخص الأولى واقعية الأهداف التي ضبطناها مع صندوق النقد في اتفاق القرض الممدد والممضى في ماي 2016. وقد ضبط هذا الاتفاق عديد الشروط ولعل أهمها يخص تطور كتلة الأجور خلال السنوات القادمة .لقد التزمت الحكومة في هذا الاتفاق بالتخفيض في كتلة الأجور بطريقة مستمرة

لتصل إلى مستوى %12 سنة 2020. ويبدو هذا المستوى بعيد المنال وصعب التحقيق باعتبار أن هذا المستوى وصل هذه السنة إلى 16 مليار دينار ويمثل بالتالي %15.2 من الناتج القومي الخام.وحسب قانون المالية الجديد ودون احتساب أي زيادة في الأجور فإن هذه الكتلة ستكون سنة 2019 في مستوى 16.5 مليار دينار وتمثل %14.1 من الناتج القومي الخام . وهذا يعني أن هذه الكتلة ستبدأ في التراجع في السنة المقبلة ولكن هذا التراجع لن يمكننا في كل الحالات من الوصول إلى المستوى المتفق عليه لسنة 2020 حتى ولو تمكنت الحكومة من عدم تقديم أي زيادة في لأجور في السنتين القادمتين . وتشير التوقعات الرسمية إلى انه لو قبلت الحكومة بزيادة في الوظيفة العمومية بمستوى ما حصل في المنشات العمومية أي بزيادة 700 مليون دينار فإن هذه الكتلة ستكون ب17.2 مليار دينار أي بحدود %14.7 من الناتج القومي الخام سنة 2019 عوضا عن %14.1 وهو سيشكل في حد ذاته انخفاضا مقارنة بمستواها لسنة 2018.

إذن تبدو الالتزامات التي أخذتها الحكومة سنة 2016 في إطار القرض الممدد غير واقعية ولا يمكن لنا الوصول إليها حتى وإن لم نقم بأية زيادة في الأجور . وهذا يفرض علينا فتح باب المفاوضات مع الصندوق في هذا المجال لتحديد أهداف وأرقام أكثر واقعية ونكون قادرين على تحقيقها والوصول إليها .

المسألة الثانية والتي نريد الإشارة إليها والتي تزيد من تعقيد هذه المفاوضات والعلاقة مع صندوق النقد تخص رجوع هذه المؤسسة إلى مربع السياسات القديمة منذ سنوات وهنا نود الإشارة إلى أن صندوق النقد كان تراجع عن سياساته التقشفية التقليدية والتي ترتكز أساسا على الاهتمام بالتوازنات الكبرى . وقد جاءت هذه التطورات في مرحلة الأزمة الاقتصادية العالمية لسنوات 2008 و2009 والتي دفعت مؤسستي واشنطن أي صندوق النقد تحت قيادة آنذاك الفرنسي دومينيك ستروس كان والمعروف بميولاته الكينزية والبنك الدولي إلى القطع مع سياساتهم القديمة وتشجيع سياسات جديدة تدفع إلى دفع النمو والاستثمار . إلا أن هذه المرحلة ولت وانتهت ليعود صندوق النقد للدفاع عن سياساته القديمة والتي تضع نصب أعينها التوازنات الكبرى ولا تعطي نفس الاهتمام لقضايا الاستثمار والنمو والتنمية وهذا التطور الهام يجعل التفاوض مع صندوق النقد حول هذه القضايا صعبا ومعقدا .

نعود الآن إلى التساؤل الأهم حول إمكانية العيش بدون صندوق النقد على ضوء هذه الملاحظات والإجابة عن هذا التساؤل انقسمت إلى شقين : شق يقوده الفريق الحكومي وبعض الخبراء ويقول بأنه ليس بالإمكان أحسن مما كان وينادي بالاصطفاف وراء اتفاق القرض الممدد والالتزام بالاختيارات التي تم تحديدها مع صندوق النقد والشق الثاني يدعو إلى القطيعة مع هذه المؤسسة وضرب هذا الاتفاق عرض الحائط .

وفي رأيي فان الموقف السليم يتطلب منا إيجاد نوع من التوازن بين مبدإ استقلالية قرارنا الاقتصادي من جهة واكراهات الواقع وبصفة خاصة انعكاسات الأزمة الاقتصادية التي نمر بها . وبعيدا عن المواقف المصطفة على الصندوق والمواقف الصلبة والمطالبة بالقطيعة فاننا ندافع عن منزلة بين المنزلتين وعن ضرورة تحديد إستراتيجية جديدة تقطع مع الخنوع والرضوخ الذي طبع تعاملنا في السابق مع هذه المؤسسة بالانطلاق في مفاوضات هدفها تحسين ظروف التفاوض والمطالبة بمرونة اكبر في تعاطي الصندوق مع بلادنا تأخذ بعين الاعتبار هشاشة المرحلة الانتقالية وصعوبة الوضع الاجتماعي وترديه .

وفي رأيي فإن نجاح هذه الإستراتيجية التفاوضية الجديدة يتطلب وجود خمسة شروط أساسية وهامة . الشرط الأول يهم وجود نظرة إستراتيجية للتحول الاقتصادي في بلادنا ولمستقبل الاقتصاد الوطني تكون مرجعا للمفاوضات مع صندوق النقد ومع غيره من المؤسسات المالية العالمية. ومن تجربتي مع هذه المؤسسات فإنها تحبذ التعامل والتعاطي مع البلدان التي تمتلك نظرة إستراتيجية تنير لها الطريق وتكون إطارا هاما لعملها الاقتصادي . الشرط الثاني يهم قدرة الحكومة على ترجمة هذه الاختيارات الإستراتيجية في سياسات اقتصادية واضحة المعالم ومتناسقة وبالتالي يكون التفاوض مع مقترحات هذه المؤسسات في إطار سياساتنا الاقتصادية وحتى لا نكون في وضعية تجعلنا نلتزم بشروطهم لغياب إستراتيجية وسياسة اقتصادية واضحة .

الشرط الثالث يخص وجود فريق عمل متناسق وله القدرة التقنية والفنية في المجال الاقتصادي تجعله قادرا على مقارعة الحجة بالحجة والرد الفني والتقني على حجج اقتصاديي هذه المؤسسات. فجانب هام من هذه المفاوضات هو تقني يتطلب منا إيجاد اكبر الخبرات في الميدان الاقتصادي للدفاع عن مواقفنا .
الشرط الرابع سياسي فصلابة الموقف التفاوضي يتطلب منا إيجاد جبهة سياسية صلبة وداعمة للحكومة متكونة من الأحزاب السياسية والنقابات وغيرهم من الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين والاجتماعيين ووجود هذه الجبهة من شانه أن يدعم الموقف التفاوضي للحكومة .

أما الشرط الخامس فهو مالي ويخص ضرورة تنويع مصادر تمويل بلادنا . لقد دأبت بلادنا في تاريخها الاقتصادي على إيجاد توازن بين ثلاثة أنواع من مصادر التمويل : المؤسسات المالية العالمية ومن ضمنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أو المصادر الثنائية والأسواق العالمية .وقد مكننا هذا التوازن من المحافظة على استقلالية قرارنا الاقتصادي. إلا أن هذا التوازن اختل بطريقة كبيرة لصالح المؤسسات المالية الدولية ومن ضمنها صندوق النقد الدولي والتي أصبحت تمثل أكثر من %50 من التمويل الأجنبي. وقد نتج عن هذا الاختلال تزايد تأثير وتدخل هذه المؤسسات في قراراتنا الاقتصادية . وفي رأيي لابد لنا من العودة لهذا التوازن للتقليص من التأثير المباشر لهذه المؤسسات في اختياراتنا الاقتصادية .
لقد أشارت المفاوضات بين الحكومة والاتحاد والتعثر الذي تعرفه إلى ضرورة إعادة النظر في العلاقة بين بلادنا وصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية العالمية الأخرى وضرورة بنائها على قواعد جديدة سليمة وأكثر صحية واحتراما لسيادتنا . وهذا يتطلب بناء إستراتيجية تفاوضية جديدة وبناء بعض الشروط لنجاحها . ولكن هذا النجاح لن يتحقق ما لم تتوفر كذلك الإرادة الحقيقية لتحسين وضعنا الاقتصادي وانجاز الإصلاحات الاقتصادية الضرورية والالتزام بتحسين الإنتاجية والعمل .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499