حادث وحديث: مثالان من القول الطائش..

في تونس، تحصل التعيينات في الوزارات، في السفارات، في الوظائف العليا بحسب اعتبارين اثنين:

العلاقة الدمويّة والسمع والطاعة. تحصل التعيينات أوّلا من ذوي القربى، كالابن والصهر، وثانيا، من الأصحاب والأحبّة. مثل هذه التعيينات، نراها في كلّ حكومة. قبل الثورة وبعدها... أمّا المعيار الثاني، فيكمن في السمع والطاعة. في حديث نبويّ ولا أدري إن كان ضعيفا، يقول رسول الله «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة». أمّا تقوى الله فهي، في نيل المناصب، لا تنفع. أمّا السمع والطاعة فهي ذات أهمّية كبرى. لا تعني الطاعة امتثال المرؤوس لرئيسه. الطاعة عند السياسيين، هي خضوع تامّ وانصياع كامل. هي الطاعة في الخير والشرّ، في العصيان والمعروف...

في تونس، لا علاقة للحكم بالخبرة، بالكفاءة. نحن لا نؤمن بمثل هذه ولا يهمّ ما سوف يفعله الوزير وما سوف يأتيه من ضرر أو نفع. في تونس، لا علاقة بين الوزير والوزارة... عندنا، لا أحد يتابع، يحاسب، يجازي. هل رأيتم وزيرا أو واليا أو سفيرا حوسب مرّة على ما أتى من خير أو شرّ، من ربح أو خسارة؟
مثل هذا المنهج في تسميّة كبار موظّفيّ الدولة، تلقاه في البلاد المتخلّفة وفي البلاد المتقدّمة أيضا... هذا أدركه وأراه في كلّ حكم. لكن، ما لا أفهمه لماذا لا يؤطّر هؤلاء. لماذا يبقون دون تكوين، دون متابعة؟ ما أن يحصل التعيين، يركب المسمّون رؤوسهم. يشدّهم غرور فيّاض. يعتقدون أنّهم أصحاب فكر وهم جهلة. يقولون كلاما طيشا. ينافقون. يستبلهون الناس.
أحيانا، أستمع إلى ما يقوله الوزراء. أقرأ حديث هذا وحوار الآخر... في ما يلي، جمعت ثلاثة أقوال لثلاث شخصيّات. أسوقها باختصار...

• قول لوزير النقل رضوان عيارة:
في تصريح لجريدة المغرب، يوم 12 أكتوبر، قال الوزير «إنّ الهاجس الأساسي اليوم هو الدفاع عن الشركة وسمعتها. إنّ اقتراف خطا من طرف الربّان أو مساعده يبقى موضوعا ثانويّا... الأهمّ هو الدفاع عن الشركة والإبتعاد عن التشكيك في إطاراتها». هذه هي اللغة الخشبيّة. هذا تحويل للوجهة... في نظر الوزير، القضيّة اليوم، ليس ما كان من خطا وما كان من خسارة وما كان من استهتار من قبل الملّاحين والنقابة. القضيّة عنده هي أن نتجنّب المسّ من «سمعة الشركة»... عن أي سمعة يحكي وزير النقل؟ هل للشركة، بعد ما جرى، سمعة؟ غريب أمرك الوزير، فكأنّي بك في فلك آخر...
المهمّ لدى الوزير أن «لا نشكّك في إطارات الشركة» فهؤلاء أكفّاء، رغم ما أتوا من غباوة ورغم ما ظهر في الباخرة من إهمال... ليت الوزير سكت. في بلد محترم، يستقيل الوزير أو يقال ومن معه من الإطارات العليا لما أظهروه من إهمال وسوء تصرّف.

• قول لناجي جلّول
يحبّ ناجي جلّول الظهور. في كلّ فرح، في كلّ طرح، هو موجود. جلّول هو أستاذ جامعيّ يسكنه طموح فيّاض. يريد الصعود في سلّم السلطة، وفي أقرب زمان. هذا من حقّه وكلّ التونسيين... ليس هذا هو الموضوع.
في تصريح قاله لجريدة لوكوتيديان، مؤخّرا، أكّد جلّول «أنّ حزب النداء لم يحكم البلاد ولم يطبّق برنامجه الانتخابيّ والحكومة الحاليّة لا تمثّله ولذلك لا مسؤوليّة للنداء في الأزمة الاقتصاديّة...» لا أدري كيف يقول جلّول هذا وهو يعلم أنّ من يحكم البلاد منذ الانتخابات، رئاسة وحكومة، هم من حزب النداء. أليس الباجي هو من عيّن الشاهد وزكّاه وهو من أعطاه رئاسة الحكومة؟ ثم، في الحكومة اليوم هناك أكثر من 11 وزيرا وعديد الولاة وموظّفون سامون وغيرهم كثير. رغم كلّ هذا يقول جلّول:»إنّ النداء لا يحكم». أنا أسأل: من الذي هو اليوم يحكم؟ حاكم تونس اليوم هو حزب النداء والنداء هو من فتّت الحكم وأفشل الاقتصاد وبعثر تونس. هو المسؤول عمّا نرى من تشرذم ومن سوء حال.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499