قهوة الأحد: استقلالية البنوك المركزية : هل تصمد القلاع طويلا أمام محاصريها ؟

تبدو القلاع التي صمدت طويلا أمام محاولات اختراقها في السابق محاصرة من كل جانب

وكل السؤال يخص قدرتها على الصمود وعلى مواصلة عملها والحفاظ على نفس المبادئ التي قادتها خلال الثلاثين سنة الأخيرة . أما القلاع فهي البنوك المركزية والتي حافظت على استقلاليتها لتجعل منها احد قواعد العمل الحكومي والسياسات المالية والاقتصادية في العالم . أما المهاجمون فهم اغلب الأنظمة والحكومات الشعبوية التي تم انتخابها في أوروبا وفي أمريكا والتي وضعت نصب أعينها مهاجمة مبدأ الاستقلالية التي تتمتع بها البنوك المركزية.

ولئن طالبت بعض الحكومات والقوى السياسية الشعبوية بالتراجع عن هذا المبدأ وإرجاع البنوك المركزية إلى مربع السياسة فإن العديد من الحكومات والقادة انتقدوا علنا سياسات بنوكهم المركزية وطالبوها بتغييرها .
هكذا يبدو المشهد اليوم والصراع اليوم بين قلعة السياسة المالية من جهة والأنظمة الشعبوية الرافضة للأنظمة السياسية التقليدية . فلمن ستكون الغلبة ؟ وكيف يمكن للمؤسسات النقدية الخروج من هذا المأزق ؟
قبل الإجابة عن هذه التساؤلات دعنا نشير ونقف عند حملة النقد التي تتعرض لها البنوك المركزية في عديد بلدان العالم . فقد تواترت في الأسابيع الأخيرة التصريحات من أهم الشخصيات في العالم الناقدة للسياسات المالية التي تتبعها أهم البنوك المركزية في العالم والتي ساهمت في تعفن الوضع الاقتصادي والاجتماعي على المستوى العالمي وفي تنامي التهميش والبطالة وانسداد الأمل وتزايد الإحباط.

فقد أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عديد المناسبات لرفضه ونقده الكبير لسياسات الفيدرالي الأمريكي واتجاهه للخروج من السياسات المالية التوسعية وترفيعه في سعر الفائدة المديرية منذ وصوله إلى البيت الأبيض . وان كنا ننتظر تغييرا في موقف الرئيس الأمريكي بعد رحيل الرئيسة السابقة للفدرالي الأمريكي جنات بيلن لقربها من قيادات الحزب الديمقراطي فإن شيئا من هذا لم يحصل بعد وصول الرئيس الجديد للبنك المركزي الأمريكي جيروم باول Jérôme Powell الذي اقترحه الرئيس الجديد. فقد واصل الرئيس دونالد ترامب نقده لهذه السياسات المالية ورفضه لها باعتبارها لا تساعد عودة النمو في الولايات المتحدة الأمريكية وتعمق بالتالي التهميش الاجتماعي الذي تعيشه بلاده .
ولم تقتصر هذه الهجومات والنقد اللاذع ضد البنوك المركزية على الولايات المتحدة الأمريكية بل شهدت عديد البلدان الأوروبية نفس الموجة من النقد والتجريح ضد هذه المؤسسات بصفة خاصة من لدن القوى الشعبوية التي عرفت تطورا مهما في السنوات الأخيرة . ولعل آخر هذه الانتقادات تلك التي أتت من التحالف الجديد الذي وصل إلى السلطة في

ايطاليا والذي عبر قادته في عديد المناسبات عن رفضهم الانصياع لقرارات البنك المركزي الأوروبي وعزمهم على إعادة السيادة المالية لبلادهم من خلال إعطاء صلاحيات اكبر للبنك المركزي الايطالي في رسم وتحديد السياسات المالية .

كما نجد نفس المواقف عند الرئيس التركي رجب طيب اردوغان والتي عبر في عديد المناسبات اثر الأزمة الأخيرة في تركيا عن رفضه لقرارات البنك المركزي لرفع نسب الفائدة المديرية لايقاف نزيف رؤوس الأموال وهروبها نحو الخارج مما نتج عنه تدحرج العملة التركية وتراجعها الكبير أمام العملات الأجنبية في أسواق الصرف. واعتبر الرئيس التركي في عديد التصريحات النارية أن هذه السياسة والخروج من السياسات المالية النشيطة من شانها إيقاف مسار النمو في بلاده وتعطيل وإيقاف حركة الاقتصاد و ديناميكيته. وقد طالب الرئيس التركي في عديد المناسبات إنهاء استقلالية البنك المركزي وضبط سياسات مالية تقطع مع التفكير الاقتصادي السائد وتهدف إلى تنشيط التنمية والاقتصاد. وهذا النقاش حول استقلالية البنوك المركزية ليس غريبا عن ربوعنا ، فقد عرفت بلادنا نفس النقاشات والجدل عند نقاش قانون البنك المركزي في البرلمان والذي مر بصعوبة كبيرة - وكانت مسألة استقلالية البنك المركزي محل جدل وانتقادات كبيرة من قبل نواب الشعب . وبالرغم من التصويت على هذا القانون بصعوبة والذي أكد على هذا المبدأ فان عديد

الأصوات لاتزال تعلو من وقت لآخر لتعبر عن رفضها لهذا المبدأ وتأكيدها على ضرورة إخضاع السياسة المالية للسلطة السياسية المنتخبة من طرف الشعب ولا يمكن بالتالي إعطاؤها لمجموعة من التكنوقراط المستقلين والبعيدين عن الهموم اليومية للمواطنين .

وهكذا إذن تعيش القلاع والتي اعتقدناها صلبة في السنوات الأخيرة على وقع الهجمات والنقد اللاذع . ويطالب المهاجمون بفتح هذه القلاع أمام رياح التغيير . وأصبح مبدأ استقلالية البنوك والذي خلناه أصبح مبدأ قارا ولا غنى عنه في السياسات المالية محل نقد ورفض من القوى السياسية الجديدة والرافضة والقاطعة مع النخب التقليدية في الأنظمة الديمقراطية .

وقبل أن نرجع الى أسباب هذا النقد وهذه القطيعة سنعود سريعا إلى التاريخ والى ظهور مبدأ استقلالية البنوك المركزية في العالم . ويرجع هذا الطلب إلى تجربة جمهورية فايمار Weimar في ألمانيا في نهاية عشرينات القرن الماضي . فقد عملت النخب السياسية على إتباع سياسات مالية توسعية لدفع الاقتصاد والنمو والمساهمة في دفع الدّين المتخلد بذمة ألمانيا لفائدة البلدان المنتصرة في الحرب العالمية الأولى .

وكان من نتائج هذه السياسات انفلات لا مثيل له للتضخم وصل إلى مستوى %5000 لبعض السلع الاستهلاكية وقد بقيت لنا بعض الصور من هذه الأزمة وخاصة بعض صور لمواطنين ألمان يحملون أكياسا من النقود للحصول على خبزة . وقد أنتجت هذه السياسات فترة كبيرة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي كانت وراء سقوط جمهورية قايمار الديمقراطية وانتصار النازية لتعرف معها الإنسانية أحلك فتراتها أثناء الحرب العالمية الثانية ومحاولة هتلر ومجموعته نفي التعدد والعمل على القضاء على الآخر بأبشع الطرق وستكون تجربة جمهورية فايمار نقطة الانطلاق في القطيعة بين السياسيين وضبط السياسة المالية ليؤكد الاقتصاديون أن القادة السياسيين يعملون على طباعة الأوراق النقدية في

فترات الأزمات من اجل دفع الاقتصاد وبالتالي توفير ظروف نجاحهم في الانتخابات القادمة . وستبدأ عديد المدارس الاقتصادية وبصفة خاصة المدارس الكلاسيكية أو الليبرالية بالدعوة إلى إخراج السياسة المالية من يد السياسيين وإعطائها لخبراء تكنوقراط مستقلين يديرونها بطريقة عقلانية بعيدا عن اكراهات السياسة والسياسيين وذلك من خلال إعطاء استقلالية للبنوك المركزية عن السلط السياسية .إلا أن هذا النداء وهذه الدعوة لاستقلالية البنوك المركزية لن يلقيا أذانا صاغية لتواصل السلطة السياسية هيمنتها على المؤسسات المالية .وستستمر هذه الأوضاع على حالها إلى حد التجربة التضخمية الثانية في العالم والتي عرفتها البلدان الرأسمالية طوال سبعينات القرن الماضي . وقد عجزت السياسات الكينزية

التي تعتمد على تدخل الدولة في وضع حد للتضخم والبطالة مند بداية السبعينات . وقد زاد ارتفاع أسعار النفط اثر حرب 1973 هذا الوضع تأزما.وكان من نتائج هذا الوضع ظهور والنمو الكبير للقوى اليمينية في البلدان الرأسمالية والتي تمكنت من هزم القوى الاشتراكية الديمقراطية التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . ومن ضمن هذه الانتصارات نذكر قدوم المرأة الحديدية مارغريت تاتشر في انقلترا ووصول رونالد ريقان في الولايات المتحدة الأمريكية . وستعمل هذه السياسات النيوليبرالية على تطبيق إصلاحات اقتصادية واجتماعية راديكالية للخروج من عقد دولة الرفاه Etat providence الذي ساد اغلب البلدان المتقدمة اثر الحرب العالمية الثانية وقد ساعدت الثورة المضادة ضد الإرث الكينزي في المجال الفكري هذه الثورة النيوليبرالية والتي ستأتي على الأخضر واليابس لتنهي دور الدولة في الاقتصاد لصالح السوق ودوره التعديلي بعيدا عن إغراءات السياسيين واهتماماتهم . وستكون إصلاحات البنوك المركزية وخاصة تأكيد مبدأ استقلاليتها عن القرار السياسي والسلطة السياسية احد أهم القرارات في الحزمة الإصلاحية النيوليبرالية التي سيقع تطبيقها بداية من تسعينات القرن الماضي لتصبح احد ثوابت السياسات المالية على المستوى العالمي .

ولئن حظي هذا المبدأ واستقلالية البنوك المركزية بإجماع كبير طيلة الثلاثين سنة المنقضية فإنها أصبحت اليوم محل نقاش وجدل وانتقادات كبيرة – ولفهم هذا النقد لابد من العودة للازمات الاجتماعية التي تمر بها غالب بلدان العالم ونمو البطالة وزيادة التهميش الاجتماعي . وستساهم هذه الأزمات الاجتماعية والإحباط وفقدان الأمل في فشل وانهيار النخب السياسية التقليدية وفي النمو الكبير للحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة والتي ستعمل على القطع مع السياسات والمبادئ الاقتصادية السائدة . وستوجه هذه القوى والأنظمة السياسية الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض البلدان الأوروبية وتركيا سهام نقدها للبنوك المركزية ولسياساتها المالية المحافظة والتي تعطي أهمية كبرى لمحاربة التضخم من خلال الترفيع المشط في نسب الفائدة المديرية بدون النظر لانعكاسات هذه السياسات على التنمية وعلى التشغيل والاندماج الاجتماعي . وكان هذا النقد نقطة انطلاق لحرب تخوضها هذه القوى ضد السياسات الاقتصادية والمالية المحافظة والاورتوذكسية التي تطبقها اغلب البنوك المركزية في العالم وبداية القطيعة مع مبدأ استقلاليتها . ولعل في الهجومات الصريحة والواضحة والعنيفة في بعض الاحيان للرئيس التركي رجب طيب اردوغان اكبر مثال على حدة الحرب التي تدور رحاها بين القوى الشعبوية في العالم والقوى التقليدية والمدافعة عن استقلالية البنوك المركزية .والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو قدرة هذه القلاع على الصمود أمام عتاوة المهاجمين . وهل يمكن لنا المحافظة طويلا على استقلالية البنوك المركزية وسياساتها المالية المحافظة أمام حدة النقد الموجه إليها .

في رأيي شكل مبدأ استقلالية البنوك المركزية بالرغم من قدومه في حزمة من الإصلاحات النيوليبرالية تطورا مهما في السياسات الاقتصادية باعتباره وضعها في مأمن من التجاذبات السياسية – إلا أن البنوك المركزية لا يمكن لها المواصلة في نفس السياسات المحافظة والتي تضع نصب أعينها التوازنات الاقتصادية الكبرى وبصفة خاصة التوازنات المالية ومحاربة التضخم بدون الاهتمام بالقضايا الأخرى وبصفة خاصة المسائل الاجتماعية الكبرى .
واعتقد أن تقليص الضغط المسلط اليوم على البنوك المركزية يمر حتما عبر إعادة التفكير في دورها والخروج من بوتقة السياسات المحافظة الموروثة من الفترة النيوليبرالية ومن هيمنة أفكار «العولمة السعيدة» وعودة الوعي للبنوك المركزية وإعادة بناء مشروعيتها السياسية تمر حتما عبر إخراج السياسة المالية من بوتقة التوازنات المالية ومحاربة التضخم

وفتحها على الهاجس الاجتماعي من نمو وتشغيل واندماج اجتماعي .

لقد أثبتت البنوك المركزية في السابق وبصفة خاصة في الأزمة المالية العالمية لسنوات 2008 و2009 قدرتها في التأقلم لدرء الأخطار الكبرى ولئن كانت أخطار الأمس مالية فإن أخطار اليوم اجتماعية وسياسية ولابد للبنوك المركزية أن تتأقلم معها لدرئها من خلال سياساتها المالية . وهذا في رأيي طريق خلاصها من الحصار المسلط عليها من خلال فتح

أبوابها وأذانها لصعوبات الناس وانكساراتهم وأحلامهم وآمالهم .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا