ورقة الوراق 2017: الإفطار في رمضان حق مقدس

ما يحدث في شهر رمضان منذ مدة غير مقبول اطلاقا. حملة يبدو وكأنها منسقة بين أجهزة الامن والقضاء وفرق «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» تشهّر بالمفطرين وتغلق المقاهي والمطاعم

وتؤلب ضدهم الرأي العام. ووصل السيل الزبى بمحاكمة أربعة مواطنين يبدو أنهم بدون مأوى من محكمة الناحية ببنزرت بشهر سجنا بتهمة « التجاهر عمدا بفحش» (وهذا يعني انهم سيجبرون على الصيام في السجن). وإن كان رمضان فرض عين وواجبا مقدسا. فالإفطار حق فردي. وهو أيضا مقدس. وهذا أصل الخلاف في الإسلام الحديث.

ليس على المريض حرج ولا على المسافر حرج. ومن يريد أن يفطر فليفطر. ولكم دينكم ولي ديني. يتبخّر هذا المخزون في أول امتحان ما أن يحل شهر رمضان. يستلبس المؤمن فجأة ويصيبه مرض التعصب. ترى المفطرين يرابطون بيوتهم أو يسافرون أو يختفون في مقاهي مغلقة، مغلّفة بكاغد وكأنهم مصابون بمرض الجذام، ذاك المرض المعدي الذي ينهش جسم المنبوذين في الهند فتراهم بدون أيادي او أرجل أو أنف فقدوها من جراء المرض. وهم يعيشون خارج أسوار المدينة خشية من أن تتسرب العدوى لغيرهم. الراهبة الكاثوليكية الأم ترازى (مار ترازى) هي الوحيدة التي كانت تزورهم متحدية الآفة والعياذ بالله.

يستمد رمضان قداسته من النص القرآني. في حين أن حق الإفطار يستمده من الدستور. فالمقدس ليس دينيا ضرورة. فمثلا يعتبر الدستور التونسي الحياة حقا مقدسا والدفاع عن الوطن واجبا مقدسا.

والقداسة قداستان حسب ايميل دركايم : سلبية بالمنع وإيجابية بالإقرار. والحقوق هي أيضا سلبية (يمنع المساس بكذا أو كذا) وإيجابية (لكل مرء الحق في كذا وكذا). ولكن يأتي التعارض من أن قداسة رمضان ربانية في حين أن قداسة الحق في الإفطار دنيوية. ويمكن التزاوج بينهما وبين القرآن والدستور وبين الايمان والمواطنة شريطة أن لا نجعل من فرض العين واجبا جماعيا أي أن نفرضه على الجميع بالقوة إن لزم الأمر. وهذا ما يفعل الثالوث (الشرطة العدالة وعادل العلمي).

ويبدو أنهم في حرج. فمن جهة الدين فهذه «الجمعية التونسية والوعاظ والمؤدبين والاطارات الدينية» تستنكر الحملة وتذكر بـ«عدم وجود أحكام قرآنية أو نبوية تجرم فتح المقاهي في نهار رمضان». ومافي الأمر اجتهادات بشرية خاضعة لمبدأ الخطأ والصواب. والشيخ البدري المدني يقول إن «عادل العلمي يتحرك مخالفا لكل نظم التشريع السماوي» (المغرب 3.06.2017). وأين الشيخ الباجي؟ هو في النداء. وقال المحامي المنجي الغربي أن اللجوء الى أحكام الفصل 226 من المجلة الجزائية لمقاضاة الشبان الأربعة بتهمة التجاهر عمدا بفحش هو «تجاوز فاحش في تأويل القانون» (المغرب 4.06.2017). وتحركت الرابطة التونسية لحقوق الانسان وفرع سوسة للقضاة. وبادر المجتمع المدني بعريضة من تنسيق رحمة السيد تطالب بسحب المنشور 1981 وأخرى دولية بمبادرة هدى ز

(أخفت اسمها) تحت غطاء منظمة آفاز لحقوق الانسان وحملة فيس بوكية «مش بالسيف». ومواقف بعض المثقفين مثل منية السوايحي . هذا ما قرأت.

وصمتت الأحزاب متحرجة من هاجس «أعراض برسيبوليس» (نسبة لفيلم عرضته نسمة) عندما خسرت الانتخابات من جراء اصطفافها وراء قناة نسمة. باستثناء (على حد ما قرأت) ياسين إبراهيم شخصيا وحزبه آفاق تونس اللذين برهنا مرة أخرى عن تناسق مذهبهم الليبرالي (الحرية في كل المجالات لا في الاقتصاد فقط) وأحمد الصديق الناطق الرسمي باسم حزب الطليعة العربي الديمقراطي الذي كان أشد لهجة مطالبا السلط العمومية «بإيقاف عادل العلمي عند حده» وايقاف الدولة في حدود ما يضمن النظام العام بدون تدخل في عقائد الناس. بارك لله فيهم.

ان الحديث عن الحرية الدينية والتسامح في الإسلام وترجمتها في فصول دستورية تبقى حبرا على ورق ما لم تجسد في الواقع. وعلى المثقفين أن يقفوا مع الحق المقدس في الحرية. وكما ربحنا معارك سابقة سنربح هذه وفقنا الله.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا