ورقة الوراق 2017: الشاهد اختار تونس

قال يوسف الشاهد في تصريح له أنه في الحرب على الفساد لا خيار ثالث بين الفساد وتونس. اختار هو الدولة وتونس. لم يؤخذ مأخذ الجد الى أن أوقف البعض من أباطرة الفساد في حملة غير مسبوقة

ومسترسلة. لقد أثبت ذاك الرجل الذي ينظر دوما الى السماء أن أقدامه راسخة في الأرض. وقراراته غير ارتجالية. قد تنقصه الحنكة ولكن الصدق يعوضها أيما تعويض. كل الناس آمنوه مباشرة لما صدع بموقفه وكانوا ينتظرون الأفعال. ففعلها. آنذاك تذكر الناس ما قال الشاهد حين استشهد بماركس حول الفلاسفة الذين يفسرون العالم عوض تغييره. آن الأوان: يوسف الشاهد يغير العالم.

ما شد انتباهي هو قوله «اخترت تونس». يتبادر للذهن مباشرة أن آخرين اختاروا شيئا آخر أو تونس ولكن مع جرعة من الأنانية والحسابات الضيقة. اختار الجبالي الخلافة، والعريض الانتقام، واختار جمعة التسويف والصيد الإدارة. الشاهد وحده يغامر، يلعب الكل في الكل. اختار تونس «حبا وطواعية» كما يقول الفنان مارسال خليف.

يقال أن حب الوطن من الايمان. وهي مقولة ساذجة. يطرح في الحقيقة السؤال فلسفيا: هل تعدّ الوطنية من الفضائل، أم هي واجب أم فعل ارادي؟ من يعتبر الوطنية فضيلة يجعلها من مكارم الأخلاق التي يتحلى بها الفرد داخل المجتمع مثل السؤدد أو الصداقة.

ومن يراها واجبا لا يهتم بطابعها الأخلاقي بل يجعل من الذود عن الوطن والتضحية من أجل الجماعة فرض عين لا فرض كفاية. وهذا ما ورد في الدستور التونسي مثلا بجعل الدفاع عن الوطن واجبا مقدسا (الفصل التاسع). أما أن نختار حب الوطن فهو خيار آخر. أنا لا أعلم ما اذا كان الشاهد واع بالمضاعفات الفلسفية لمقولته ولكنه جعل من الولاء للوطن حرية شخصية وفعلا اراديا يخرج من دائرة الجماعة ليصبح التزاما شخصيا.

ويسمى هذا التصور التحرري أو الليبرالي «الوطنية المعتدلة» مقابل «الوطنية المتجذرة» (حب الوطن واجب) و»الوطنية الأخلاقية» (مكارم الأخلاق). وهذا يعني ان الفارق ليس بين الوطنيين والخونة ولكن بين من يعترف بالجميل ومن يتنكر لما قدمه له الوطن من خدمات من تربية الى أمن وفرص نجاح. ولكن هذا يعني في المقابل أن المرء غير مجبر على الولاء لا للدولة ولا للحكومة. وهي ما تسمى الحرية السلبية. ولا يدافع على الوطن اذا ظلم واعتدى على غيره. وهذا هو الفرق بين الوطنية والقومية.

من هذا المنظار، يمكن أن نقول أن الشاهد أوقف أناسا أخلاقهم رذيلة (لا فاضلة) مشكوك في وطنيتهم (أي واجب الذود عن الوطن) اختاروا عن طواعية وبكل حرية حياة الأشرار والمتحيلين والفاسدين عوض نمط حياة آخر (الوطنية خيار). ما يؤسف حقا هو تواطؤ كبار السياسة وجزء من النخب إما بالصمت المريب على أفعال هؤلاء أو التبجح بصحبتهم. أو التورط بالانتفاع ماديا من عطاياهم. كان هذا خيارهم الوضيع. وضعوا مصالحهم الشخصية أو الحزبية فوق الوطن.

وها هم الآن يستعدون للذود عنهم. وللأمانة ندد البعض اسميا بهؤلاء الفاسدين ونبهوا إلى أخطارهم. فلنشكرهم على ذلك. اختار الشاهد أخيرا الانحياز لتونس مديرا الظهر للحسابات الضيقة التي كبلت كل من سبقه ومنعته من اتخاذ القرارات الجريئة. وهو الآن في الواجهة وفي قلب الرحى والأخطار محدقة به من كل جانب. وعلينا أن ننحاز لتونس وأن نختار ما اختاره. وأن نصيح مجددا «ديقاج يا خمّاج».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا