ورقة الوراق 2017: ماكرون تونسي؟

كان من المنتظر بدون منازع أن ينتصر الشاب ماكرون على منافسته لوبان في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية يوم الأحد 7 ماي. ولكن أن يتصدر الدورة الأولى هذا لم يكن متأكدا. أما أن ينازع الكبار شابا لا ينتسب لا لليمين ولا لليسار ويصنع المعجزة

في أقل من سنة بدون رصيد وبدون حزب وبدون أن ينتخب سابقا ولو في بلدية، فهذا لم يقرأه أحد ، حتى في الغيب. وفي المحصلة لقد خالف ماكرون كل قوانين السياسة بدءا بتكوين حزب مهيكل منتشر في البلاد منذ عقود يجمع المناضلين ويؤدي الخدمات. هذا في بلد عريق تمارس السياسة فيه كمهنة قارة دون غيرها، مغلقة للهواة وللمتطفلين. فهل هذا ممكن في تونس؟ كل شيء ممكن طبعا ولكن هيهات؟ عوائق جمة تعترض أي ماكرون تونسي

أولها إيديولوجية الشيخوخة. فالناس هنا يتنبهون ب»الشيخين» الوقورين» ويقرون فيهما الحكمة ويستمتعون حتى بخبثهم وغدرهم، نعم. وهما المانعان لبروز أي شخصيات جديدة داخل أحزابهما الى درجة أنهما مستعدان لتحطيم ما بنوه بعناء أي أحزابهما لو اشتما رائحة تمرد أو عصيان أو تألق من أي ماكرون كان. وذهب الطيش بالبعض الى اقتراح ترشيح الغنوشي للرئاسة. والتعاسة بالبعض الآخر الى اقتراح الباجي القائد السبسي الى ولاية ثانية في 2019 من القرن الحالي نكالة في أي ماكرون وهو يتلذذ بذلك، ولا يرفع اللبس مغامرا بالمستقبل أي بأي ماكرون لأنه لا ماكرون من صلبه. وتسربت عدوى إيديولوجية الشيخوخة لكي يلقب قصّر سلفيون لا يتجاوز عمرهم ماكرون ب»شيوخ». ولا تزال تحل الخلافات بالرجوع لشيخ العائلة والقبيلة والبلد والبلاد.

ثانيها سردية النضال. هذا بلد لا يفتح فيه أحد فاه الا وطولب بالإلحاح أن يقدم سيرته النضالية كما يقدم الديبلوماسي أوراق اعتماده. أين كنت زمن بن علي؟ وماذا فعلت؟ وهل دخلت السجن وعذّبت. وبكت أمك. ومن كان مفضوحا اعتذر ومن كان متواطئا فضح فأصبحت السياسة تقاس بعدد اللكمات وحجم الاهانات زمن بورقيبة وبن علي. وحتى الباجي أجبر أن يوضح أنه قطع مع بن علي في 1991. ومن دخل السياسة بعد 14 جانفي عدّ من الأحداث والمراهقين والهواة أمثال الوزير الأول ومن لف لفه. أين ماكرون يتجرأ ليسرد للتونسيين قصة جديدة تنظر إلى الأمام لا تشد الى الوراء تنقل مصدر الشرعية من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر قصة لم تكتب بعد أبطالها شباب لا شيوخ أكفاء ومن غير محترفي السياسة يقولون ما يفعلون. وينسحبون في أول فشل ذريع.

ثالثا أنثروبولوجية النخب. إن معظم النخب السياسية بما فيها الأحزاب والبرلمان والحكومة هي منحدرة من طبقات متوسطة متعلمة نموذجها المثالي «الأستاذ الجامعي» وأقل درجة الثانوي أو الموظف السامي. جلها منخرطة في أحزاب أو موالية خلسة وسرا لأحزاب فاعلة. والكل يستجدي النهضة والنداء شق قائد السبسي (مؤقتا). لا أحد فيها صالح لكي يكون ماكرون. هؤلاء يكرهون ماكرون لأنه شاب وسيم خريج مدرسة عليا، ثري ولأنه مساند من البنوك الكبرى الفرنسية و الرأس المال المالي الأوروبي وهو صنيعة مخابر التفكير (ثين تانك) لصنع الزعماء يديرها أناس لهم نفوذ (مثل آلان منك وجاك أتالي وماتيو قالي..). السياسي في المخيال التونسي متعلم فقط ناضل ويناضل ويصب عرقا نضالا يجوب البلاد طولا وعرضا (على النمط البورقيبي) ويحبها كما لم يحبها أحد موظف محامي خبير لا ثري وليست له الثقة المطلقة في رأس المال ولا يتباهى بمعرفة بوشماوي وأناس المليارات. يسكن في التلفاز وغير مدين لأحد. لا يكره التجمعيين ولا يحاكمهم، يتعامل مع النهضة مكرها لا بطل. لا يعادي أحدا ولا يرضخ لأحد. هو نازل من مريخ السياسة. هو ليس ماكرون. هو السيد الآن.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا