ورقة الوراق 2017: هل انتهت داعش ؟

داعش انتهت. هذا ما نسمع ونقرأ. وقيل أيضا أن الإسلام السياسي انتهى. والقاعدة انتهت. والإرهاب يحتظر. وكلها أفكار جميلة ومتفائلة ولكنها خاطئة. تسفهها الاحداث يوميا وتفتقر للعمق النظري ولا تتعظ بالتاريخ. وأكاد أراجع عنواني لأتساءل مجددا لماذا لم تنته داعش لا هل انتهت ؟


ان من يتصور أن داعش انتهت يرى فيها دولة بأتم معنى الكلمة أو ما يشابهها، مؤسسة تحتكر الضغط المسلح على رقعة معينة من الأرض، تحمي الثغور وترفع الضرائب أي بفهوم الدولة الإسلامية (الزكاة والخراج و الجزية والآتوات) وتطبق الحدود. حتى بهذا المفهوم التقريبي لم تكن بدولة. ولذلك فان الانحسار الجغرافي لما يسمى اعتباطيا خلافة والخسائر الجسيمة التي كبدت بها لم ينه وربما لن ينهي الظاهرة.

فداعش هي خلافة وهمية، دولة جوالة، طاقمها رحل. أي رقعة من أي تراب تصبح داعش. أمة، ولاية، حي، سكة، منزل، سكة. بدليل ما يحدث الآن من أعمال إرهابية آخرها في مصر. أي فرد هو من هنا فصاعدا داعش أي دولة. يكفيه أن يتبنى الفكرة. الفكرة تدير العالم. كما يقول هيقل. وما دامت فكرة فهي دائمة ممكنة بالفعل.

يجيب افلاطون في مدخل الجمهورية مسبقا على من يتهمه ببناء مدينة فاضلة طوباوية غير واقعية وغير ممكنة الحدوث : اذا كانت المدينة ممكنة في العقل فهي ممكنة بالفعل. لماذا ؟ لأن من يفكر يتذكر. مع فارق: داعش استرجاع لذاكرة ولكن لا لشيء ممكن (دولة إسلامية مثالية في العقل) بل لشيء يبدو أنه حدث: دولة الخلافة الراشدة. هي مثالية وقعت، اسطورة أنجزت، سرد يسكن في المخيال الجمعي ويحرك الإسلام منذ البدء: في البدء كان الخليفة راشدا. كل المؤرخون يقولون العكس والصراع قائم منذ الفتنة الكبرى حول رشد الخلافة الراشدة. وأنها ألغيت في 1923 وأن حزب التحرير الذي أسس في 1953 على أساس فكرة الخلافة هو خارج التاريخ. وأن داعش استرجاع لحلم تبخر. ومع ذلك نقول ونكرر: الذاكرة أقوى من التاريخ.

وهذ الفكرة جهنمية. تعيد نوعا من «الشيوعية البدائية»، الكل يعيش في دولة ما قبل الدولة أي بدون رقيب محايد ومتعالي على الأفراد. بل فيالق تصول وتجول في همجية عارمة. والكل يمنح الحرية المطلقة لغرائزه وأهواه، ينكح ويسلب ويعذب عنوة ويقتل ويموت. وهذا باسم الدين. لا يهم لمن يدعي ذلك ان الدين يعارض اطلاقا فكرة القسوة وتأليم الناس عنوة. اذ هنالك مبحث في علم الكلام خاص بالتساؤل: هل الله يعذب ويألم؟ وهل الله يخلق كل شيىء بما فيه الشر والقبح ؟ لا يهم. داعش فرصة لصراع الأبدي بين الشر المطلق والخير. هم يريدون الإسراع بنهاية التاريخ مستغلين أحاديث منحولة وسردية حول نهاية العالم في دمشق وخروج الدجال الأعور ونزول عيسى عليه السلام. هم يعيشون قانون الغاب في أجلى مظاهره. فرضية هوبس تحت المحك : الانسان ذئب منفرد للإنسان. بدون جزئها المنسي والذي يذكر به هوبس: الانسان ذئب للإنسان في الحالة الطبيعية، رب للإنسان في الحالة الاجتماعية.

A l’état de nature, l’homme est un loup pour l’homme. A l’état social, l’homme est un Dieu pour l’homme.

لذلك لن تنتهي فكرة داعش. لأنها جذابة. هي كالمرض يلازمنا. نقوم بالإجراءات الوقائية و نتعافى ولكن القضاء عليه نهائيا اليوم وهنا تفاؤل في غير محله. وان قمنا بذلك تتخذ نفس الفكرة أشكالا جديدة: فما داعش سوى احد وأبشع اشكال الفكر التكفيري الجهادي الذي يلازمنا منذ عقود ؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا