حديث الأنا: (3) في رحاب مستشفى سهلول بالساحل السعيد

كلّ ستّة أشهر، عليّ اجراء فحوص طبّيّة... غدا، باكرا، مع زوجتي، نذهب سويّا الى مستشفى سهلول بالساحل. ككلّ مرّة، زوجتي لجانبي تشدّ ازري، تساعدني في المسعى. ليلتها، لم أنم الا قليلا. ليلتها، بتّ مضطربا، قضيت الليل بين الفراش مرّة والمرحاض

مرّات أخرى. بتّ الليل كلّه أسمع ما فيّ من سؤال وريبة. أعيد فرضيّات عدّة. أنهض ثم أعود أتقلّب واللحاف، يمنة ويسرة... هل حان الموعد؟ يهتزّ فكري. أتنصّت الى راسي وفي رأسي صدى دقّات قلبي. انتهى النوم. أترك الفراش. أمشي الى المطبخ، ألتقي بنفسي. أترشّف وحيدا قهوة مرّة. أسمع ظلام الليل. هذا آذان الفجر يدعو. هذا عصفور الليل يغرّد لحنا. أعود الى نفسي. أنظر. أفكاري متقطّعة. أسبح في الفلك. أرى وجه أمّي وهنّوف وكلّ صحبي. الكلّ ينظر فيّ، يحدّق. في أعينهم لوعة وحرقة...

حان الموعد. تهيّأنا بسرعة، قصدنا المستشفى. بعد ساعتين من رحلة مضجرة، وصلنا الى سوسة. ها أنا وزوجتي في مدخل المستشفى. بهو كبير، عريض امتلأ بشرا. خلق كثير جاء من كلّ أرض، كانوا من كلّ عمر، من كلّ رهط. حيث تمشي ترى العباد تسعى. في المدارج، في القاعات، في المصاعد، يمنة ويسرة. في الوجوه صفرة وفي الأعين بهتة...

مستشفى سهلول قرية كبرى. سوق مكتظّة. كان ممتلئا كبيضة. جاءه الناس من كلّ صقع. في ازدحام متّصل، ترى الناس والممرضات والأعوان والأطبّاء وغيرهم يحثّون الخطى، يتدافعون كالموج. في مستشفى سهلول تسمع ضوضاء وترى بعض فوضى. في حركيّة متّصلة، كان المستشفى ساحة حرب. هو مصنع ضخم. في كلّ ركن، في كلّ زاويّة، في السبل المختلفة، ترى الناس تكدّ، تتأوّه، تجتهد لتحقيق المسعى. رغم ما كان من تدفّق للمرضى ولغير المرضى ورغم ما كان في الأرجاء من بشر يسري، كان النظام العامّ قائما وكان الكلّ الى مبتغاه يسعى. بلا صخب، بلا تدافع، بلا عفس...

لا أرى من حولي شيئا. لا أنتبه لما يجري. وجهي مصفرّ، أسود. أمشي في الأرض وأنا في السماء أسبح. منشغل بما سوف ألقى وبما سوف يقول المفراس من نبا. وسط الزحام، توجّهت أنا وزوجتي الى قاعة المفراس. في قاعة الانتظار، أناس كثيرون. جلست في ركن، على حدة. جلست زوجتي قبالتي. أنظر فيها مرّة وفي الناس من حولي مرّات أخرى. كان الكلّ في هدوء وفي صمت. لا أحد متجاوز للحدّ. في القاعة نظام بيّن ولا مكان للفوضى. أنا أخاف الفوضى. أكره المستشفيات والأسواق وحيث يتجمّع الناس بكثرة. أخشى الانفلات. في جناح المفراس، هناك نظام. كلّ في مكانه ينتظر. كلّ لوحده يئنّ، يتوجّع، بلا خروق، بلا فوضى...

في ما مضى، كنت أقمت في المستشفى العسكري حيث أجريت عمليّة جراحيّة وكنت زرت مستشفى شارل نيكول وفي كلّ مرّة أغادر المكان وفيّ أسف وحسرة. حتّى المستشفى العسكري ورغم ما فيه من جند ينظر ويحرص تلقى اهمالا كبيرا وفوضى. أمّا المستشفى الجامعي بصفاقس فقد غدا منذ سنين خندق حرب. فيه صراعات متّصلة ونقابة تأمر وتنهى. في صفاقس، يرى الأطبّاء ما يجري من فساد وسوء. تعرف السلط ما كان من تعطيل ومن عبث... دون أن يحرّك أحد اصبعا، دون أن يسعي أحد لتدارك الوضع واعادة النظام في المستشفى... النظام هو أساس الانتاج. لن يحصل فعل ولا جدوى في ظلّ الانفلات والفوضى. في المستشفى، النظام هو السبيل لإنتاج علاج أفضل، لتحقيق النجاعة والجودة...

في انتظار الموعد، من حين لآخر، مرّات عدّة، أذهب الى المرحاض لأتبوّل. لعلّه القلق. لعلّه الترقّب. كانت المراحيض نظيفة، مهيأة. في الأرض وفي الجدران نظافة بيّنة. في قاعة الانتظار كراس مريحة. الممرّضات في سعي لا ينتهي. يستقبلن المرضى.

تدعوني الممرّضة باسمي، فأقفز واقفا. شدّني خوف. أدخلوني الى الفحص. في غرفة صغيرة، تدعوني البنيّة أن أمدّ يدي لتدقّ في ظهرها حقنة. كنت أتّبع حركاتها ولا أرى لها وجها. كانت بنيّة شابّة، نحيفة الجسم، حاذقة، ماهرة. تبتسم فأبتسم. تأمر فأطيع. أنزع ثيابي من ذراعي، كما أمرت. أمدّ يدي طوعا...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا