ورقة الوراق 2017: كارل ماركس ويوسف الشاهد

على هامش جلسة منح الثقة لعضوي حكومته الجديدين بمجلس نواب الشعب الخميس 16 مارس 2017 استشهد رئيس الحكومة يوسف الشاهد في خطابه بمقولة لكارل ماركس. تفاعل نواب البرلمان بالتصفيق والضحك لم نفهم مغزاهم من

نواب رأينا منهم العجب العجاب منذ أكتوبر 2011. وطالبوه بالإعادة فأعاد: «الفلاسفة ما قاموا به كان تفسير الواقع بطرق مختلفة ولكن الأهم هو تغييره». وتهافت الفايس بوك سخرية وظن بعضهم أنه يتباهى بماركس وآخرون بأنه يقصد الجبهة الشعبية المحسوبة على الالتزام الماركسي ولكنها مكتفية بنقد الواقع. وهو يعني فقط أن زمن تشخيص الأزمة قد انتهى وجاء وقت الإصلاحات. ولكن هل هو جاد فيما يقوله؟ وهل التغيير ممكن في تونس؟ وهل أن تغيير العالم أرقى من تفسيره؟

استشهد يوسف الشاهد حرفيا بماركس خلافا للصيغة المشوهة التي تناقلتها وسائل الاعلام. وان كانت الترجمة وفية الا أن المعنى الحقيقي ليس «التغيير» أي تغيير بل التحويل، التحويل الثوري:

«الفلاسفة ما قاموا به كان تفسير الواقع بطرق مختلفة ولكن الأهم هو تغييره».
Les philosophes n’ont fait qu’interpréter le monde de différentes manières, [mais] ce qui importe c’est de le transformer»
وقد أضاف الشاهد كلمة «ولكن» (الموضوعة بين ظفرين). وهي الكلمة التي أضافها فريديريش إنقلز على الصيغة الأصلية للأطروحة الحادي عشرة والأخيرة من «أطروحات حول فويرباخ» والتي تشكل بدورها ملحقا لكتاب «الأيديولوجية الألمانية» لكل من ماركس وإنقلز. لم يكن لرفيق فويرباخ رمز الفلسفة الألمانية التي تمنح الأولوية للفكرة على حساب المادة. بل هيقل. ولكن كان شخصا مهما لماركس الى درجة تفريده بأطروحات لأنه انتقل من الفكر الديني الى الفلسفة ومن الايمان الى الالحاد (هو أكبر ناقد للدين كتغريب واغتراب) ومن المثالية الصرفة (الطابع المميز للأيديولوجية الألمانية) الى المادية. ما يعيبه ماركس هو أن ماديته لم تربط بين النظرية والفعل الثوري. وهذا هو النقد في الأطروحة الأولى:
Feuerbach ne considère pas l’activité humaine elle-même en tant qu’activité objective. C’est pourquoi dans l’Essence du christianismel, il ne considère comme authentiquement humaine que l’activité théorique. C’est pourquoi il ne comprend pas l’importance de l’activité «révolutionnaire», de l’activité «pratique-critique».

وإن كان هذا هو أصل الخلاف فان استشهاد يوسف الشاهد بكارل ماركس صورة بلاغية ليس الا. ورغم ذلك هو أول رئيس حكومة مثقف منذ مزالي الثرثار. هو من جيل شباب الجامعة مراجعه ناظم حكمت والشيخ الامام والثورة الثقافية. هو وسيم. وتوسم الناس فيه خيرا. هو ينظر للسماء تأملا بحيث لا نعلم هل هو خائف من سقوطها عليه أو أنه كذاك الفيلسوف اليوناني تالاس دي ميياء الذي كان يمشي ناظرا الى السماء منبهرا حتى سقط في جب. وان أكثر ما يهدده هو الكلام بلا فعل والفعل بدون تغيير والتغيير بدون تحويل. وهو الى حد الأن أقرب إلى فويرباخ من ماركس وأقرب حتى من هيقل، عين المثالية. هو يقول أن حكومته لن تكون حكومة تصريف اعمال وأنها أنجزت ما وعدت به وأنها عازمة على القيام بإصلاحات. ولا يصدقه أحد. فهو لم يقم حتى بأبسط الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي «البرجوازي الامبريالي» حسب مفسري اليوم أي الجبهة الشعبية. بل عكسها وعاكسها. كيف يمكن لشخص وعد من تعهده بمقاومة الفساد أن يقول أن مهمته تنتهي بإيداع الملفات لعدالة يشك الكل في حيادها. هذا هو بالضبط تفسير العالم. رئيس الحكومة شخص ارادي وجدّي ولكن سلطة القرار ليست بيده. هو سجين قرطاج وقرطاج التي انتخبت للتغيير لا تريد الا إدارة أبوية تتأمل العالم، تتأقلم مع العالم، تدير العالم، غبطة بالعالم. ولن تقوم بشيء الا تحت ضغط العالم.

ليس من الصحيح أن تحويل العالم أرقى من تفسيره. ولا حتى العمل أرقى من التأمل. لم يكن فويرباخ مفكرا فقط بل رجل عمل ترشح للانتخابات وساهم في الحياة السياسية ولا كان ماركس حركيا بدون فكر. ولكن تبخر حلم التحويل الثوري عندما ظهر بالكاشف أن ما بعد الثورة الشيوعية أسوأ مما سبق. فنشأت مدرسة فرنكفورت الماركسية (أسسها أدرنو وهوركايمر وماركيز) في ثلاثينات القرن الماضي لتختزل الماركسية في ما أسمته «النظرية النقدية للمجتمع». أي أن الماركسية أداة تحليل ونقد فقط. وهكذا فاز فويرباخ على ماركس. ومع نهاية الفعل الثوري انقلبت الأولوية وأصبح التأمّل أولى من العمل أي عمل. و ما يجب أن يكون أرقى مما هو كائن. وهذا الذي جعل الكلام على الإصلاحات لحظة فارقة بين التشخيص الذي يحذقه الشاهد والتغيير الجذري الذي يرجأ الى أن يأتي من هو جدير بالقيام به.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا