حديث الأنا: (1) في رحاب مستشفى سهلول بالساحل السعيد

عليّ أن أذهب، يوم الثلاثاء، الى المستشفى. كلّ ستّة أشهر، يجب أن أجري فحوصا طبّيّة لأرى ما كان في الجسم من حدث، ما كان للمرض من تحوّل. تلك هي التراتيب وعليّ أن أمتثل للتراتيب. يقول الطبيب، خلال سنتين وحتّى نرى، يجب مواصلة الفحص...

قرب الموعد. كنت في خشية. منذ أيّام عدّة، أنا خائف من الفحوص هذه، ممّا سوف ألقى. لعلّ المرض الخبيث تمكّن واستمرّ. لعلّ السرطان انتهى وولّى. كلّ الفرضيّات ممكنة. لا أحد يدري ما سوف ألقى. قرب موعد الفحص. مع الفحوص، سأعلم ما كان من حياة متبقّيّة. منذ أيّام وأنا في قلق. سكنت قلبي ريبة. دوما أفكّر. أنظر في ما كنت أصبحت. أتخيّل أشياء عدّة. انتهى العمر البهيّ. انتهى الزمن الجميل. اليوم، أنا رجل أحمل علّة...

أنا لا أحبّ المرض. أنا لا أحبّ الذهاب الى المستشفى. أنا أخاف المرض والموت. أكره المستشفيات والمقابر. في المقابر والمستشفيات هنة الانسان الكبرى... بين المستشفيات والمقابر صلة متّصلة. المستشفيات سقيفة المقبرة. بوّابتها المؤدّيّة. أنا أكره المقابر. ان مات أحد من حولي، أبحث عنّ علّة حتّى لا أمشي الى المقبرة. في أسف، أدعو له بالرحمة. يشدّني حزن ورهبة. أكره الموت وأمتنع عن السير وراء الجنائز المفزعة. أهاب تلك اللحظة. يشدّني احباط وذعر وفي راسي أسئلة محيّرة. أعلم أنّ الناس جميعا سوف ينتهون يوما في المقبرة.

أعلم أنّي سألقى حتفي وأنتهي ككلّ الناس في حفرة مظلمة. في انتظار اليوم الموعود، دعوني أحيا. دعوني أعانق الدنيا. دعوني أمشي بين بحار وأجنّة، بين نجوم وسماوات سبع. دعوني في مرحي، صبيّا...
لا أحبّ المقابر وفيها التحمت القبور بعضها ببعض، ملقيّة، مبعثرة. أنا أخاف القبر وأخاف يوم ربّي ألقى... لما الخوف والموت حقّ ولن يبقى في الأرض بشر يحيا؟ هل فعلت شرّا حتّى تخاف الحشر؟ أنا لم أفعل شرّا ولا أخاف حشرا. أتيت أحيانا عصيانا ومنكرا. أتيت أحيانا اثما. لست دوما مستقيما وما كنت دائما في سراط سويّ. ما من شكّ أنّي أتيت حراما. ما من شكّ، عصيت وفعلت سوءا. ما كنت دوما أوفّق في المسعى. أحيانا، أراني مخلّا. أحيانا، أراني، مقصّرا...

أنا لا أصلّي ولا أصوم الشهر. في الحقيقة، لا أرى نفعا في الصلاة ولا ألقى فائدة في الصوم، مقنعة. في ما مضى، لمّا كنت صبيّا غرّا، صمت الشهر وأتيت الصلوات الخمس. لكن، لم أر في ما فعلت صلاحا ولا نفعا فعدلت عن الفعل وتركت الصلاة والصوم. أعلم أنّ الصلاة عماد الدين والصوم واجب، شرعا. أعرف قواعد الاسلام وما أمر الله ونبيّه. أنا لا أمتثل لما جاء في الدين من أوامر عدّة. ليس هو الكفر ولا هو عناد وتكبّر. فقط لأنّي لا أرى نفعا وليس هذا عندي بمهمّ... لا أعتقد أن الله، رغم ما تركت من صلاة وصوم، سوف يزجّ بي في جهنّم وأعذّب نارا حامية. لا أظنّ. أنا مؤمن، مسلم ولا أعتقد أنّ لله نارا أو جنّة. هذه مقاربة للعبرة. ليس الا. أعتقد أنّ الله بعباده رحيم ولسوف يغفر لي وللناس كلّهم ما أتينا...

لما هذا التساؤل العصيب وهذه المواقف المزعجة؟ لما تمشي مع الرياح وتزجّ بنفسك في متاهات مظلمة؟ ألا تخشى الله عقابه وأنت على أبواب فحوص فارقة؟ تب يا رجل الى رشدك ودعك من مثل هذا ومثل هذا يحمل ريبة ووزرا. دعك من هذا واتّق ربّك وانظر ما كان في جسمك من اختلال وعلّة... أنا اليوم مريض، مهزوم فكرا وجسما. أنا اليوم في مفترق. عليّ أن أذهب الى المستشفى لأجري فحوصا، ليرى الأطبّاء ما كان للمرض الخبيث من أثر وحركة...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا