هكذا يحدثنا جان بول سارتر في كتابه تأملات في المسألة اليهودية عن كيفية سجن الإنسان في هويته العرقية أو الدينية بغير اختياره، من قبل الآخرين. وينطبق هذا على اليهود كما ينطبق على كل الهويات الأخرى.
تابعنا في الانتخابات الأمريكية هذه الأيام كيف ركزت وسائل الإعلام الأمريكية على الديانة الإسلامية للمرشح ذي الأصول المصرية عبد الرحمن السيد، الذي فاز بمنصب نائب عن ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي.
ورغم تعدد هوياته، باعتبار أنه ولد في مدينة روتشستر هيلز بولاية ميشيغان سنة 1984 لأبوين مصريين من مدينة الإسكندرية، فإن ديانته الإسلامية هي التي غلبت على صفاته الأخرى. وعنونت نشرات الأخبار الأمريكية والعالمية خبر فوزه بأنه: “أول مسلم يُنتخب في تاريخ مجلس الشيوخ الأمريكي.
وينطبق هذا التصنيف “الديني” على ستة أمريكيين آخرين فازوا بمقاعد في مجلس النواب الأمريكي، إذ صُنّفوا كذلك على أنهم “مسلمون”، رغم أصولهم العرقية والثقافية المختلفة والمتنوعة.
ولكن لماذا هذا التركيز على الانتماء الديني لهؤلاء الفائزين في الانتخابات، رغم أن إيمان هؤلاء أو عدم إيمانهم لا ينقص شيئًا من أهليتهم ولا من مواطنتهم؟ يقع هذا الخلط بين الديني والسياسي، والتفتيش في الهوية الدينية للمنتخبين، رغم أن الدستور الأمريكي يعتمد مبدأ الحياد الديني في شغل المناصب الفيدرالية. حيث تنص الفقرة الثالثة من المادة السادسة من الدستور الأمريكي على أنه: “لا يجوز أبدًا اشتراط أي اختبار ديني كشرط لتولي أي منصب أو أمانة عامة في الولايات المتحدة.
لا أحد يعلم مقدار إيمان هؤلاء المنتخبين، أو قربهم من الدين، أو مدى تطبيقهم لفروضه. فالأمر يعود بكل بساطة إلى الحياة الخاصة جدًا والمربع الحميمي للذوات، باعتبار أن الإيمان والإلحاد أمران ذاتيان جدًا، ولا يجوز لأي أحد اقتحامهما أو التلصص عليهما.
ولا أعتقد أن المرشحين أنفسهم ضمنوا ضمن برامجهم ووعودهم الانتخابية أهمية اعتقادهم بالديانة الإسلامية!
ومن التفسيرات الشائعة، طبعًا، أن كشف الهوية الإسلامية للمنتخبين يأتي في إطار “التشهير” بهم، على اعتبار أن “انتماءهم الإسلامي دينيًا” يمثل عامل إضعاف لهم سياسيًا. وهي رؤية إسلاموفوبية انتشرت في الإعلام اليميني الأوروبي والغربي عمومًا بعد العمليات الإرهابية للحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة بالذات.
ولهذا السبب، فإن “التشهير” بالانتماء الإسلامي للمنتخبين من قبل بعض الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية يأتي في إطار حملات التشويه الانتخابية التي تكررت في السنوات الأخيرة.
وطبعًا، يتلقف المنتمون إلى الضفة المقابلة هذا التصنيف بكل فخر واعتزاز، ويحتفل أتباعهم به على اعتباره نصرًا وفتحًا مبينًا في مؤسسات الغرب. وهكذا يباركون سجن الانتماء الديني الضيق الذي حُبسوا فيه، وتنقل وكالات أنبائهم ومواقعهم الإخبارية، بكل غباء، وبالبنط العريض، خبر وصول “أول مسلم إلى مجلس الشيوخ الأمريكي”!
بقلم: هادي يحمد