نقطة جوهرية ومصيرية، خاصة بعد القطيعة المعنوية والسياسية مع الشمولية والتباين الصريح مع مشاريعها المجتمعية. إن هذا التحول الفكري ينطوي على انحياز مبدئي ومحوري لحقوق الإنسان بمفهومها الشامل، ولحرية الفرد في استقلاليته وتدبيره الذاتي، وحقه الأصيل في اختيار من يحكمه بطرق ديمقراطية شفافة، فضلاً عن ضمان نصيب عادل ومُنصف من الثروات التي ينتجها بلده. وهو ما يفرض بالتالي تبنياً واضحاً وصريحاً لفكر الاشتراكية الديمقراطية وسياساتها الإصلاحية، كخيار عقلاني يوازن بين حرية الفرد وعدالة التوزيع.
انهيار الاتحاد السوفياتي والهروب نحو "الأمان الرأسمالي"
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المنظومة الشيوعية في أوروبا الشرقية، شهد الفكر اليساري تحولا سياسياً وإيديولوجياً غير مسبوق؛ حيث تحولت عديد من الأحزاب الشيوعية — كالحزب الشيوعي الإيطالي والفرنسي وصولاً إلى التونسي — بصيغة أو بأخرى إلى "الاشتراكية الديمقراطية". وتخلت تدريجياً عن الشعارات الماركسية الكلاسيكية، مثل الإطاحة بالنظام الرأسمالي، وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا، وإشعال فتيل الحرب الطبقية. وقبلت بدلاً من ذلك بالعمل وفق قواعد الديمقراطية التمثيلية الحديثة، والتكيف مع اقتصاد السوق الاجتماعي، مكتفية بالنضال الإصلاحي والتراكمي من داخل البنية الدستورية للنظام الرأسمالي لتحسين الأوضاع المادية والمعنوية للطبقة العاملة وللفئات الهشة.
ورغم أن النخب الماركسية روجت آنذاك لفكرة مفادها أن سقوط الشيوعية البيروقراطية لا يعني إطلاقاً فقدان الأدوات الماركسية وجاهتها التحليلية في نقد تناقضات الرأسمالية وفي تحفيز النضال من أجل العدالة الاجتماعية، إلا أن هذا الرأي يتغاضى عن حقيقة تاريخية هامة، وهي أن العدالة الاجتماعية قد غادرت المركب الماركسي الثوري منذ زمن بعيد. فقد أدركت الشعوب والمجتمعات أن رهن تحقق العدالة والرفاه بإسقاط النظام الرأسمالي بالكامل يحمل كلفة إنسانية واقتصادية باهظة ونتائج غير مضمونة، فخيرت الاستقرار داخل مركب الاشتراكية الديمقراطية، بوصفه البديل الأكثر أماناً وواقعية وقدرة على التطبيق.
وداع اليوتوبيا: صدق توقعات بوبر
يستند هذا التحول البراغماتي إلى جملة من الحجج الفلسفية والتاريخية؛ يبرز في مقدمتها الموقف الفكري الذي صاغه المؤرخ الفرنسي فرنسوا فوري في كتابه "ماضي وهم"، ومفاده أنه: "حُكم علينا، فيما يبدو، أن نعيش في العالم الذي نحيا فيه". وهي مقولة تختزل حتمية توديع الأحلام اليوتوبية بعالم آخر غامض المعالم، والتركيز بدلاً من ذلك على النضال من أجل تحسين شروط العيش اليومية وتجويد المؤسسات القائمة داخل هذا العالم الفعلي.
وتتكامل هذه الرؤية مع التحذير الصارم الذي قدمه الفيلسوف كارل بوبر في مؤلفه "عقم المذهب التاريخي" (1957)، حيث نبه إلى خطورة تحول الحلم الإنساني بالعدالة المطلقة إلى نبوءة تاريخية خلاصية تدعي امتلاك الحقيقة كاملة. فنحن جزء لا يتجزأ من هذا العالم، ومعارفنا البشرية تؤثر باستمرار في مسار تطوره وتتأثر به، ولا يمكننا ادعاء القدرة على التنبؤ الحتمي بمستقبله لأن معارفنا ناقصة ومتطورة باستمرار ولا تمدنا بوعي شامل أو نهائي. ورأى بوبر أن الإصرار على فرض التنبؤات التاريخية الشاملة على الواقع ينتهي حتماً بتكريس النزعات الشمولية والاستبداد السياسي الذي يطوع الإنسان والمجتمع قسراً وبشعارات براقة لخدمة يوتوبيا متخيلة.
جدل الثروة: بين عفوية السوق وتدخل الدولة
على صعيد النظرية الاقتصادية وصياغة السياسات العامة، برز اتجاهان رئيسيان في تفسير العدالة وكيفية تحقيقها داخل البناء الاقتصادي. دافع الاقتصادي الأمريكي جون بيتس كلارك (John Bates Clark) في كتابه "توزيع الثروة" (1899) عن قدرة النظام الرأسمالي الحر على تحقيق العدالة التوزيعية بشكل ذاتي وتلقائي. وجادل بأن قوى المنافسة في السوق تضمن حصول كل عنصر من عناصر الإنتاج (وخاصة العامل) على نصيب يعادل تماماً قيمة إنتاجيته الحديّة (Productivité marginale). وبناءً على هذه المنظومة، اعتبر أن التطور والرخاء الصناعي يوزعان الثروة طبيعياً وبشكل عادل، وأن أي خلل أو تفاوت يمكن معالجته عبر منع الاحتكار وتعزيز حرية المنافسة داخل السوق دون الحاجة إلى إلغاء الملكية الفردية، فالعدالة عنده تتحقق في لحظة الإنتاج ذاتها ولا تتطلب التدخل لإعادة التوزيع.
في المقابل، رفضت مدرسة "اقتصاد الرفاه" بقيادة أرثربيغو (Arthur Pigou) هذه الرؤية المتفائلة للسوق الحر، وأكدت قصور آليات السوق المجردة عن تحقيق الرفاهية الاجتماعية الكلية. واستناداً إلى نظرية "تناقص المنفعة الحديّة للدخل"، دافع بيغو عن التوزيع الضرائبي، موضحاً أن اقتطاع دولار واحد من الثري (حيث تكون منفعته الحدية منه منخفضة جداً بسبب التخمة والوفرة) وإعادة ضخه لصالح الفقير (حيث تكون منفعته الحديّة مرتفعة لسدّ احتياجاته الأساسية) يؤدي تلقائياً إلى رفع "المنفعة الكليّة المجمّعة" للمجتمع. وبذلك، أصبحت فكرة تعديل نتائج السوق عبر إعادة التوزيع والضرائب التصاعدية وتوفير المرافق الخدمات العامة هي الركيزة الأساسية التي اعتمدها الاشتراكيون الإصلاحيون واقتصاديو دولة الرفاه.
الانعطافة الألمانية: من راديكالية "إيرفورت" إلى واقعية "باد غودسبرغ"
بينما اعتبرت الماركسية الأرثوذكسية أن إنجاز العدالة الاجتماعية في ظل المنظومة الرأسمالية يعد مجرد وهم تستوجب إزالته بالإطاحة بالمنظومة كاملة، أثبتت الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية والليبرالية الاجتماعية الأمريكية إمكانية بناء نموذج اجتماعي عادل ومستقر داخل الإطار الرأسمالي ذاته بالاستناد إلى نظريات كلارك وبيغو. غير أن الاشتراكية الديمقراطية الألمانية لم تبلغ هذا النضج وتتخلى عن الحمولات الطوباوية إلا عبر مخاض تاريخي طويل امتد حتى أواخر الخمسينات من القرن الماضي.
فرغم من أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (SPD) تبنى الماركسية رسميا في "مؤتمر إيرفورت" عام 1891، إلا أن المفكر إدوارد برنشتاين قاد مبكراً تياراً "مراجِعاً" رأى إمكانية التخلي عن الثورة وتحقيق مصالح الطبقة العاملة سلمياً وديموقراطياً عبر صناديق الاقتراع والعمل التشريعي. وبعد الحرب العالمية الأولى وانشقاق الجناح الثوري (السبارتاكيين)، تمسكت قيادة الحزب بالمسار الديمقراطي وساندت تجربة "جمهورية فايمر" الديمقراطية. وجاءت المحطة التاريخية الحاسمة في عام 1959 خلال مؤتمر "باد غودسبرغ"، حيث أسقط الحزب الماركسية رسمياً من مرجعياته العقائدية، وتخلى عن مقولات "الصراع الطبقي" وتأميم وسائل الإنتاج، متصالحاً مع الرأسمالية بهدف تنظيمها وضبطها عبر الضرائب التصاعدية وإعادة التوزيع وبناء دولة الرفاه. وبذلك أنهى الحزب حالة الازدواجية التاريخية بين الخطاب الثوري الراديكالي والممارسة الإصلاحية البراغماتية.
المأزق التونسي: يسار نخبوي غارق في أدبيات الماضي
في المقابل، ولدت الاشتراكية الديمقراطية في تونس منتصف السبعينات وبداية الثمانينات كسيحة وضعيفة؛ حيث نشأت في ظل هيمنة واستبداد الحزب الاشتراكي الدستوري بالسلطة والحكم المطلق للرئيس حبيب بورقيبة، وافتقرت من ثمّ للعمق الجماهيري والامتداد النقابي الصلب الذي ميز مسيرة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا. وقد جسد هذا التيار التونسي حزبان رئيسيان انشقا أساساً عن الحزب الحاكم احتجاجاً على انغلاق الفضاء السياسي وغياب الديمقراطية الداخلية: "حركة الاشتراكيين الديمقراطيين" بقيادة أحمد المستيري، وحزب "الوحدة الشعبية" بقيادة أحمد بن صالح (ثم انشقاق محمد بالحاج عمر). ورغم نجاح هذين الحزبين في وضع الحرية السياسية والمطالب الحقوقية في صدارة أجندتهما، إلا أنهما لم يقدما مشروعاً اقتصادياً أو تنموياً يتباين جوهرياً وبشكل حازمً عن السياسات الرسمية للدولة في تلك الفترة. أما من جهة اليسار المتباين أيديولوجيا مع الحزب الحاكم، فقد مثل "حزب التجمع الديمقراطي" بقيادة أحمد نيب الشابي في الثمانينات محاولة فكرية لتقريب الفكرة الاشتراكية من الثقافة الديمقراطية، لكن هذه التجربة عابها الاستغراق في النخبوية والرفض الصارم الذي واجهتها به فصائل اليسار الراديكالي والماركسي التقليدي.
إن المعضلة الحقيقية تكمن في أن اليسار التونسي بمختلف أطيافه لم يستغل اللحظة التاريخية المفصلية المتمثلة في انهيار المنظومة الشيوعية للقيام بمراجعات نقدية جوهرية وشجاعة. لقد أخفق هذا اليسار في التخلي عن النزعات الشمولية الكامنة، وفي الدفاع عن حقوق الإنسان بمفهومها الكوني دون تجزئة، وفي تبني مقومات اقتصاد السوق الحر القائم على خلق الثروة وتحفيز الابتكار والنمو، وفي التصدّي الفعلي لمعوقات التنمية المتمثلة في الاحتكار واقتصاد الريع والزبونية السياسية. وبدلاً من التصالح البناء مع عالم المؤسسات الاقتصادية الحديثة والمبادرة الفردية الحرة ورأس المال الوطني — كما فعلت الاشتراكية الديمقراطية العالمية — ظل اليسار التونسي في معظمه أسيراً لعدائه التاريخي التقليدي للرأسمالية، وغارقاً في أدبيات الماضي وأحلامه بعالم خيالي خلوٍ من توازنات السوق وقوانين الاقتصاد.
بقلم: منير الكشو