ترامب أولا: معركة صناعة المجد الشخصي على حساب الأولويات الوطنية؟

لم تعد تجربة دونالد ترامب الرئاسية الثانية مجرد

اختبار لقدرته على تنفيذ برنامجه السياسي أو الحفاظ على شعبيته التي أوصلته إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2024، بل تحولت إلى معركة متعددة الأبعاد، عنوانها الأبرز صناعة إرث شخصي يضمن له مكانة استثنائية في التاريخ الأمريكي. فترامب لا يسعى فقط إلى إعادة تشكيل الولايات المتحدة وفق رؤيته السياسية، وإنما يبدو منشغلاً أيضاً بإعادة تشكيل صورته التاريخية وتكريس اسمه في مختلف تفاصيل المشهد السياسي والمؤسسي الأمريكي.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يعمل ترامب من أجل مستقبل أفضل لأمريكا، أم أن أمريكا أصبحت، في جانب مهم من سياساته، وسيلة لتحقيق طموحاته الشخصية وصناعة مجده السياسي؟ يمكن تلخيص جانب أساسي من سلوكه السياسي بعبارة واضحة: ترامب يعمل بجهد كبير من أجل ترامب. فهو يحرص على أن يكون محور الأحداث، وأن تُنسب إليه الإنجازات، وأن تتحول المبادرات والقرارات والمشروعات الحكومية إلى أدوات لتسويق صورته الشخصية. ولا يبدو أن طموحه يقتصر على النجاح في إدارة البلاد، بل يتجاوز ذلك إلى رغبته في أن يكتب التاريخ بالطريقة التي يريدها هو، وأن يفرض على الأجيال القادمة الصورة التي يرغب في أن يتذكروه بها.

لكن صناعة المجد الشخصي لا تعني بالضرورة صناعة إنجاز وطني. فالفارق كبير بين رئيس يسعى إلى ترك دولة أقوى وأكثر استقراراً، ورئيس ينشغل بقدر كبير بترك اسمه وصورته في كل مكان.بعد الفوز الذي حققه ترامب في انتخابات نوفمبر 2024، واجهت إدارته تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية متزايدة. ويمكن تفسير التراجع في شعبيته بمجموعة من العوامل المتداخلة:

ف الناخب الأمريكي يقيس النجاح بما يشعر به في حياته اليومية. فارتفاع تكاليف السكن والغذاء والتأمين والطاقة، وعدم شعور قطاعات من الطبقة الوسطى بتحسن ملموس، يضعفان الثقة بالإدارة، حتى مع إعلان الحكومة عن مؤشرات اقتصادية إيجابية.علاوة على أن سياسة التعريفات الجمركية أثارت مخاوف من ارتفاع الأسعار، وأوجدت حالة من عدم اليقين لدى الشركات والمستثمرين والشركاء التجاريين.

وأيضا الهجرة والترحيل فرغم أن تشديد الهجرة كان من أهم وعوده الانتخابية، فإن طريقة التنفيذ والمواجهات القانونية والإنسانية وتأثير الإجراءات على المجتمعات المحلية وسّعت دائرة الجدل حول هذه السياسة. والاستقطاب السياسي، فأسلوب المواجهة المستمرة مع الخصوم والهجوم على المؤسسات والإعلام والقضاء حافظ على تماسك قطاعات من قاعدته الانتخابية، لكنه لم يضمن توسيع دائرة التأييد خارجها.والسياسة الخارجية فالتوترات مع الحلفاء والحروب والأزمات الدولية، والملفان الإيراني والإسرائيلي، جعلت السياسة الخارجية عاملاً مؤثراً في تقييم إدارته، خصوصاً لدى الناخبين الذين ينتظرون من الرئيس تحقيق الاستقرار لا إضافة أزمات جديدة. وأيضا الفجوة بين الوعود والنتائج فقد خاض ترامب حملته الانتخابية متعهداً بخفض الأسعار، وإعادة القوة الاقتصادية، وإنهاء الحروب، ووضع أمريكا أولاً. ولذلك فإن تقييم الناخبين يرتبط بمدى تحقق هذه الوعود، وليس بمجرد إعلان السياسات.

يبدو أن أحد أهداف ترامب السياسية الكبرى هو ألا تنتهي رئاسته الثانية باعتبارها امتداداً للجدل والانقسام اللذين أحاطا بولايته الأولى، بل أن يترك وراءه إنجازات تسمح له بتقديم نفسه باعتباره الرئيس الذي أعاد تشكيل أمريكا وغيّر موقعها في العالم.

يمكن قراءة محاولاته لصناعة هذا الإرث من خلال خمسة اتجاهات:تقديم نفسه كرئيس للسلام: يسعى إلى تسويق صورته باعتباره رئيساً قادراً على إنهاء الحروب وعقد الصفقات الدولية. لكن استمرار الأزمات وصعوبة تحويل الاتفاقات المؤقتة إلى تسويات دائمة يطرحان تساؤلات حول استدامة هذا الإرث.

تقديم نفسه كمهندس نهضة اقتصادية: يحاول ربط اسمه بإعادة التصنيع الأمريكي، وحماية الصناعة الوطنية، وجذب الاستثمارات، وفرض الرسوم الجمركية لحماية الإنتاج المحلي. لكن ارتفاع تكاليف المعيشة ومخاوف التضخم والتوتر التجاري تجعل الحكم على هذه السياسة مرتبطاً بنتائجها لا بشعاراتها.

تقديم نفسه كرئيس أعاد قوة أمريكا: يعتمد خطاباً يقوم على استعادة الهيبة الأمريكية وفرض شروط أكثر صرامة على الحلفاء والخصوم. لكن القوة الدولية لا تقاس فقط بقدرة واشنطن على فرض مطالبها، بل أيضاً بالحفاظ على تحالفاتها وثقة شركائها.

إعادة تشكيل مؤسسات الدولة: يسعى إلى توسيع نفوذ الرئاسة وإعادة توجيه الجهاز التنفيذي وفق أولوياته السياسية. ويرى أنصاره في ذلك استعادة لسلطة الرئيس المنتخب، بينما يرى منتقدوه أنه يثير تساؤلات حول استقلال المؤسسات والتوازن بين السلطات.

إعادة كتابة صورته التاريخية: يحرص ترامب على تقديم إنجازاته باعتبارها تحولات تاريخية، ويضع نفسه في مقارنة مع رؤساء تركوا بصمات عميقة في الدولة الأمريكية. لكن هذه المقارنة ستظل موضع خلاف بين مؤيديه وخصومه والمؤرخين.إلى جانب السياسات الاقتصادية والخارجية، هناك جانب آخر يتعلق برغبة ترامب في ترك بصمات شخصية ومادية على المؤسسات والرموز الأمريكية.

وقد تناول تقرير لموقع «أكسيوس» في أفريل 2026 مشروعات الإرث التي يعمل عليها ترامب، ومنها مشروع قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض، مشيراً إلى العقبات القانونية والتخطيطية التي واجهها.وهنا يبرز سؤال مهم: هل يريد الرئيس أن يترك إرثاً مؤسسياً يخدم الدولة الأمريكية، أم أن بعض هذه المشروعات تعكس رغبة في تخليد اسمه وشخصيته؟

فالمؤسسات الوطنية ملك للدولة والشعب، وليست امتداداً شخصياً للرئيس أو وسيلة لتخليد صورته. ومن أبرز المؤشرات التي ستلاحق ترامب في معركة إرثه التاريخي نتائج مشروع «تقييم عظمة الرؤساء الأمريكيين» (Presidential Greatness Project).

ففي الدراسة التي نُشرت نتائجها عام 2024، وحُللت في دراسة أكاديمية منشورة في أبريل 2026، جاء أبراهام لينكولن في المرتبة الأولى، تلاه فرانكلين روزفلت وجورج واشنطن، بينما جاء دونالد ترامب في المرتبة الأخيرة، برصيد 10.92 من 100 وفق تقييم الخبراء المشاركين.

وهذه نتيجة لافتة تعكس تقييماً أكاديمياً لسجله الرئاسي حتى وقت إجراء الاستطلاع، وليست حكماً نهائياً على ولايته الثانية.المفارقة أن ترامب، الذي يطمح إلى أن يذكره التاريخ باعتباره أحد أعظم الرؤساء الأمريكيين، يواجه استطلاعات أكاديمية وشعبية تضعه في الطرف المقابل من هذا التصور.

تقدم الإدارة أرقاماً عن الاستثمارات وأمن الحدود والإنتاج النفطي وخفض الضرائب والاتفاقات الدولية. لكن المواطن يقيس النجاح أيضاً بأسعار الوقود والغذاء والسكن، وفرص العمل، وقدرته على تأمين مستقبل أسرته.

وتشير مراجعة «فاكت تشيك» (FactCheck.org) المنشورة في 21 أكتوبر 2026 إلى استمرار النمو الاقتصادي وارتفاع أرباح الشركات والأسهم، لكنها ترصد في المقابل تضخماً بلغ 5.4% مقارنة ببداية الولاية، وارتفاع أسعار المنازل بنسبة 6.2%، وتراجع ثقة المستهلك. وهذا يوضح أن الصورة الاقتصادية ليست أحادية الاتجاه. ويريد ترامب أن يسجل التاريخ أنه الرئيس الذي أنهى الحروب، لكن الاتفاقات لا تكتسب قيمتها بمجرد الإعلان عنها، بل بمدى استمرارها ومنع تجدد الصراعات. فالسلام الحقيقي ليس إعلاناً إعلامياً، بل نتيجة مستدامة يشعر بها الناس على الأرض.

لا يستطيع رئيس أن يفرض على المؤرخين أو الأجيال القادمة تصنيفه باعتباره عظيماً. فالتاريخ يعيد تقييم الرؤساء بعد سنوات وعقود، وقد تتغير الأحكام بتغير الوثائق والنتائج والمنظور التاريخي.ليس هناك تناقض بالضرورة. فقد انتُخب ترامب في عام 2016 ثم عاد إلى البيت الأبيض بفوزه في انتخابات 2024، لكن الفوز الانتخابي شيء والتقييم التاريخي شيء آخر.

فالانتخابات تعكس خيارات الناخبين في لحظة سياسية محددة، وتتأثر بالاقتصاد والمرشحين والبدائل المتاحة والاستقطاب الحزبي. أما التقييم التاريخي فيتناول مجمل أداء الرئيس، واحترامه للدستور، وإدارته للأزمات، وتأثير سياساته على المجتمع الأمريكي والعالم.

بل إن انتخابه مرتين، رغم الجدل الواسع حول ولايته الأولى، يمثل ظاهرة سياسية تستحق الدراسة: كيف استطاع رئيس شديد الاستقطاب أن يحتفظ بقاعدة جماهيرية واسعة وأن يعود إلى البيت الأبيض بعد خسارته انتخابات 2020؟وهذا يؤكد أن الترامبية ليست مجرد ظاهرة انتخابية عابرة، بل تعبير عن تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية عميقة داخل الولايات المتحدة.هناك ثلاثة احتمالات أساسية ، إذا استطاع في الفترة المتبقية من ولايته تحقيق استقرار اقتصادي، وخفض تكاليف المعيشة، وإنجاز تسويات دولية مستدامة، واحترام المؤسسات الدستورية، فقد تتغير بعض التقييمات السلبية. ثانيا إذا استمرت الأزمات الاقتصادية والاستقطابات والصدامات المؤسسية، فقد تصبح ولايته الثانية امتداداً للمشكلات التي لاحقت ولايته الأولى. ثالثا قد يسجل التاريخ أنه أعاد تشكيل الحزب الجمهوري والسياسة الأمريكية بصورة عميقة، ونجح في تغيير اتجاهات سياسية واقتصادية، لكنه في الوقت نفسه ترك مجتمعاً أكثر استقطاباً ومؤسسات تواجه اختبارات صعبة.

ترامب لا يخوض معركة سياسية فقط، بل يخوض معركة مع التاريخ. فهو يريد أن يُذكر باعتباره الرئيس الذي أعاد عظمة أمريكا، وأنهى الحروب، وأعاد القوة للاقتصاد الأمريكي، وفرض احترام واشنطن على العالم.

لكن الإرث الرئاسي لا تصنعه الدعاية ولا الشعارات ولا المشروعات التي تحمل اسم الرئيس. إنه يُصنع بالنتائج، وبما يتركه الرئيس من مؤسسات قوية واقتصاد مستقر ومجتمع متماسك ومكانة دولية محترمة.

بقلم: ماهر عبد القادر كاتب ومحلل سياسي مختص في الشأن الأمريكي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115