تونس: الأزمات المتعاقبة وسؤال المشروع السياسي

الاحتجاج وسؤال البديل السياسي

أعادت مظاهرة 17 أكتوبر 2026، التي دعا إليها

الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات مدنية وشاركت فيها قوى حزبية، سؤالًا يتجاوز حجم المشاركة ومطالب الاحتجاج: ماذا تقترح هذه القوى، بعد صمت طويل، لمستقبل البلاد؟ فقد جمع الشارع أطرافًا فرّقتها مواقف سابقة، لكن الالتقاء حول رفض الوضع القائم لا يوضح المشروع الذي يجمعها أو سبل معالجة أزمات تونس. وبين التعبئة للرفض وبناء بديل سياسي مسافة تستحق الفحص؛ فالاحتجاج يكشف التذمّر، والمشروع يكشف ما يريد أصحابه فعله بعده.

تطرح مبادرة الاتحاد سؤالًا عن موقعه اليوم. فقد كان فاعلًا أساسيًا في الحياة الاجتماعية والسياسية، غير أن خلافاته الداخلية، التي ظهرت مجددًا خلال مؤتمر مارس 2026، تدعونا إلى التساؤل عن قدرته على تجديد دوره ولمّ شمل النقابيين والإسهام في معالجة القضايا الوطنية. وماذا عن برامج الأحزاب المشاركة، حتى نقارن بين الوضع القائم والبديل الذي تقترحه؟ وهل تستطيع بناء مشروع مشترك؟

من الثورة إلى تراكم الأزمات

يعيدنا هذا المشهد إلى أحداث 14 جانفي 2011، التي كشفت عن اختلالات متراكمة في التنمية والتشغيل والتفاوت الجهوي والعلاقة بين المواطن والدولة. وبعد هذا التاريخ  تضخّم عدد الأحزاب دون وضوح كاف في برامج كثير منها أو عرضها للنقاش العام. وكانت اختلالات الأمس، رغم خطورتها، أقل تشابكًا من الأزمات اللاحقة، مع ما أتاحته حرية التعبير من اتساع غير مسبوق للتعددية الحزبية.

رافقت الطفرة الحزبية تجاذبات حادة واغتيالات سياسية سنة 2013، وعنف إرهابي بلغ مستويات مأساوية في باردو وسوسة سنة 2015 وبنقردان سنة 2016. وأثارت علاقات نُسبت إلى بعض رموز التيارات الدينية المتطرفة بقوى سياسية جدلًا بشأن التداخل بين العمل الحزبي والتشدد الديني. وتفاعلت هذه التطورات مع الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والأزمة الليبية، وما أثارته مواقف بعض الفاعلين السياسيين بشأنها من أسئلة.

لم تجد تونس منذ ذلك التاريخ لحظة تستعيد فيها أنفاسها. فكيف نفسّر استمرار أسباب الاحتجاج رغم تبدّل الحكومات والاختيارات السياسية وتعدّد الأحزاب؟ يجدر بنا مساءلة ما قدّمته الأحزاب من مشاريع وما أنجزته الحكومات من معالجات، لفهم أسباب تجدّد الأزمات.

الأحزاب بين الوعود والممارسة

ودعنا نلقِ الضوء على بعض المحطات السياسية التي ترك تعثّرها أثرًا في الذاكرة التونسية. فقد قام خطاب نداء تونس على معارضة النهضة، ووصف الباجي قائد السبسي الحزبين بخطين متوازيين لا يلتقيان، قبل أن يشاركا في الحكم سنة 2015. وكان للتوافق مبرّرات لدى أنصاره، لكنه ترك سؤالًا حول العلاقة بين الوعود الانتخابية والتحالفات اللاحقة، وحول هذا التناغم بين متناقضات قد تكون المصالح هي التي جمعتها. فهل تتحول برامج الأحزاب ووعودها أحيانًا إلى مادة زئبقية لا تعرف الاستقرار؟

أما في انتخابات 2019، فقد ارتبط صعود نبيل القروي بتغطية إعلامية واسعة لأنشطة جمعية «خليل تونس» الخيرية على قناة نسمة، مما يدعونا إلى مساءلة توظيف العمل الخيري لاستمالة الناخبين واحتمال تحوّله إلى حملة انتخابية مقنّعة.

وكشفت مشاهد مجلس نواب الشعب عن تعثّر آخر، إذ بدت أحيانًا أقرب إلى الكاريكاتور، ومنها المواجهات بين عبير موسي والنهضة وحلفائها. وأثارت هذه الممارسات أسئلة عن صورة المؤسسة التشريعية لدى المواطنين. ولا يعني ذلك رفض التوافقات الحزبية أو حق الاختلاف والتنافس؛ فالسؤال يبقى عن وضوح الاختيارات السياسية وصدقية عرضها ونجاعة تنفيذها. فلا الخطابات النارية ولا الشخصنة ولا المهادنة تُغني عن مشروع سياسي واضح يُعرض على العموم.

الحكم بعيدًا عن الأحزاب وسؤال الإنجاز

في هذا المناخ صعد قيس سعيّد إلى الرئاسة سنة 2019 مستقلًا عن الأحزاب، ثم أعاد بعد 2021 تشكيل مؤسسات الحكم، وعزّز دستور 2022 صلاحيات الرئاسة. ووجد عديد من التونسيين الممتعضين من الواقع السياسي آنذاك في مساره أملًا في الخلاص من عجز الأحزاب. فهل يمكن أن يكون الاستغناء عن الأحزاب، بعد إخفاق بعض تجاربها، بابًا لنجاة تونس؟

أثار حكم قيس سعيّد بعيدًا عن الأحزاب خلافات بشأن الحريات والتعددية واستقلال المؤسسات. وتبرز مفارقة الإنجاز: تعاقب أربعة رؤساء حكومات، وواصل الرئيس انتقاد الإدارة والوزراء المكلفين بتنفيذ اختياراته. فأين تقع مسؤولية القرار السياسي عن النتائج؟فهل يرتبط التعثر بكفاءة المسؤولين وحدها، أم بطريقة تصوّر القرار والتخطيط له وتوزيع الصلاحيات ومتابعة تنفيذه؟ وهل تستطيع إدارة مثقلة بإجراءاتها وبالجدل حول التعيينات والولاءات أن تحل محل التفكير السياسي الجماعي؟ وقد يكون تغيير الأشخاص دون تقييم علني للسياسات علامة على التباس مسؤولية القرار بمسؤولية تنفيذه. ويحتاج إصلاح الإدارة إلى وضوح القواعد والكفاءة وفسحة المبادرة والمساءلة.

إن السياسة تُقاس، بالتأكيد، بمدى تكريس القيم والتصدي للفساد وإرساء المساءلة، وهي أهداف نادى بها قيس سعيّد واستبشر بها كثيرون. غير أن تحقيقها يقتضي إنجازات ملموسة ترفع نسق التنمية وتوفّر مواطن الشغل، ومحاسبة علنية شفافة، وقدرة على توحيد جهود المجتمع.

الديمقراطية وشروط البناء المشترك

وهنا يطرح التغيير السياسي سؤالًا يتجاوز تبدّل الأشخاص ومراكز القرار: كيف نجعله فرصة لبناء مشروع وطني تشارك فيه مختلف القوى الوطنية والكفاءات، وتتضافر جهودها في مقاومة كل أشكال الفساد وما يكبّل الحريات السياسية والشخصية، مع احتفاظها بحق الاختلاف والنقد والمساءلة؟

قد يعيدنا هذا السؤال إلى التجربة الديمقراطية التي خاضتها تونس بعد 2011، دون أن تتمكن من ترسيخ تقاليدها بما يكفل استمرارها وتطوّرها. فالديمقراطية مسار يُبنى حجرًا حجرًا، وقد يتعثر، لكن تقدّمه يقتضي إرادة في بناء مجتمع تشاركي تلتقي فيه الرؤى الفكرية والسياسية المتباعدة عند نقطة جامعة هي الوطن. فالهدم سهل، أما البناء فصعب ويحتّم قبول الآخر. ولعل حاجتنا إلى هذا البناء تزداد إلحاحًا في عالم تتسع فيه اليوم مظاهر التفكك. وتونس قادرة على ذلك

المشروع الوطني وسؤال المستقبل

نعود بذلك إلى أزمة المشروع السياسي وشروط تكريس التوجه الديمقراطي. فقد يستطيع زعيم جذب الأنصار بخطابه، أو يعبّئ حزب الناخبين حول قضية عادلة أو عمل خيري أو شعار مؤثر. لكن إدارة مجتمع معقّد تقتضي مشروعًا تشارك في إعداده كفاءات الاقتصاد والتربية والثقافة والقانون والإدارة، في علاقة حية بين السياسيين والمفكرين والباحثين. وتقتضي عرضًا واضحًا للبرامج حتى يناقشها المواطن ويختار الحزب الذي يعبّر عن قناعاته. فكيف نفسّر أن بعض الأحزاب لا يكاد يظهر منها سوى رئيسها، في مجتمع راكم هذا القدر من المعرفة والكفاءات؟ وحتى تصبح الأولويات قابلة للتحقيق، ينبغي وصلها ببقية حاجات المجتمع وبالموارد والآجال والمؤسسات اللازمة، وإخضاعها للنقاش العام. وبدل طفرة الأحزاب، نحتاج إلى حضور أوسع لبرامجها وتطلعاتها. والتونسي جدير بذلك.

والأزمة الاقتصادية والاجتماعية لا تنتظر انتهاء الصراعات السياسية. تحتاج معالجتها إلى صون الحريات وإصلاح الإدارة وتحقيق النمو ومكافحة الفساد بآليات قانونية ومؤسساتية، وإلى مناخ من الثقة والمبادرة واستقلال القرار الوطني أمام الضغوط الخارجية.

ما يثير حيرتي، بعد قرابة ستة عشر عامًا، أن الأزمات تتجدّد رغم تغيّر الحكومات والتحالفات وأشكال الحكم. فهل نعيش أزمات منفصلة، أم أزمة مركّبة يعيد إنتاجها ضعف المشاريع وتنازع المصالح والضغوط؟ وربما يقتضي البحث عن مخرج أن نخضع المشاريع للتداول والمساءلة، قبل أن نعلّق آمالنا مرة أخرى على زعيم أو شعار. وما الذي يحول دون تحويل رصيد تونس البشري والمعرفي إلى مشاريع تنبع حلولها من الواقع وتفتح أفقًا للمستقبل؟

بقلم: سامي بن عامر أستاذ متميز بجامعة تونس

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115