الحملة الانتخابية الرئاسية في 1992 لصالح كلينتون أمام منافسه بوش الأب و أصبحت مقولة ترمز لما يحسم الانتخابات الديمقراطية : جيب المواطن و شغله و أسعاره و ليس الخطب الرنانة و أصبحت تلك الكلمات قاعدة يستشهد بها كل من يريد ان يذكر السياسيين بان الناس تحاسبهم على نجاعتهم الاقتصادية قبل كل شيء.
ما نسميه في هذا المقال عقلا إقتصاديا هو قدرة منظومة سياسية على الإجابة على أربعة مسائل متسلسلة و مرتبطة بالإقتصاد : رؤية تحدد الوجهة، وتقييم يقرّ بما تحقق وما لم يتحقق، وخطة تحوّل الرؤية إلى أولويات وموارد، وتنفيذ يحوّل الخطة إلى نتائج. إذا انكسرت حلقة واحدة توقفت السلسلة كلها. وما نراه في تونس اليوم، في تناول المسألة الاقتصادية عموما وتحديدا في السياسات العمومية في مخطط التنمية وفي مشروع قانون المالية، سلسلة مكسورة في أكثر من موضع.
الرؤية. لا هوية اقتصادية معلنة. لا هي ليبرالية تراهن على السوق والمنافسة، ولا اشتراكية تمتلك الدولة فيها أدوات الإنتاج وتديرها بكفاءة. بقي عنوان «الدولة الاجتماعية» شعارا يُرفع دون أن يُسأل: بأي أداة، وبأي تمويل، ولفائدة من؟ وهكذا يتحول الفراغ في القرار إلى اقتصاد ريعي تتحكم فيه الدولة ولا تقوده. مخطط التنمية غابت عنه السياسة و غاب عنه الطموح للبلد. قوانين المالية في بلادنا ينفذ الجزء المرتبط بالآداءات و تبقى النصوص الأخرى خارج التطبيق.
التقييم. لا أحد يقف عند ما أُنجز. لجان الصلح الجزائي لم تحقق ما وُعد به، والشركات الأهلية أُحدث منها 230 شركة ما هي نتائجها ؟ و ماذا وفرت من مواطن شغل؟و ما خلقت من ثروة ؟ وقانون الشيكات انهار معه تداول الشيك بشكل حاد دون أن يُعوَّض بأداة دفع أخرى. تجارب فاشلة تُطوى بصمت، ثم تُستبدل بفكرة جديدة بدل أن تُقيَّم وتُصحَّح. هل قيمنا مخطط التنمية السابق ؟ و هل نقيم تنفيذ ميزانياتنا السنوية ؟
الخطة. مخطط التنمية يعلن اتجاها، ومشروع قانون المالية يواصل منطق السنوات السابقة: عجز يُغطى بالاقتراض، أغلبه داخلي، ومزاحمة للمؤسسات الخاصة على التمويل. لا نرى في الميزانية «القطيعة مع الماضي» التي ترفعها الخطابات، ولا نرى كيف تترجم الخطة نفسها إلى أولويات ملموسة في الموارد.
التنفيذ. هنا تظهر «دائرة اللوم»: الرئيس يعلن فكرة، فتحوّلها الإدارة العليا إلى لجنة ومرسوم ومنصة، ثم يتعثر التنفيذ، فيُحمَّل الفشل للإدارة أو لـ«المتآمرين». لا أحد يتحمل النتيجة، ولا أحد يتعلم منها.
الاقتصاد هو السياسة
هذه المسائل المحددة للعقل الاقتصادي هي مسائل سياسية بل و هي قلب السياسة. و لذلك فان مناقشة أرقام و فرضيات قانون مالية في وضع قتلت فيه السياسة يصبح بلامعنى.
الرئيس يحكم مع إدارة عليا ينتقدها بشدة، لكنه يعتمد عليها، فتأتي الحلول من منطق بيروقراطي لا سياسي: رخص ولجان وتراخيص وإجراءات. وهذا عقل إداري محافظ لا يعرف موقع تونس في العالم. بلد على هامش ما يجري، غير مدمج سياسيا في أي فضاء اقتصادي، بينما واقعه الاقتصادي مرتبط بالاتحاد الأوروبي في التجارة والاستثمار والتحويلات والسياحة. اقتصاد مرتبط فعلا بجواره، وسياسة تتصرف كأنه معزول.
في تونس شباب طموح، وأفراد يؤمنون بالمبادرة ويجرّبون، ومؤسسات صغيرة تتحرك رغم كل شيء. لكنهم يصطدمون بإدارة متكلسة لا تمنحهم حظا، ومنظومة مصرفية ريعية متخلفة جدا عن مجتمعها وعن محيطها، تُقرض الدولة أكثر مما تموّل المبادرة، وتطلب الضمانات قبل أن تفهم المشروع. فيجد صاحب الفكرة نفسه أمام باب إداري مغلق وباب مالي لا يُفتح، وأمام باب ثالث مفتوح على الهجرة.
الاقتصاد لا يُدار دون حوار مع من ينتج. والسلطة اليوم لا تحاور الشغل ولا رأس المال: لا مع النقابات التي تمثل الأجراء، ولا مع أصحاب المؤسسات الذين يخلقون الثروة ومواطن العمل. تُتخذ القرارات من أعلى، وتُنشر المراسيم، ثم يُنتظر من الجميع أن ينفذ. غير أن الاقتصاد لا يعمل بالأوامر، بل بالثقة وبوضوح القواعد وباستقرارها.
الشعبوية لا تعني دائما الإنفاق الكثير، بل تعني خصوصا أن الشعار يحل محل الأداة. «الدولة الاجتماعية» بلا موارد، و«الشركة الأهلية» بلا نموذج اقتصادي، و«محاربة المضاربة» بلا إصلاح للتوزيع، و«الاعتماد على الذات» مع تمويل مباشر من البنك المركزي وتضخم يأكل القدرة الشرائية. والنتيجة سياسة اقتصادية تتبدل بحسب الخطاب، ولا تُبنى على تشخيص.
فرص مهدرة و مخاطر محدقة
الفرص كثيرة وقريبة: إعادة تنظيم سلاسل القيمة في أوروبا والبحث عن مصادر قريبة، والطاقات المتجددة، والخدمات الرقمية، والصناعات المرتبطة بجوارنا. لكن اغتنام فرصة يحتاج إلى عقل اقتصادي: رؤية تعرف أين نريد أن نكون، وإدارة تفتح الأبواب بدل أن تغلقها، وتمويل يتبع المبادرة. وهذه كلها حلقات مكسورة.
الخطر الأول أن تتحول سياسة «تدبر الحال» إلى نمط دائم: الاقتراض لسداد الاقتراض، وتأجيل الإصلاح، وتحميل الفشل للغير. والخطر الثاني أن يتآكل النسيج الاقتصادي الذي نجا حتى الآن، فتغلق مؤسسات ويهاجر أصحاب الكفاءة ويضعف الاستثمار. والخطر الثالث أن تتعمق ثنائية تونسين: تونس ساحلية مرتبطة بالعالم، وتونس داخلية متروكة، ويحتد التوتر بينهما.
و في الختام
أسئلة لا تنتظرجواب خبراء. تنتظر قرارات سياسية
- الملكية. من يملك الاقتصاد التونسي فعلا؟ وهل نريد دولة مالكة أم منظمة، ولماذا لا تُطبَّق المنافسة نفسها على المؤسسات العمومية والخاصة؟
- التمويل. من يموّل المبادرة؟ وكيف نُخرج المنظومة المصرفية من منطق إقراض الدولة نحو تمويل الإنتاج؟
- الأسواق. إلى أي فضاء اقتصادي ننتمي؟ وبأي شروط ندخل أسواق أوروبا وإفريقيا والمنطقة المغاربية بدل أن نبقى على الهامش؟
- المدافعون عن النسيج الاقتصادي. من يدافع سياسيا عن المؤسسة التونسية، الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، حين لا نجد في المشهد من يتبنى هذا الدفاع؟
- الجرأة والكفاءة والابتكار. من يكافئ الجرأة والكفاءة والابتكار، ومن يحمي من يجرّب ويفشل ثم يعيد المحاولة؟
- اقتصاد الأجور المنخفضة. هل نريد أن تكون ميزتنا الوحيدة أجورا منخفضة مقارنة بجوارنا؟ وما مصير بلد ينافس بالأجور بينما شبابه يغادر؟
- القدرة على التغيير. لماذا نراوح مكاننا و لالانتقدم ؟ لماذا نفشل في طرح المسائل المصيرية و الهامة ؟ من يسطر الأهداف و يحدد معالم الطريق ؟من يقاوم التغيير و من يريده ؟
- المحاسبة. من يحاسب من ؟ و كيف ؟
بقلم: فوزي بن عبد الرحمان