التربية العمرانية: درس تونسي في توطين الأفكار الوافدة 1/4 حين وطّنت تونس مشروعاً دولياً

كلما دخل موضوع تربوي من الخارج إلى

النقاش التونسي، تكرر المشهد نفسه: فريق يستقبله كأنه الخلاص، وفريق يصدّه كأنه وصاية، وكأننا لا نعرف طريقاً ثالثاً بين النسخ والرفض. لكننا لسنا أول من واجه هذا السؤال. فقبل نحو نصف قرن، وصل إلى مدرستنا مشروع دولي اسمه «التربية السكانية»، فلم تنسخه تونس ولم ترفضه، بل غيّرت اسمه ومدخله وسمّته «التربية العمرانية»؛ أي أنها وطّنت الفكرة قبل أن يصبح «التوطين» مفهوماً متداولاً. ثم انتهى المشروع، لكنه ترك أثراً تجاوز موضوعه الأصلي.

في «ما وراء الجدل»، نعود إلى هذه التجربة لا حنيناً إلى الماضي، وإنما بحثاً في ذاكرتنا التربوية عما يستحق أن نحافظ عليه وما يجدر أن نتجاوزه.

وقد كانت هذه التجربة إحدى محطات بحثنا «الرحلة نحو التربية الجنسية الشاملة في تونس: بين السياقين الدولي والوطني»، المنشور سنة 2022 في المجلة اللبنانية المحكّمة «أبحاث ودراسات تربوية»، ضمن ملف خاص بالتربية على الصحة الجنسية. وتتبع البحث مسارها منذ 1956 إلى 2022، اعتماداً على الوثائق الرسمية وشهادات مربين متقاعدين عايشوا مراحلها المختلفة.

بدأت الحكاية دولياً. فمنذ 1967 فتحت اليونسكو مشاوراتها حول «التربية السكانية»، وبعد مؤتمر السكان في بوخارست سنة 1974 اتسعت الدعوة إلى إدماجها في التعليم، في إطار تعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان. وكان السياق التونسي مهيئاً لذلك: دولة ناشئة راهنت على الإنسان، جعلت التعليم في صدارة أولوياتهاوأصدرت مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، وأطلقت برنامج التنظيم العائلي سنة 1966، ثم أحدثت الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري سنة 1973.

لكنّ تونس لم تكتفِ بالنقل. فقد فضّلت اسم «التربية العمرانية» لأن للعمران، كما ورد في دليل وزارة التربية القومية، مدلولاً أوسع من السكان. وعرّفتها بأنها «عملية تربوية تتناول قضايا العمران البشري انطلاقاً من حاجات المتعلم قصد إعداده للحياة»؛ أي أن الصياغة المحلية بدأت من التلميذ لا من الظاهرة الديمغرافية.

وفي المضمون، جمعت التجربة بين المعرفة العلمية والمرجعيات المحلية. فقد أنجز خبراء كتباً، منها كتاب عن المراهقة بجوانبها البيولوجية والنفسانية والعلائقية والتشريعية، وآخر عن الأدوار الاجتماعية يعرض موقف الإسلام من مكانة المرأة ورأي القانون التونسي استناداً إلى مجلة الأحوال الشخصية. أما في الممارسة، فقامت على تكوين المدرّسين وإرساء نوادٍ للتربية العمرانية تدريجياً في المعاهد بين 1974 و1986، مع التركيز على التواصل وتقنيات التنشيط. وكان التنظيم العائلي وأهميته حاضرين فيهما، وإن تفاوتت المشاركة، إذ استفاد عدد كبير من المدرسين من الدورات دون أن ينشّطوا النوادي.

وتتجلى الحكمة الأكبر في أمر لم يقع. فقد اطّلعنا على وثائق التجربة ومنشوراتها، ولم نجد فيها مرة واحدة عبارة «التربية الجنسية»؛ فقد دخلت التجربة إلى المدرسة من باب آخر، من دون هذا المصطلح المثير للجدل: تكوين تربوي عام للمدرسين في الطرائق البيداغوجية الحديثة. ويكشف دليلها الصادر سنة 1984، «التربية العمرانية: دليل منهجي في التربية»، هذا الاختيار بوضوح: يقتصر بابه الأول على التعريفات النظرية ولمحة تاريخية عن التجربة ومراحلها ومكوناتها، بينما تستأثر المنهجية بثلثي صفحاته الست والتسعين، ويُفتتح بابه الثاني بـ«البيداغوجيا حسب الأهداف».

ولم تسلم التجربة من المقاومة. فقد راجت عنها أحكام تصفها بأنها «مُسقطة» و«تخدم أهدافاً غير وطنية» و«فيها تواطؤ مع الخارج»، وتركّز الاعتراض على التنظيم العائلي ووسائل منع الحمل. لكنها استوعبت ذلك ولم يوقف مسارها، وانتهت سنة 1986 لا بحكم أصدره الجدل. فوفق أحد مؤلفي الدليل، ممن تحاورنا معهم سنة 2022، انتهى العقد المبرم بين الحكومة التونسية ومكتب اليونسكو بباريس والصندوق الأممي للسكان، ولم تواصل الوزارة تمويلها بمفردها في ظل أزمة مالية خانقة جعلت البلاد تقبل برنامج الإصلاح الهيكلي لصندوق النقد الدولي.

وفي ذلك درسان: أن السيادة لا تُقاس بقبول الدعم الخارجي أو رفضه، بل بالقدرة على مواصلة ما بدأناه حين ينتهي؛ وأن قيمة التمويل لا تتحدد بحجمه وحده، وإنما بحوكمته وأثره. وهذا معيار سنقيس عليه لاحقاً مشاريع حظيت بتمويل أكبر وترويج أوسع دون أن تترك في الميدان مثل هذا الأثر. فالذاكرة التربوية التونسية تحتفظ بأسماء مشاريع كثيرة تعثرت أو بقيت في حدود الوثائق، بينما لا تحضر فيها بالقدر نفسه تجارب نجحت في ترك أثر مستمروحان الوقت أن نتذكرها بقدر ما ننسى ما لا يستحق أن يُذكر.

ومع ذلك لم تذهب التجربة أدراج الرياح، والدليل ما حفظته «المدونة البيداغوجية» من أثرها. أطلقها المتفقدان العامان للتربية، المرحومان الهادي بوحوش والمنجي العكروت، وهما من خريجي دار المعلمين العليا، وتولّيا مسؤوليات في الإدارة المركزية وشاركا في إصلاحات التسعينات وسنوات الألفين. وكان العكروت، الذي جمعتني به صداقة ورفقة فكرية، يشجعني على الكتابة فيها ويفتح لي مجال النشر.ومنذ أواخر 2013، تنشر المدونة بانتظام مقالات بالعربية والفرنسية، لتكون أرشيفاً حياً لشهادات ماضي المدرسة التونسية، ومنبراً لتحديات التعليم في حاضره ومستقبله.وبعد وفاة العكروت في 25 أفريل 2026، واصل زملاؤه نشرها وفاءً لهذه الرسالة.

وفي سنة 2021، بمناسبة إحياء ذكرى رحيل الهادي بوحوش، أعادت المدونة نشر بحث له حول بيداغوجيا الأهداف صدر سنة 1983 في النشرة التربوية للتعليم الثانوي. وأشارت إلى أن هذه المقاربة، التي لم تكن معروفة في بلادنا آنذاك، دخلت عبر برنامج التربية العمرانية، ثم انتشرت بفضل نشاط الفريق وإشعاعه، إلى أن اعتمدت رسمياً في إصلاح مطلع التسعينات وبُنيت عليها البرامج الجديدة. ومن أمثلتها ورشة نظمها فريق التربية العمرانية لوضع برنامج علوم طبيعية للسنة السادسة ثانوي وفق الأهداف، انطلاقاً من أن يدرك التلميذ حاجاته الغذائية.

وتضيف المدونة شهادة المتفقد العام للتربية عمر بنور: تسرّبت بيداغوجيا الأهداف إلى الممارسة بفضل تكوين البرنامج ووثائقه، فتبنّاها المدرّسون دون تحفظات، و«لم تكن مسقطة»، بل ثمرة اجتهاد محلي؛ وهي الكلمة نفسها التي رُمي بها المشروع في بدايته. تجربة أُطلقت لتعليم موضوع بعينه، فغيّرت طريقة تعليم المواد جميعاً.

وليست هذه التجربة استثناءً في منطق توطين الأفكار الوافدة؛ فهي تكشف أن قيمة الفكرة لا تتوقف على مصدرها، ولا على نقلها كما هي، وإنما على إعادة صياغتها في المضمون والممارسة، بما يستجيب لحاجات المجتمع ويستبق مقاومته قبل أن تشتد. وهذا ما فعلته التربية العمرانية، قبل أن يصبح «التوطين» مفهوماً متداولاً.

لكن ما الذي جعل هذه التجربة تترك أثراً، بينما تعثرت تجديدات أخرى جاءت بعدها؟ وماذا يعني ذلك لمدرستنا اليوم؟ هذا ما سنتناوله في الأجزاء التالية.

بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115