لامركزية القرن الجديد التي نحتاجها (4/4)

في الأجزاء الثلاثة السابقة، شخّصنا فشل سياسة اللامركزية

و كذلك فشل "البناء القاعدي" وغياب أي تقييم مؤسسي رسمي لهما (الجزء الأول)، ووثّقنا بالأرقام حجم التفاوت الجهوي وأسّسنا لمبدأ "الصلاحية الحقيقية لا الصورية" (الجزء الثاني)، ثم اقترحنا هيكلة بثلاثة مستويات إدارية فقط (المركز، الأقاليم، المحليات) تُلغي وظائف الولاة والمعتمدين والعمد الوسيطة (أكثر من ألفي موظف)، إلى جانب معالجة معضلة نقص الأطر عبر مدرسة تكوين متخصصة والشهائد التصديقية (الجزء الثالث). في هذا الجزء الرابع والأخير، نجيب عن السؤال المعلّق: كيف نُعوّض هذا التبسيط الهيكلي بلا خسارة في الخدمة؟ الجواب يمر عبر ثورة رقمية وابتكارية حقيقية، نختم بها هذه السلسلة بأكملها.

الشرط المصاحب: ثورة رقمنة حقيقية لا شكلية

الشرط المصاحب لتبسيط الهيكلة الإدارية هو ثورة رقمنة حقيقية لا شكلية، ليست مجرد رقمنة إجراءات قائمة بل إعادة تصور كاملة لكيفية وصول المواطن للخدمة العمومية. التصور المقترح هنا مبتكر ويلائم الواقع التونسي تحديدًا: بدل استحداث بنية تحتية رقمية جديدة كليًا (كلفة وزمن لا تملكهما تونس اليوم)، يمكن توظيف شبكة موجودة فعليًا وموزّعة على كامل التراب بكثافة تفوق أي مرفق عمومي آخر — مكاتب البريد التونسي — كنقاط وصول فيزيائية للخدمة الرقمية الموحّدة، بدل إبقاء موظف مختص في كل عمادة أو معتمدية لتسليم وثيقة يمكن التحقق منها آليًا. يقترن هذا بركيزتين:

أولًا، سجل وطني رقمي موحّد للهوية والإقامة، يُغذّى تلقائيًا بالتقاطع بين قواعد بيانات قائمة أصلًا (فواتير الكهرباء والماء، السجلات الجبائية، صناديق الضمان الاجتماعي)، بما يُلغي الحاجة الهيكلية لـ"شهادة إقامة" أو "مضمون ولادة" ورقي يُطلَب شخصيًا من العمدة — إذ يصبح التحقق آليًا وفوريًا عبر المنصة، لا رهين توفر موظف بعينه في مكانه.

ثانيًا، نقاط خدمة ذكية غير مأهولة دائمًا (أكشاك رقمية بمعرّف بيومتري) في المدارس والمراكز الصحية ومكاتب البريد بالمناطق النائية، تُدار بالتناوب من إطار جهوي متنقل واحد يغطي عدة نقاط بدل موظف ثابت في كل عمادة — وهو ما يوفّر فعليًا الكثافة البشرية الحالية (2073 عمدة و264 معتمدًا) لصالح إعادة توزيعها على وظائف تنموية فعلية (تعليم، صحة، تكوين مهني) بدل وظائف توثيقية بحتة تجاوزها الزمن التقني.

هذا التصور لن يُكتب له النجاح إن بقي حكرًا على تصميم داخلي بحت من الإدارة المركزية أو شركاتها العمومية للاتصالات والبريد. يجب أن يُفتح هذا الورش، شأنه شأن الإدماج المالي كما سنرى، أمام منظومة الابتكار التونسية ذاتها — فالحلول التقنية الأنسب لسياق كل جهة (الاتصال في المناطق الجبلية النائية، واجهات بسيطة لمستخدمين أقل إلمامًا بالتكنولوجيا، حلول توثيق بيومتري ملائمة) غالبًا ما تُبتكر أسرع وأرخص لدى شركات ناشئة تونسية متخصصة منها لدى هيكل إداري مركزي بطيء التحديث. هذا يستدعي إحداث هيكل حوكمة مختلط قادر فعليًا على متابعة هذا الورش وتنفيذه: لجنة توجيهية تجمع الإدارة المركزية (كضامن للسيادة على البيانات والأمن) والقطاع الخاص المبتكر (كمصمّم ومنفّذ تقني) ضمن أطر شراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) واضحة العقود والمساءلة، بدل ترك الرقمنة إما لبطء البيروقراطية التقليدية أو لفوضى مبادرات متفرقة بلا تنسيق مركزي يضمن التوافق بين الحلول عبر الجهات.

الإدماج المالي الرقمي ومنظومة الابتكار

هذه الثورة الرقمية يجب أن تمتد إلى بُعد لا يقل إلحاحًا: الإدماج المالي الرقمي كأداة تنمية جهوية بحد ذاتها لا مجرد تحسين إداري. معدل الاستعمال المالي عبر الهاتف الجوال في تونس لا يتجاوز 3%، مقابل نحو 33% في متوسط دول أفريقيا جنوب الصحراء وفق بيانات البنك الدولي — فجوة صادمة تضع تونس خلف اقتصادات أقل تقدمًا تقنيًا بكثير. هذه الفجوة ليست تفصيلًا تقنيًا بل عائق تنموي جهوي مباشر: المواطن والفاعل الاقتصادي الصغير في الجهات الداخلية، البعيد عن فروع البنوك التقليدية المتمركزة ساحليًا، هو أول ضحايا هذا الإقصاء المالي، إذ يُحرم من أبسط أدوات الادخار والتمويل والدفع الرقمي التي باتت في متناول مزارع في كينيا أو تاجر في السنغال. ولنا الله في التعامل مع منظومة مصرفية تقليدية لا تزال، في جزء كبير من ممارساتها اليومية، خارج الزمان والمكان، لكنها جزء من منظومة حكم لا تُسائَل. مشروع القانون المتعلق بمكافحة الإقصاء المالي، الجاري التداول حوله حاليًا استكمالًا للاستراتيجية الوطنية للإدماج المالي (2018-2022)، خطوة ضرورية، لكنها تبقى منقوصة إن لم تُقترن ببنية تحتية رقمية-بريدية (كتلك المقترحة أعلاه) تُوصل خدمات الدفع والتمويل الأصغر الرقمية فعليًا إلى آخر عمادة في أبعد جهة، لا أن تبقى حبيسة النص التشريعي وحده.

لكن سدّ هذه الفجوة لا يجب أن يبقى حكرًا على البريد التونسي والمنظومة المصرفية التقليدية وحدهما، بل يستوجب فتح الملف كليًا أمام منظومة الابتكار والشركات الناشئة التونسية. أثبت إطار "قانون الشركات الناشئة" (Startup Act) منذ 2018، وبرامجه اللاحقة (Startup Invest وStartup Empower)، قدرة فعلية على الابتكار السريع بكلفة أقل بكثير من كلفة الهياكل التقليدية. عشرات الشركات الناشئة التونسية العاملة في التكنولوجيا المالية (fintech) تملك اليوم حلولًا جاهزة أو قابلة للتطوير السريع في الدفع الرقمي والتمويل الأصغر والمحافظ الإلكترونية، لكنها تصطدم غالبًا بحواجز تنظيمية وتعاقدية تُبقيها خارج منظومة الخدمة العمومية. الرهان الحقيقي هنا ليس تقنيًا بل تعاقديًا-حوكميًا: فتح السوق العمومي أمام هذه الحلول عبر شراكات منظّمة وشفافة بين القطاعين العام والخاص، بدل احتكار الدولة أو البنوك التقليدية وحدهما لتصميم الحلول وتنفيذها — وهو الهيكل المختلط ذاته الذي اقترحناه أعلاه لقيادة ورش الرقمنة الشامل.

خاتمة السلسلة

المعيار الذي أقترحه لتقييم أي إصلاح لامركزي مقبل بسيط: صلاحيات فعلية محددة بتوافق سياسي عريض يضمن للإصلاح ديمومة تتجاوز عمر أي حكومة، مقترنة بموارد مالية ذاتية، ومُدارة بإطار بشري كافٍ ومؤهل. غياب أي من هذه الشروط الثلاثة يعني لامركزية صورية، مهما بلغ حماس الخطاب التشاركي المرافق لها.

لكن الأخطر من صورية أي إصلاح مقبل هو ما تخبرنا به تجربة العقود الثلاثة الماضية التي استعرضناها عبر هذه الأجزاء الأربعة: تونس لم تفشل في اللامركزية لأنها جرّبتها ولم تنجح، بل لأنها لم تجرّبها أصلًا — استبدلت في كل مرة انتظار الإصلاح الحقيقي بمسرحية مؤسساتية جديدة، من الجهات المعيّنة إلى المجالس المصوّتة إلى "البناء القاعدي"، بينما ظلت خارطة الفقر والبطالة والاستثمار ثابتة بحرفيتها منذ عقود، وكأن الجغرافيا التونسية نفسها محكوم عليها سلفًا بمصير مزدوج لا يتغير. هذه ليست مسألة شعبوية تُختزل في خطاب المطالبة بالحقوق الجهوية، بل هي في قلب الرؤية الاستراتيجية للدولة ذاتها: أي دولة تريد تونس أن تكون، وأي مواطن تريد أن تصنع؟ فإما دولة تعيد إنتاج مركزيتها التاريخية بأشكال متجددة كل عشرية، أو دولة تقبل أخيرًا أن تتقاسم القرار والمورد والمعرفة مع من تحكمهم بعيدًا عن العاصمة. لا ثالث بين الخيارين، ولا مزيد من الوقت لتأجيل الحسم بينهما.       

بقلم: فوزي عبد الرحمان

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115