اللائق للسجين. ففي الصباح لا يقدّم إليه الفطور. أمّا وجبات الغداء والعشاء فهي رثّة. إنّ العائلة، وليس الدولة، هي التي تتحمّل إلى حدّ الآن معظم مصاريف ابنها/ابنتها في السجن، كلّ حسب إمكانياته وهو ما يخلق نوعا من التراتبيّة. ترسل العائلة، حسب إمكانياتها المادية، حوّالات بريدية ليقتني ابنها/ابنتها لوازم النظافة (صابون، معجون أسنان...) وفطور الصباح (حليب، قهوة بعد أن أصبح مسموحا بها، حلويات…) والماء المعدني من «قنوة» السجن. وكانت الإدارة السجنية تعمد في زمن بن علي إلى تحديد المبلغ المالي المخصّص للقنوة، 15 د في الشهر ورفعت فيه لاحقا تحت الضغط إلى 20/25د ولم يكن الهدف من ذلك سوى إذلال السجين، السياسيّ خاصة، وحرمانه من تأمين ضرورياته علاوة على الحيولة دون استعماله «البونوات» أو «السجائر» (عملة السجن لمدّة عقود) لنسج علاقات بمساجين الحق العام في صورة الإقامة معهم. ولم يتمكّن من إلغاء هذه الإجراءات سوى سجناء حزب العمال (1998-1999) وبعض السجناء الآخرين بعد نضالات مضنية. وبالإضافة إلى ما ذكرنا فإنّ العائلة هي التي تمدّ السجين/السجينة باللباس و»القفّة»( ثلاث مرات في الأسبوع منذ الثمانينات) وهو ما لا تقدر عليه غالبيّة العائلات. وتحوي القفّة الأنواع المسموح بها من الأطعمة وتختلف الأطعمة حسب قدرات العائلة المادية مع العلم أنّ عديد العائلات تزداد فقرا وبؤسا بسبب دخول أحد أفرادها السجن وما يمثلّله من عبء مادّي إضافي عليها. ومن أبشع الأساليب التي استعملت في عهد بن علي إتلاف غالبية الأكل (يلقى بها في القمامة) والغلال (يستحوذ عليها بعض الأعوان والكبرانات). وكان الهدف من ذلك تجويع السجين من جهة والحيلولة دون تمكينه من تقاسم القفّة مع رفقائه من جهة أخرى. وكان كلّ احتجاج على هذه الممارسة اللاإنسانيّة ينتج عنه ضرب السجين أو “إرساله إلى السيلون”. ولئن كان يُسمح لسجناء الحق العام بالتعاون فإن مراقبة مشدّدة كانت تسلّط على السجناء السياسيين حتى لا يحصلوا على أيّ مساعدة غذائية من سجناء الحق العام أو حتّى من بعضهم البعض. ومن المعلوم أنّ العائلات تتعرّض صيفا وشتاء لصعوبات كبيرة سواء في النقل أو في الانتظار لمدّة ساعات أمام السجون خاصة في الأعياد والمناسبات. ويكفي إلقاء نظرة أمام سجن المرناقية أو غيره من السجون الرئيسيّة في مختلف أنحاء البلاد للوقوف عند هذه الحقيقة. ومن المعلوم أنّه لا يسمح للسجين إلّا بزيارة واحدة في الأسبوع لا تتجاوز ربع ساعة وهو ما لا يسمح بالحفاظ على الروابط العائلية وتجتنب العديد من العائلات اصطحاب أطفالها الصغار في الزيارة للسجن اجتنابا للأتعاب والأمراض النفسيّة. أمّا الزيارة المباشرة فهي ليست حقّا وفقا للقانون التونسي وإنّما تخضع لشروط وضوابط منها حسن سلوك السجين والمواظبة على المشاركة في «البرامج الإصلاحيّة» أو الاشتغال بأعمال دائمة خارج السجن الخ...
تجريم الإضراب عن الطعام
كانت أساليب التعذيب والإهانة المستعملة في إضرابات الجوع في عهدي بورقيبة وبن علي كثيرة. كان المساجين السياسون يعلنون إضراباتهم عن الطعام في رسائل يوجهونها إلى الجهة المعنية، قضائية أو إدارية الخ… لذلك فما أن تعلم الإدارة بانطلاق الإضراب حتى تتحرّك لممارسة الضغط على السجين كي يتراجع عن قراره وإذا تعلق الأمر بمجموعة فهي عادة ما يقع تشتيتها على سجون مختلفة. وإذا لم تنفع التهديدات والاعتداءات الجسدية عادة ما تلجأ الإدارة إلى «الحقنة» بالقوة قصد الإهانة. وفي عهد بن علي أصبح الإضراب عن الطعام يعدّ «مخالفة سجنية» فيحال المضرب على لجنة التأديب التي تصدر في شأنه عقوبة بعشرة أيام «سيلون» يتعرض خلالها للضرب والإهانات علاوة على ربطه بسلسلة في الحائط وتركه يقضي حاجياته البشرية على عين المكان (التبوّل). وكان مساجين الحق العام الذين يُضربون عن الطعام يتعرضون بدورهم للتنكيل لذلك كانوا يلجؤون إلى عدم إعلام الإدارة بالإضراب خلال المدة الأولى ويستعملون عصير القارص للنزول بضغط الدم إلى أدنى الدرجات فإذا ما تفطّن إليهم الحراس عن طريق وشاية وضربوهم سرعان ما يغمى عليهم لما أصبحوا عليه من وهن.
تأخّر العلاج وقلّة الأدوية
إذا كان المواطن/المواطنة العادي يشتكي من الحالة المزرية التي أصبحت عليها الخدمات الصحّية في بلادنا فما بالك بالسجناء الذين يعيشون في ظروف خاصة لا يتمتعون فيها بحرية الحركة ولا بحقوقهم الأساسية ومنها الحق في العلاج. فإلى حدود سبعينات القرن الماضي يمكن القول دون مبالغة أنّ الإهمال الصحّي السائد في السجون التونسية كان جزءا لا يتجزّأ من العقاب، مثله مثل حرمان السجين من باقي حقوقه فالإدارة السجنية لا تتحرّك إلّا في الحالات الخطيرة وتحت الضغط. الفكرة الشائعة كانت «شكون قالو إيجا للحبس...آخي هو أوتيل...كان حَبْ راهو ما وصّلش روحو للحالة هذي». ولم تتحسّن الحالة نسبيّا إلّا مع أوّل «إصلاح» للسجون سنة 1975 إذ أصبح بعض أطباء الاختصاص في تونس العاصمة يتعاقدون مع الإدارة العامة للسجون. لكن المشاكل مستمرة حتى اليوم والتي يمكن حوصلتها، وفقا للتقارير الحقوقيّة، في المظاهر التالية:
نقص الأدوية أو عدم انتظام توفيرها، تأخّر الحصول على العلاج، صعوبة إجراء الفحوصات والتحاليل الطبيّة، تأخّر المواعيد الطبيّة، صعوبة الوصول إلى الأطبّاء المختصّين، عدم انتظام متابعة الأمراض المزمنة، تدهور حالات مرضى السكري والقلب وغيرها، صعوبة نقل المرضى إلى المستشفيات العمومية، بقاء حالات صحية حرجة داخل السجن رغم حاجتها إلى علاج استشفائي، ضعف الرعاية الصحية الاستعجالية، مشاكل علاج أمراض الأسنان وأمراض الجهاز الهضمي والأمراض الجلدية والفطرية المرتبطة بظروف الاحتجاز. يضاف إلى ذلك اضطرابات الصحة النفسية ونقص المتابعة النفسية، وحالات الإغماء والتدهور الصحي الحاد المتكاثرة التي تنتج عنها الوفاة. وتشتكي العائلات من عدم إعلامها في الوقت المناسب بتدهور الحالة الصحية أو الوفاة ومن انقطاع أو اضطراب العلاج عند نقل السجين من مؤسسة سجنية إلى أخرى ومن صعوبة توفير حميات غذائية خاصة للمرضى كما تشتكي من ضعف التوثيق والمتابعة الطبية لبعض الحالات الصحية الخطيرة التي من حق العائلة أن تعلم بها وتتابعها.
مشكلة ذوي الإعاقة والإيواء الوجوبي
من المشاكل التي تعاني منها السجون التونسيّة عدم استجابة البنية التحتيّة بصورة كافية لاحتياجات الأشخاص من ذوي الإعاقة الحركية والحسيّة وهو ما يعني أن المشكلة لا تنحصر في الخدمات الطبيّة فحسب بل تشمل أيضا مدى قدرة السجين المعاق على التحرّك والوصول إلى مختلف فضاءات السجن والاستفادة من الخدمات المتوفرة بصورة مستقلة وآمنة. وبالإضافة إلى حالة المعاقين توجد حالة أخرى، «الإيواء الوجوبي»، وهي تهمّ الذين يعانون من اضطرابات نفسية يمكن أن تشكّل خطرا على صاحبها وعلى السجناء الآخرين وهو ما يتطلّب احتياطات خاصة منها إيواؤهم في المستشفيات المناسبة. وتتمثّل أبرز الإشكاليات في تونس في نقص الطاقة الاستيعابيّة للمؤسسات الاستشفائيّة المختصّة والاكتظاظ الذي تعاني منه وخاصة الضغط المسجل بمستشفى الرازي مما ينجم عنه تعذّر تنفيذ بعض قرارات «الإيواء الوجوبي» في الآجال المناسبة ونتيجة ذلك يبقى بعض الأشخاص داخل السجون رغم صدور قرارات تقضي بإيوائهم في مؤسسات صحية مختصّة وهو ما قد يعرّضهم ويعرّض بقيّة السجناء لمخاطر إضافيّة ويحول دون حصولهم على الرعاية النفسيّة والطبية التي تتطلبها حالتهم.
«إعادة التأهيل» أو عملية «التوبة» و«غسل الدماغ»
من الأساليب التي استعملت زمن بن علي لإذلال المساجين السياسيّين ما كان يُسمّى وقتها «إعادة التأهيل». إن عددا لا يستهان به (ربّما المئات) من سجناء حركة النهضة “ خاصة، تراجعوا أو بالأحرى تبرّؤوا تحت وطأة التعذيب وسوء المعاملة، من انتمائهم إلى الحركة وقدّموا كلّ ما لديهم من معلومات وعبّروا عن استعدادهم لما يمكن أن نسمّيه «التوبة» ووجهوا رسائل في الأمر إلى السلطات. لكنّ نظام بن علي لم يطلق سراحهم خوفا من عودتهم إلى النشاط حالة إخلاء سبيلهم وعَزَلهم في «عنابر» خاصة عن بقية زملائهم وأخضعهم لعملية «إعادة تأهيل» بإشراف أمني أي عمليّة «غسل دماغ». فكانت الإدارة السجنيّة تستدعي أساتذة تربية دينيّة ومدنية لتأطيرهم كما كانت تعرض عليهم أفلاما سينمائية لمخرجين تونسيّين معروفين يتولّون بأنفسهم الإشراف على النقاش بعد العرض. وكانت الإدارة تدسّ بين هؤلاء المساجين «مخبريها» ليتابعوا ردود فعلهم بعد كلّ درس أو عرض سينمائي أو نقاش «تأطيري» ويكتبوا بشأنهم تقارير. وكان أولئك المساجين يتظاهرون بالطبع بالاستكانة وبتغيير قناعاتهم والتخلّص «نهائيّا» من «أفكارهم السابقة» أملا في الخلاص من سوء المعاملة وفي إطلاق السراح. وفي الواقع لم يكن ما تقوم به الإدارة سوى محاولة غسل دماغ مفروضة فرضا على أولئك السجناء. وبعد الثورة التمس رئيس حركة النهضة لهؤلاء «المرتدّين» الأعذار واعتبر مواقفهم من «الرخص الشرعيّة» ومن «الوسائل الاضطراريّة» التي يلجأ إليها السجين لحماية نفسه أو لإنهاء عذابه وعذاب أسرته ودعا الجميع إلى استعادة مكانتهم في صفوف الحركة. ومن النافل أن مثل هذا السلوك لا يوجد مثلا في صفوف الحركات اليسارية منها خاصة «منظمة آفاق العامل التونسي» و»حزب العمال» وغالبيّة نشطاء الحركة الطلابية الذين كانوا على الدوام يعتبرون السجن «مدرسة للنضال» و»اختبار القناعات» ويرفضون تقديم مطالب العفو ويعتبرونها تنكّرا لمبادئهم وقيمهم الثوريّة وخضوعا لإرادة الدكتاتورية.
خاتمة:
حاولت في هذا النص كما قلت في البداية الوقوف عند حالة المنظومة العقابية السجنية في بلادنا بناء على أمثلة ملموسة تبين أنّ هذه الحالة لم تتغيّر جذريا منذ عهد بورقيبة فكل الإصلاحات التي تمّت ظلت جزئية ومحدودة ولم تخرج من بوتقة الفلسفة الرجعية واللإنسانية التي تعتبر السجن فضاء للعقاب وليس فضاء للإصلاح وتسهيل إعادة الإدماج في المجتمع. وليس ذلك سوى نتيجة منطقية للنظام السياسي الاجتماعي القائم وهو نظام دكتاتوري قمعي في خدمة مصالح الأقليات وهو يعتمد القمع والسجون لبسط هيمنته على المجتمع سواء تعلق الأمر بالسجناء السياسيين الذين يُنظر إليهم كخطر يهدّد النظام القائم ومصالح الفئات الطبقية التي يخدمها أو بسجناء الحق العام الذين ينظر إليهم كفَضْلة من فضلات المجتمع» الذين يشكّلون «خطرا على أمن ومصالح الفئات المسيطرة» رغم أنّهم نتاج خياراتها المتوحشة. وقد مثلت الثورة التونسية فرصة لتغيير الفلسفة العقابية والسجنية في بلادنا لكنّ الحكومات التي تعاقبت بعد الثورة لم تكن لتحمل معها فلسفة جديدة غير الفلسفة القديمة السائدة لسبب بسيط وهي أنّها ظلّت تمثّل مصالح نفس تلك الفئات الرجعية ولم تقم بالتغييرات الجذرية في الاقتصاد والمجتمع تكون أساسا لثقافة إنسانية جديدة وهو ما يفسّر استمرار نفس الأوضاع في السجون بل تفاقمها مع نظام قيس سعيّد الذي ارتفع في عهده عدد السجناء بنسبة تقارب 50 بالمائة إذ وصل عدد المساجين حوالي 33 ألف مقابل 22 ألف في السنوات السابقة.
إن منظومة عقابية سجنية جديدة تتطلّب تغييرا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وقانونيا جذريا...لكن من هنا إلى تحقيق ذلك الهدف علينا ألّا نكلّ في المطالبة بالسماح للمنظمات الحقوقية بزيارة السجون وبإطلاق سرح معتقلي الرأي وترك غالبية الموقوفين حاليا في جنح أو مخالفات في حالة سراح وإخلاء سبيل المعاقبين بأقل من سنة سجنا وعددهم كبير واستبدال عقوباتهم بأعمال اجتماعيّة خاضعة للرقابة الخ... حتى لا يبقى في السجن إلا العدد القليل الذي ينبغي أن تتوفر له ظروف اعتقال إنسانيّة.
انتهى
بقلم حمة الهمامي