فيه صياغة خرائط النفوذ العالمي، يبرز كتاب "خريطة الطريق في سبر أغوار المضيق" لماجد البرهومي كعمل يحاول أن يضع تونس داخل إطار قراءة جديدة تتجاوز السرديات التقليدية التي اعتادت حصر دورها في موقع جغرافي ثانوي أو في معادلات إقليمية ضيقة. فالكتاب لا يقدم مجرد سرد تاريخي أو تحليل معزول، بل يسعى إلى بناء رؤية شاملة تجعل من الجغرافيا عنصرا فاعلا في فهم التاريخ والسياسة معا.
ينطلق المؤلف من فكرة مركزية مفادها أن موقع تونس على ضفاف مضيق صقلية ليس تفصيلا جغرافيا، بل هو عنصر تأسيسي في تكوين الدولة والمجتمع والتاريخ. فالمضيق، في تصوره، ليس مجرد ممر بحري، بل نقطة تقاطع كبرى بين إفريقيا وأوروبا، وبين الشرق والغرب، وبين مسارات التجارة القديمة والحديثة. ومن هنا، فإن فهم تونس دون فهم هذا الفضاء البحري يبدو، في نظره، فهمًا ناقصا أو مبتورا.
لكن ما يميز هذا الكتاب عن غيره من الأعمال ذات الطابع الجيوسياسي، هو أنه لا يكتفي بتأمل الحاضر، بل يغوص في طبقات التاريخ ليعيد تركيب المشهد من جذوره. فالمؤلف يستحضر قرطاج ليس فقط كحضارة من الماضي، بل كنموذج لدولة أدركت منذ وقت مبكر أن القوة لا تُبنى فقط على الأرض، بل على البحر أيضا. ومن هذا المنظور، تصبح قرطاج رمزا مبكرا لفهم استراتيجي عميق لطبيعة المتوسط كفضاء مفتوح للصراع والتبادل في آن واحد.
ويمتد هذا الخط التحليلي عبر العصور، حيث يتوقف الكتاب عند محطات تاريخية مفصلية مثل العصر الأغلبي، والصراع العثماني الإسباني، وفترة حمودة باشا، وصولا إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية. في كل هذه المراحل، يحاول المؤلف أن يثبت فكرة واحدة مفادها أن السيطرة أو التأثير في هذا المجال الجغرافي كانت دائمًا مرتبطة بالقدرة على فهم حركة البحر والممرات، وليس فقط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية المجردة.
غير أن أهمية الكتاب لا تكمن في استعراضه للتاريخ فقط، بل في إسقاطاته على الحاضر. فالمؤلف يرى أن العالم المعاصر، رغم تطور التكنولوجيا والعولمة، لا يزال محكوما بمنطق الممرات الاستراتيجية. وهنا يبرز الدور المتجدد للمضيق، ليس فقط في التجارة، بل في الطاقة أيضا، حيث تمر عبره تدفقات حيوية من الغاز تربط بين ضفتي المتوسط. كما أن قربه من أوروبا يمنحه بعدا إضافيا في قضايا الأمن والهجرة والاتصال بين القارات.
وفي هذا السياق، يطرح البرهومي سؤالا جوهريا، هل تدرك تونس فعلاً قيمة موقعها؟ أم أنها ما تزال تنظر إليه كمعطى جغرافي ثابت لا يتحول إلى أداة استراتيجية فعالة؟ هذا السؤال لا يقدمه الكاتب بصيغة اتهامية بقدر ما يطرحه كإشكال فكري وسياسي مفتوح، يحتاج إلى مراجعة عميقة في طريقة تفكير النخب وصناع القرار.
ومن اللافت في هذا العمل أيضا أنه لا يفصل بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، بل يعتبرها منظومة واحدة متداخلة. فالمضيق، في هذا التصور، ليس مجرد خط على الخريطة، بل فضاء تتقاطع فيه مصالح دول كبرى، وتُرسم فيه ملامح التوازنات الدولية. ومن هنا تأتي أهمية التفكير في تونس ليس كدولة معزولة، بل كجزء من شبكة معقدة من العلاقات التي تتجاوز حدودها الوطنية الضيقة.
أما على مستوى الأسلوب، فيعتمد الكتاب على لغة تجمع بين التحليل والتأمل، وبين السرد التاريخي والنقاش الفكري. وهذا ما يمنحه طابعا خاصا يجعله قريبا من القارئ العام، وفي الوقت نفسه قابلا للنقاش الأكاديمي. فالنص لا يفرض إجابات جاهزة، بل يفتح مساحات للتفكير وإعادة النظر في المسلمات.
ولا يمكن فصل هذا العمل عن المسار الفكري لصاحبه ماجد البرهومي، رجل القانون والباحث السياسي الذي راكم تجربة في التدريس والمحاماة والعمل البحثي، وأسس مركزا للدراسات الاستراتيجية، وكتب في عدد من القضايا العربية المعقدة مثل ليبيا وفلسطين والتحولات السياسية في تونس. هذا التعدد في الاهتمامات ينعكس بوضوح في الكتاب، الذي يجمع بين الحس القانوني والدقة التحليلية والرؤية السياسية الواسعة.
إن "خريطة الطريق في سبر أغوار المضيق" ليس كتابا يهدف فقط إلى إعادة قراءة التاريخ، بل هو محاولة لإعادة تعريف الحاضر أيضا. فهو يدعو إلى النظر إلى تونس من زاوية مختلفة، لا باعتبارها دولة صغيرة في محيط مضطرب، بل كفضاء جغرافي يمتلك إمكانات استراتيجية كامنة، تحتاج فقط إلى وعي جديد ليتم تحويلها إلى قوة فعلية.
وبين التاريخ والجغرافيا والسياسة، يضع هذا الكتاب القارئ أمام فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها مفادها أن فهم المكان هو الخطوة الأولى لفهم الدور. وأن تونس، عبر بوابة مضيق صقلية، قد تكون أكثر حضورا في العالم مما يبدو للوهلة الأولى.
بقلم: هشام الحاجي
كتاب خريطة الطريق في سبر أغوار المضيق لماجد البرهومي تونس ومفاتيح الجغرافيا الخفية من خلال أهمية مضيق صقلية
- بقلم المغرب
- 15:27 05/05/2026
- 57 عدد المشاهدات
في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتُعاد