أو ما تبقّى منها، وفي زقاق ضيّق داخل حيّ شعبي من أحياء تونس العاصمة، يتوارى “حانوت ملاوي”.. أين تتلاشى واجهته المتواضعة في المشهد العام، فيما يستيقظ بابه الخشبي عند الخامسة صباحًا، ليغلق مع آخر حركة للعجين.. لكن ما لا يعرفه الزبائن، وهم يتناولون الملاوي، أن المرأة التي تعجن خلف الطاولة كانتبالأمس تُقلع بطائرات الدرجة الأولى، وتُستقبل في صالات كبار الزوار، وتنزل في فنادق الخمس نجوم. كانت تأكل في مطاعم لا يُعرف عنوانها، وتُفتح لها الأبواب الموصدة التي لا تفتح إلا لوجهاء الناس وأصحاب القرار. وكانت تجلس على موائد كبار الشخصيات والوزراء ورؤساء الجمهورية، إلى جانب أساطين السياسة وعمالقة الاقتصاد والمال..إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أغلقت فيها مؤسستها الإعلامية على غرار العديد من المؤسسات.. كانت تشتغل على ملفات حساسة، تُلاحق قصص المهمّشين وتعود بنصوص تُربك أكثر مما تُرضي. تنقّلت فيما ماضى بين مؤسسات لا تمنح عقدًا ولا تعترف بتعب، تكتب بأجر لا يليق بما تكتب، وتُحذف من مقالاتها مقاطع كاملة لأنها “لا تناسب الخط التحريري”. كانت تتقن أكثر من لغة، تترجم وتحرّر، ويُطلب منها في كل مرة أن تختزل نفسها في دور أصغر مما تعرف أنها قادرة عليه. ذات مرة، اشتغلت على تحقيق لأشهر، وحين حان نشره، سُحب في آخر لحظة دون تفسير… يومها فقط فهمت أن الجهد لا يكفي دائمًا ليجد طريقه إلى النور.ثم غادرت. ذهبت إلى كندا، محاولة أن تبدأ من جديد في مكان يبدو محايدًا وباردًا أكثر مما يحتمل الداخل. لكنها لم تستطع إكمال سنة واحدة. كانت تقول لاحقًا: “كاد البرد يقتلني… لم أكن أدرك أنني دون الشمس أجنّ وأتلاشى.” هناك، فهمت أن قدرتها على الاستمرار ليست منفصلة عن الضوء، وأن ما كانت تظنه تعبًا مهنيًا كان أيضًا حاجة خفية إلى دفء الحياة اليومية، إلى الناس، وإلى معنى يكون قريبًا من الجسد لا فقط من النصوص فقط.قبل بضع سنوات، التقيتُها في مقهى في لافايات، قريب من نقابة الصحفيين، في لحظة بدت كامتداد طبيعي لبحثٍ عن قصص عالقة، عن صحفيات عبروا مسارات متكسّرة في زمن معقّد وجاحد، وعن كرامات تسرّبت بين عناوين وأبدا لم تجد طريقها إلى القراءة. حضرت بهدوء لافت، وكأن الكلام عندها يبدأ قبل أن يُقال، وكأنها اعتادت التقاط المعنى قبل أن يكتمل شكله.. تحدثت عن مقابلات عمل، ولعلّ آخر مقابلة لها اختزلت كل هذا اللامعنى الذي نعيشه، قالت لي " دخلت تلك المقابلة، وكنت أعتقد أنها سترمم ذاتي بعد أشهر من التعب، دخلتها وأنا أحمل سيرة طويلة أكثر مما أحتمل الطاولة الصغيرة أمامي تحدثت برصانة وشرحت تجاربي، تذكرت الملفات التي اشتغلت عليها، اللغات التي أتنقل بينها كما لو كانت تفاصيل بديهية.. وفي نهاية المقابلة، لم يكن هناك نقاش ولا أسئلة إضافية. فقط تبادل نظرات قصير بين أعضاء اللجنة، ثم ابتسامة خفيفة من الطرف الآخر، كأن القرار كان جاهزًا منذ البداية لكنه ينتظر صيغة مهذّبة. قالت لي الموظفة وهي تغلق الملف: “Nous avons besoin de profils plus… adaptés.” توقفت لحظة، ثم أضافت كلمة أخرى كأنها تشرح دون أن تعتذر: “Surqualifiée.”"لم تُطلب منها أي تفاصيل إضافية، فقط جملة واحدة أُغلقت بها كل احتمالات الحوار. ربما وقفت وقتها، ربما جمعت أوراقها بنفس الهدوء الذي دخلت به، لكن أجزم أنّ داخلها كان هناك شيء يُعاد ترتيبه بشكل غير مفهوم .. ربما أدركت أن الإذلال لم يكن في الكلمة نفسها، إنما في كونها لم تترك لها حتى مساحة لتشرح لماذا لا ينبغي أن تكون الكفاءة غير مرحّب بها..بعد أسابيع من لقاءنا في مقهى لافيات، اختفت، ولم تعد ترد على الرسائل. ظننت أنها سافرت، أو كتبت كتابًا، أو استسلمت لمعركة من معارك الحياة.. لكنّ معركة الصحافة لم تفضّ بعد.. اليوم نحتاج الصحافة لأن الواقع لا يصلنا كما هو، إنما يصلنا متشظّيًا بين روايات متناقضة، وضجيج يومي، ومصالح متعددة تحاول أن تُعيد تشكيله. من دون الصحافة، يصبح الحدث مجرد خبر عابر، وتضيع خلفه الأسئلة الأساسية: ماذا حدث فعلًا؟ ولماذا حدث؟ ومن يتحمّل أثره؟ الصحافة هي ما يحاول أن يجمع هذه الشظايا في صورة قابلة للفهم، هي أيضًا ما يمنع الحقيقة من أن تبقى حكرًا على جهة واحدة، لأن من يملك الرواية يملك جزءًا من السلطة. لذلك تعمل الصحافة على فتح المساحات المسكوت عنها، وإعادة إدخال من لا صوت لهم إلى المجال العام، كي لا يُختزل المجتمع في وجه واحد أو خطاب واحد. وفي جوهرها، هي شكل من أشكال الذاكرة الجماعية: توثّق ما يحدث، وتمنع أن يُنسى أو يُشوَّه بسهولة. لهذا تُقاس هذه المهنة بكونها تجعل العالم قابلًا للفهم، وتمنح الناس حقهم في أن يعرفوا ما يجري حولهم بقدر من الوضوح والمسؤولية..
وفي يوم هاتفتني صديقتي وقالت لي: "الحمد لله أن أمي أصرّت على تعليمي عجن وصنع الملاوي عندما كنت صغيرة." ..كانت تقف خلف طاولة خشبية، تنشغل بالعجين بين يديها، فيما يتخذ وجهها ملامح مختلفة عمّا يسبق ذاكرتي.. ثم سبقَتني بالكلام بابتسامة خفيفة: "أعرف ما يدور في ذهنك… صحفية تصنع الملاوي؟" ضحكت، ثم أتبعت ذلك بنبرة أكثر ثباتًا: "هنا وجدتُ كرامتي التي لم أجدها في الصحافة ولا في المجتمع المدني".. توقفت قليلًا، ومسحت يديها بمئزرها الأبيض، ثم قالت: "شغفي وقلبي ما زالا هناك، في الصحافة، ربما مقدّر علينا أن نعيش أكثر من نسخة منّا في تونس اليوم.." خرجتُ من المكان، ورائحة الخبز تسبقني إلى الشارع.. وكان طعم الملاوي في فمي مختلطا براحة الجرائد.. ومع كل خطوة، كانت الأسئلة تتسارع في رأسي، ووخز في قلبي عن وجوه أخرى تتوارى خلف مهن جانبية، عن كفاءات تبحث عن موضع لا يختبرها باستمرار، عن مسارات تُغلق حين يبدو أصحابها أكثر حضورًا مما يُطلب منهم.. وعن مهنة تؤلمنا لكنّا نحبها.. ربما الكرامة في بعض صورها تُصنع خارج ما يُنتظر، وتتشكل في تفاصيل صغيرة لا تحتاج إلى إعلان.. لم تختر صديقتنا ترك الصحافة، إنما اختارت ترك شكل زائف من الظهور، وذهبت إلى شكل آخر يمنحها ما تبحث عنه