الحادي والستين، بعد تصعيد غير مسبوق تجاوز الخطوط الحمراء التقليدية. وبينما توحي التصريحات الدبلوماسية القادمة من واشنطن وطهران بوجود "مساحات للمناورة"، إلا أن الواقع الميداني على ضفافمضيق هرمز وفي تلال جنوب لبنان يرسم مشهدا مختلفا تماما،مشهدا عنوانه "الخنق الاستراتيجي" ومحاولة إعادة تعريف السيادة الدولية في الممرات المائية.
لم يعد سرا أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد حسمت خيارها بالابتعاد عن خياري "القصف الجوي المكثف" أو "الانسحاب الكامل"، متبنية ما يمكن تسميته بـ "الحصار الهيكلي" اوالعودة لمبدأ العقوبات والحصار الاقتصادي الذي سلط على ايران طوال العقود الماضية لكن بوتيرة أكبر. فتوجيهات البيت الأبيض لسلاح البحرية بالاستعداد لحصار طويل الأمد لموانئ إيران تتجاوز كونها مجرد أداة ضغط اقتصادية، لتصبح محاولة لفرض واقع قانوني جديد يربط حرية التجارة الإيرانية بتفكيك "الطموحالنووي".
واشنطن اليوم تسعى لانتزاع التزام إيراني بتجميد التخصيب لمدة عشرين عاما، وهي مدة كفيلة بإنهاء الجيل الحالي من التكنولوجيا النووية الإيرانية. لكن هذا الرهان الأمريكي يصطدم بصلابة طهران التي ترى في الحصار "عدوانا قانونيا" يمنحهاالحق في استخدام ورقة المضيق كأداة دفاع شرعي.
في المقابل، يعكف مجلس الشورى الإيراني على فرض رسوم عبور بالريال الإيراني على السفن المارة بمضيق هرمز وذلك رداعلى انتهاك سيادة طهران البحرية من قبل الولايات المتحدة . ويرى البعض ان هذا التوجه لا يأخذ بعين الاعتبار اتفاقية الأممالمتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، وتحديدا حق "المرور العابر" في المضائق الدولية.
واليوم وجدت طهران نفسها في خضم العدوان الصهيو أمريكي أمام لعبة موازين قوى جديدة ، لذلك فهي تسعى لتحويل المضيق إلى ممر خاضع لسيادتها المالية والعسكرية. رد وزير الخارجيةالأمريكي ماركو روبيو كان حازما بوصفه هذا التوجه بأنه "نظام غير مسموح"، مما يضع العالم أمام مواجهة وشيكة.
في موازاة ذلك، يشهد الجنوب اللبناني ما يشبه "الحرب الصامتة" الصهيونية تحت غطاء هدنة هشة. فلجوء جيش الاحتلال الإسرائيلي لنسف منشآت تحت الأرض بـ 450 طنا من المتفجرات في بلدة القنطرة يعكس تغيرا في العقيدة القتالية الإسرائيلية، فالمطلوب الآن ليس "الردع" بل "الاستئصال الهيكلي" لقدرات فرقة الرضوان ومسح الجغرافيا اللبنانية وتقطيع أوصال الجنوب من خلال ضرب الجسور والأنفاق.
هذا التصعيد يضع الدولة اللبنانية، ومؤسساتها الدستورية المتهالكة، في موقف العاجز. فبينما تتحدث دمشق وقطر عن ضرورة الحفاظ على السيادة اللبنانية، تفرض الميادين العسكرية منطقها الخاص، حيث تتحول القرى الجنوبية إلى ساحة للمؤامرات الصهيونية وتدفع العائلات اللبنانية، كما حدث في"جبشيت" و"طيردبا"، ضريبة غالية من دمائها وسط صمت دولي مطبق.
التحذير القطري من "صراع مُجمد" هو الأدق في وصف الحالةالراهنة. فالمنطقة قد تنزلق إلى نمط من "اللاحرب واللاسلم" الاستنزافي الذي يدمر الاقتصادات المحلية دون الوصول إلى حسم سياسي.
واليوم يبدو ان الشرق الأوسط لا يعيش مجرد أزمة عابرة، بل هو في خضم عملية "إعادة صياغة" كبرى. إن "المراوحة" الحالية هي الهدوء الذي يسبق العاصفة، حيث تتحضر كل الأطراف لجولة قد تكون هي الأكثر دموية في تاريخ المنطقة الحديث. فهل ستنجح الوساطة الباكستانية في فتح ثغرة في جدار التعنت الأمريكي؟
الأزمة بالأرقام
2534 إجمالي عدد الشهداء منذ اندلاع الحرب الصهيونية على لبنان في مارس
7863 إجمالي عدد الجرحى والمصابين اللبنانيين جراء العدوان الصهيوني
1.6 مليون عدد النازحين اللبنانيين أي ما يعادل خمس السكان
65 عدد الهجمات الجوية الإسرائيلية على جنوب لبنان خلال 24 ساعة الماضية.
10 كيلومترات المسافة التي توغل فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل الحدود اللبنانية
تكاليف واردات الطاقة للاتحاد الأوروبي ترتفع 27 مليار يورو