جمالية محكي الحلم قراءة في قصة "حرقة " لنعيمة الهمامي

تعتبر لقصة القصيرة جدا ظاهرة سردية جديدة

وشكلا قصصيا جديدا وليد سياق تاريخي فرضته حركية وسرعة الزمن الراهن ، لأن " كل مرحلة تتطلب أشكال التعبير التخييلية وتقنياتها الجمالية ، وحجم النصوص والرؤيا للعالم ، وليست القصة القصيرة جدا إلا نتاجا لمرحلة ما بعد الحداثة "، على حد تعبير الباحثة نانا رودريكيس روميرو Nana Rodriguez Romero
هذه الظاهرة السردية الجديدة التي ملأت الدنيا ، عمت المشهد الأدبي التونسي حاضنا لأسماء بصيغة المؤنث والمذكر ، ونستحضر نعيمة الهمامي بأضمومتها القصصية ( رغيف ساخن )، الصادرة مؤخرا عن دار زينب للنشر والتوزيع ، تشتمل على ومضة قصصية على امتداد 98 صفحة ، تزين غلافها لوحة تشكيلية للفنانة ، هاجر ريدان ، وقدمتلها الساردة والناقدة نورة عبيد المتمرسة والخبيرة بحفر النصوص
نص الانطلاق
حرقة
توسد رمال الشاطئ ...
في الحلم أقلعت به الطائرة ...
حين استيقظ ... كان البحر يجر وسادته إلى الأعماق "
العتبة العنوانية
عنونت القاصة ، نعيمة الهمامي ، نصها ب" حرقة "، و يتكون هذا العنوان من كلمة مفردة ، جاءت اسما نكرة ، وهي مأخوذة من فعل "حرق" ، من بين معانيها في المعجم العربي، إضرام النار في شيء ما، كما تحمل في ثناياها الهجرة غير الشرعية (غير النظامية) أو "السرية"في التداول اليومي ، حيث يقوم المهاجر بـ "حرق"أوراقه الهوياتية الثبوتية .
وعليه ، تحكي قصة " حرقة " عن شخصية تتوسد رمال الشاطئ ، كي ترى في حلمها إقلاع الطائرة ، وحين تفتح عينيها ترى نفسها برفقة مخدتها تبتلعهما تجاويف البحر ، وينطفئ الحلم .
يبدو من هذا التلخيص المركز أن القصة اشتغلت على الحلم ، بوصفه تعويضا و ترجمة لحقيقة اجتماعية جماليا وفنيا ، لأن الحلم تحقيق للعواطف ، المكبوتة في حياتنا في اليقظة.
تركيب القصة
تتكون قصة " حرقة من أربعة مقاطع هي كالتالي :
- توسد رمال الشاطئ :في هذا المقطع نتعرف على شخصية مذكرة ،تتوسد رمال الشاطئ ، لكننا لانعرف شيئا عن عمرها ولونها، ومن ناحية أخرى يشتمل المقطع على إشارة مكانية " الشاطئ"، مع غياب إشارات زمنية فيزيقية التي تنظم السرد الأفقي ، ومن خلال مجموع هذه العناصر نكون بصدد تمهيد عادي وهادئ ، لا يخرج في طابعه العام عما يسود البدايات
- في الحلم أقلعت به الطائرة : في هذه المقطوعة الثانية ، يتم التعرف على فعل انطلاق وإقلاع الطائرة في الحلم ، لكن لماذا الإقلاع ؟ هنا دلالتان ، الأولى علامة على مغادرة الأرض التي لم تعد الشخصية الحالمة متكيفة معها ، والثانية نقد مقنع لهذه الأرض التي لم تعد تحتمل.
- حين استيقظ.. اليقظة في هذه المقطوعة ترمز إلى الخروج من الحلم ، والحضور الذهني الكامل، والإدراك والمعرفة والوعي .
- كان البحر يجر وسادته إلى الأعماق:في هذا المقطع الأخير ننتهي إلى قفلة تراجيدية ، تندمج فيها الحلم والغرق والموت ، وبذلك ، نكون أمام قفلة صادمة وغير منتظرة ، كسرت أفق المتلقي بمفاجأتها التي لا تنتهي .
هكذا تتركب المقطوعات الحكائية وفق نظام مرن ، ودوائر سردية متشابكة تنتشر باختزال حول حافز حكائي بؤري حلمي ، ينشطر إلى نويات سردية صغرى ، ومن ثم تنبثق رمال الشاطئ ، وإقلاع الطائرة ، الوسادة ، ثم أعماق البحر ، وللقراءة العالمة والعارفة أن تسل كل هذه الخيوط ، كي تركب منها شريطا حكائيا على شاكلة سينما circuit
سردية الأحلام
استثمرت السرود الأدبية ، ومنها القصة القصيرة جدا ، الحلم بوصفه ظاهرة بشرية لا يمكن استثناؤها من حياة الفرد باعتباره جوهر المحكي ، لأنها وجدت فيه بنية تعويضية للحدث ، أو معادلة ، أو استباقية له ، ولا حياة للنص بدونه .
ومن خلال هذا ، فالشخصية حالمة في قصة " حرقة " ، تقوم الأحداث حول حلمها ، ومحكي الحلم الذي تنتجه، اعتمادا على أسس اللاشعور بغاية ترجمة الحقيقة الاجتماعية جماليا ، وتعبيرا بصدق عن الحالة النفسية والاجتماعية لمنتج الحلم .
فإقلاع الطائرة ، يشي بأن الشخصية الحالمة تعاني من ضغط في واقعها الذي يسبق الحلم ، و" الدموي يرى الحمرة ، والمرطوب يرى الرطبة ، والصفراوي يرى الصفرة ، والسوداوي يرى الظلمات 5"
ومن هنا جاء الحلم في القصة ، انعكاسا لهوس الشخصية الحالمة بالهجرة السرية جوا ، مما يمنحناالاطلاع على نموذج بشري يعلن أن العالم الآخر منقذا ، لكن ينتهي المطاف بالنزول في بحر الموت، مما يلغي الهروب إلى العالم الآخر ، وانطفاء الحلم والحالم ، ومن ثم الترميز لإحباط جماعي لشريحة من المجتمع تمثلها هذه الشخصية الحالمة .
إن هذه الومضة القصصية بحمولاتها الحلمية ، لا تقدم للقارئ مجرد متعة وامضة ، بل تعكس صراعا نفسيا للشخصية الحالمة ، وتعبر عن قضية اجتماعية أعمق، ويوحي موضوعها وبنيتها بالبحث في الحلم عن الجنة الموعودة ، والهروب من واقع اقتصادي متردي ، حيث تتحول الشخصية الحالمة والحارقة رمزا لتكسير القيود والحدود الجمركية بحثا عن الحرية والعيش الكريم ، وتحويلها إلى أكلة للسمك في لحظة برزخية بين الحياة والموت ، ويبقى الحلم في القصة القصيرة هو القصة كلها.
هنا تبقى الأسئلة مفتوحة على الكتابة الواعية التي تتقن الحفر في الذاكرة الجمعية ، إنها الكتابة التي تنطلق من واقعها كي تعود إليه محملة بشريحه ، بل تدخل من الباب ، بدل تكسير النوافذ والتسلل عبرها ، وتلك هي ضرورة الفن حسب أرنست فيشر .
إيقاع الأسطر
شكلت قصة " حرقة " أسطر نصها على هيئة القصيدة النثرية ، فتوزعت على شكل أسطر قد تطول وقد تقصر ، تجاوزا للبيت الشعري بصدره وعجزه ، مع الاحتفاظ بهويتها التي تميزها بوصفها قصة قصيرة جدا ، وهذا التوزيع الذي يمتد فيه السواد ويتقلص ، لم يأت عفويا واعتباطيا ، وإنما جزء من التركيب ، لا يقل أهمية في علاقاته بسائر أجزائه الأخرى.
وهذا الاختيار البصري الذي اختارته القاصة نعيمة بتكسيرها لخطية السطر ، يكشف عن الشحنة الشعرية الكامنة فيها ، وأيضا نزوع القاصة إلى تأسيس خطاب قصصي من توقيعها ،ف" إذا لم تكن شاعرا أولا وآخرا ، فأنت لست روائيا ولست ناقدا ، ولست مبدعا ، والشعر هو سمة الأصالة في كل الفنون"
البياض والسواد
البياض والسواد هي علامة من علامات الحداثة في الديوان الشعري ، لكنها انتقلت للرواية وللقصة القصيرة وللقصة القصيرة جدا ، وهذا ما يلاحظه المتتبع لقصص " رغيف ساخن " لنعيمة الهمامي ، في قصة " حرقة " نسجل أن آلياترسمالبياضالأثيرةلديهاهيآليةالقطع،حيثيُفتتالجملالمتكاملةإلىنثاريخلّففضاءاتبيض،توفرهاأربعةمقطوعاتخلفتخمسةفراغاتبيض، تمثل تلك التموجات الشعورية التي تمليها نفسية الذات ، لأن النص متماوج ويلفه التوتر ، مما يستفز القارئ بجماليته وانفتاحه على قراءات متعددة ، تنتج لذة القراءة كما يسميها رولان بارت .
النقاط المسترسلة
هي علامات ترقيم تدل على كلام محذوف، أو صمت، وعلى أن البنية التركيبية تامة لكن المعنى غائب، وما يستفاد منه ذلك أن هذه البياضات ليست مجانية واعتباطية ، بل تنهض بوظيفة دلالية شأنها في ذلك شأن اللغة والكلمات .
وبناء على ذلك ، رصدنا في قصة " حرقة " تكرار النقاط المسترسلة ثلاث مرات ، مما يعني أن القاصة تحث المتلقي على ملء هذا الفراغ بقصد مشاركته في بناء المعنى ، وتحفزه على البحث عما تجاوزته ، وبذلك يلعب الببيض دور المحفز لجمالية التلقي عبر تنشيط مخيلة المتلقي بتأويل المحذوف في القصة ، لأن النص آلة كسولة يجب أن تستعيد نشاطها بفعل القارئ “ يقول امبرتو إيكو.
على سبيل الختام
ومجمل القول ، " حرقة " ، مرآة انعكس عليها نوع من الصفاء الجمالي للفعل القصصي ، جمالية غير منسفة للحكاية ، باستدعائها لموضوعة الهجرة السرية بما هي ظاهرة اجتماعية ، شغلت الكثير من النصوص الروائية والقصصية ، وباستثمارها لتقنية الحلم ، عبر تسريع السرد وتخليق لغة شعرية من رحم هذا السرد .
بقلم: عبدالله المتقي (المغرب)

 

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115