في رفوف مكتبتي (1) رواية «صبا على درجة RÉ» لعمار الجماعي (الخال) أوهام الفحولة وجراحات الذات

هذا الركن غير منتظم في دوريته وفي مواضبته

وهو ركن لا ينخرط البتة في أي شكل من أشكال النقد الأدبي أو الفكري. فالنقد اختصاص وأدوات تحليل ومفاهيم ومناهج ونظريات.. وهذه كلها عناصر غائبة في هذا الركن..
هنا نثمن فقط بعض ما ينتجه التونسيات والتونسيون - مع الانفتاح الضروري مغاربيا وعربيا ودوليا - في مختلف الأجناس والأغراض ولكن دون ادعاء الشمول والاحاطة، فالركن يخضع فقط لمزاج صاحبه ولما يعتقد أنه دال على معنى من معاني الحياة، فالكتاب إن لم يكن حياة فهو كمّ من الأوراق فقط.
صدرت للشاعر والروائي عمار الجماعي (الخال) رواية جديدة اختار لها عنوانا رومنسيا لا يخلو من حزن «صبا على درجة RÉ» عن دار «ورقة» للنشر والتوزيع وقد فازت هذه الرواية بجائزة توفيق بكار للرواية العربية لسنة 2025..
توهم الصفحات الأولى قارئها بأننا إزاء مخيال ذكوري يجد في الصحراء متاريس له، اذ يقول الراوي - الشاعر وأستاذ العربية - منذ الأسطر الأولى متحدثا عن الجنوب ونخله ونسائه ورجاله «ندلل النخل كما ندلل نساءنا.. ونحب نساءنا كما نحب النخل.. ونكره التهجين في النخل والخيل.. ونعشق الخيل ونضرب بها الأمثال فنقول «امرأة باهرة كفرس قايد» ثم يضيف بعد ذلك بأسطر قليلة «ولأننا قبائل محاربة وأخرى مرابطة نميل دائما الى صاحب الحق ولو كان في قلة من الرجال.. والرجل عندنا يموت مبتسما ولا يطمع في الدنيا.. لهذا راهنا ولا نزال على الأحصنة الخاسرة في السياسة، الرابحة في الحق..» (ص 5) إننا، فيما يبدو، أمام شهامة الفرسان في عالم الرجال.. عالم تكون فيه المرأة نخلة أو فرسا.. وفي كل الحالات موضوعا لا ذاتا مستقلة على مخيال «الفارس»..
ولكن الروائي ماكر ومكره - كمكر العقل عند هيغل - لا يظهر إلا في النهاية ولكنه رغم ذلك دسّ لنا منذ الصفحة الأولى جملة قد لا نفهم كل أبعادها إلا متى نرفع الحجب عن عذابات وجراحات وهشاشات الذات..
يقول الشاعر الراوي عن أحد شخوص القصة منذ الصفحة الأولى «وكان «عمي الهادي» في كل هذا نخلتنا التي نستظل بها».. فالمرأة كالنخلة و«عمي الهادي» عازف الناي نخلة أيضا.. فمخيال الفحولة مضطرب منذ البداية والموضوع ليس بمفارق للذات.. فالمحارب نخلة، والنخلة حكمة وحماية للموسيقى وللشعر.. فهي الذاكرة وهي الألم..
أبطال الرواية في نصفها الأول رجال ثلاثة من أجيال مختلفة: «عمي الهادي» عازف الناي وبها يفجرّ الأحزان ويبحر في أعماق الذاكرة، والراوي الشاعر المثقف الكهل وسعد الشاب الذي ورث عن أبيه فرسا وحلمه الوحيد أن يصبح فارس الفرسان وأن يفوز بسباق المهرجان أملا في أن تتغير حياته بهذه الجائزة «القيمة».
أضحى حلم سعيد هو جوهر علاقة الأصدقاء، الثلاثة بل تحوّل إلى حلم جماعي.. إلى نوع من الترياق على جراحات قديمة يراد لها أن تنسى.. فلا تنسى..
ما كان بإمكان مجالس الشاي تحت النخلة أن تبق على ما هي عليه.. مسامرة موسيقية وشعرية وإعداد واستعداد للمسابقة الكبرى في الفروسية.. تدريجيا تسربت لها الذكريات من خلال تشققات الذات..
هنالك ألم عميق يحتفر في قلب «عمي الهادي» يعود إلى قصة عشق مع فتاة بريطانية كريستين.. عشق أنجب طفلا لم يعرف أباه ولم تتوطن في أحشائه العروبة ولا علم بأحلام وآراء ومواقف هذا الذي سحرت به أمه ذات مرة على رمال تونس فانخرط في الجيش البريطاني وكان من جملة الجنود الذين ذهبوا لاحتلال العراق مع الأمريكان.. ولم يفق الأب إلا على نبإ مصرعه مفجرا داخله الألم والذنب والسخرية القاتلة للأقدار..
يوم انتصر سعيد في السباق انهارت كل الأوهام والأحلام فالجائزة «المعتبرة» كانت.. مائة وخمسون دينارا جائزة قتلت الحلم إلى الأبد كما قتل ريكاردو نجل «عم الهادي» في رمال العراق وكما احترق قلب الشاعر الأستاذ العاشق للمتنبي بعشق جارف لأمازيغية ذهبت بعقله وروحه..
لقد صادته تازاري واختارته فوجد الشاعر نفسه فريسة لحب احترق به فتازاري امرأة حرة ورسامة ولا تقبل أن تكون فرسا أو نخلة لأحد..

إنها رواية حلم وحب وعشق وألم وجراح.. إنها رواية عن زمن غائب حاضر وعن أوهام فقدت رصيدها في واقع الألم وفي تقاذفات الحياة..
رواية يأخذ أسلوبها الأخاذ الساحر إلى أعماق الفشل.. إلى حزن كئيب لا تستنفذه حبّات الرمل وعظمة الصحراء..
«صبا على درجة RÉ» رواية تقص كل تناقضاتنا وتروي خيبة أحلامنا وأوهام فحولتنا أمام واقع هزائمنا..
إنها عودة إلى الذات.. إنها عودة على الذات

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115