كما تعكسها التقارير والتحليلات العسكرية والسياسية المنشورة في صحيفة هآرتس عن تحوّل ملحوظ في طريقة تفكير المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية مع دخول الحرب مع إيران مرحلة أكثر تعقيداً. فبعد أسابيع من القتال، لم تعد الأهداف التي رفعت في بداية الحرب تبدو قابلة للتحقق بالسهولة التي صوّرتها الخطابات الرسمية في الأيام الأولى.
في بداية المواجهة، ساد في "إسرائيل" تصور طموح بأن الضربات العسكرية قد تفتح الباب أمام تغيير النظام في إيران، أو على الأقل زعزعة استقراره عبر ضرب الأجهزة الامنية، وعلى رأسها قوات الباسيج. غير أن التقديرات التي تتبلور الآن داخل المؤسسة الأمنية تشير إلى أن هذا الرهان لم يتحقق. فعلى الرغم من الضربات الواسعة التي استهدفت مؤسسات أمنية وعسكرية، ما زال النظام في طهران يحافظ على تماسكه، كما لم تظهر مؤشرات على اندلاع احتجاجات واسعة يمكن أن تهدد استقراره.
في ضوء ذلك، بدأت إسرائيل إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية. فبدلاً من التركيز على استهداف أجهزة القمع الداخلية حسب وجهة النظر الاسرائيلية، انتقل الاهتمام إلى ضرب البنية التحتية العسكرية والصناعات الدفاعية المرتبطة بإنتاج السلاح. ويُنظر إلى هذه الأهداف باعتبارها الوسيلة الأكثر فاعلية لإبطاء عملية إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية في المدى المتوسط والبعيد. وبكلمات أخرى، برأيي، تتحول الاستراتيجية الإسرائيلية تدريجياً من محاولة إحداث صدمة سياسية داخل إيران إلى إدارة حرب استنزاف طويلة تهدف إلى تقويض القوة العسكرية الإيرانية.
غير أن هذا التحول العسكري يتقاطع مع تطور سياسي لا يقل أهمية. فداخل الحكومة الإسرائيلية تتزايد التقديرات بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يتجه في نهاية المطاف نحو التوصل إلى اتفاق مع إيران. هذه الفرضية، التي لم تكن مطروحة بقوة في بداية الحرب، بدأت تؤثر بوضوح في الخطاب الإسرائيلي. فالأهداف الكبرى التي رفعت في الأيام الأولى، مثل تغيير النظام أو القضاء الكامل على برنامج الصواريخ الباليستية، تراجعت تدريجياً من الخطاب الرسمي، لتحل محلها لغة أكثر تواضعاً تركز أساساً على قضية اليورانيوم المخصب.
لكن ما يزيد المشهد تعقيداً هو التناقض الواضح في تصريحات ترامب. فمن جهة، يواصل الرئيس الأميركي إطلاق تصريحات حادة وتهديدات متكررة ضد إيران، ومن جهة أخرى تتزايد المؤشرات على أنه يبحث عن مخرج سياسي يتيح إنهاء الحرب عبر اتفاق. هذا التذبذب في المواقف يخلق حالة من الضبابية داخل إسرائيل، حيث يعترف بعض المسؤولين بأن أحداً لم يعد يعرف على وجه الدقة ما الذي يعتزم ترامب فعله في النهاية.
هذا الغموض يثير قلقاً متزايداً لدى رئيس مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، الذي كان ينظر إلى الحرب بوصفها ورقته السياسية الرابحة قبل الانتخابات المقبلة. فنتنياهو نجح بالفعل في دفع الولايات المتحدة إلى الانخراط في المواجهة، وهو ما يُعد في نظر بعض المراقبين إنجازه الأبرز في هذه الحرب. لكن برأيي، إذا انتهت المواجهة باتفاق قريب من التفاهمات التي كانت مطروحة قبل اندلاع الحرب، فإن ذلك قد يطرح سؤالاً محرجاً: ماذا تغير فعلاً بعد كل هذا التصعيد؟
برأيي، هنا تكمن المعضلة الأساسية. فإذا كانت شروط الاتفاق المحتمل ستبقى قريبة من الصيغة التي كانت مطروحة قبل الحرب، وربما في حدود شبيهة بـ الاتفاق النووي الإيراني 2015، فإن الحرب قد تبدو في نظر كثيرين مجرد جولة تصعيد انتهت بالعودة إلى نقطة البداية. وقد يسمح تقديم تنازلات محدودة في ملف اليورانيوم أو قبول رقابة دولية مشددة لكل من الولايات المتحدة والامريكية وإسرائيل بتسويق الاتفاق بوصفه إنجازاً، لكن ذلك لن يبدد بالكامل التساؤلات حول جدوى الحرب نفسها.
وفي الوقت نفسه، تشير بعض التقييمات الإسرائيلية إلى أن المواجهة لم تُحسّن بالضرورة الموقع الاستراتيجي لإسرائيل كما كان متوقعاً. فإلى جانب عدم تحقق الأهداف المعلنة، أعادت الحرب فتح ملفات إقليمية معقدة، وعلى رأسها الجبهة الشمالية مع حزب الله، كما أثارت نقاشاً داخلياً حول مدى دقة التقديرات السابقة التي تحدثت عن إضعاف خصوم إسرائيل في المنطقة.
تعكس هذه النقاشات داخل "إسرائيل" مرحلة من إعادة التقييم الهادئة لأهداف الحرب ونتائجها. فبينما تتجه العمليات العسكرية نحو نمط من الاستنزاف طويل الأمد، تتزايد في الوقت نفسه التقديرات بأن نهاية الحرب قد تأتي عبر تسوية سياسية تقودها الولايات المتحدة. والسؤال الذي يلوح في الأفق الآن ليس فقط متى ستنتهي الحرب، بل أيضا: هل ستنتهي باتفاق مختلف فعلا عمّا كان مطروحاً قبل أن تبدأ؟
بقلم: مصطفى إبراهيم كاتب وحقوقي فلسطيني
''إسرائيل''.. من زعزعة النظام إلى حرب استنزاف وترقب الاتفاق الأمريكي-الإيراني
- بقلم المغرب
- 15:19 27/03/2026
- 37 عدد المشاهدات
تكشف النقاشات الجارية في "إسرائيل"