شكرًا بن قردان ...

لنكُنْ في مستوى بن قردان وتضحياتها وشهامتها وبسالتها. الهجوم غير المسبوق الذي استهدف بلادنا أحدث صدمة صاعقة لا مَحَالة، وخلَّفَ آلاما ولوعة لفقدان خيرة من الشهداء من بين جنودنا وعناصر قوات أمننا البواسل، ومن مواطنينا الشجعان ببن قردان. هذه المدينة بعثت لنا كذلك

ونحن على مشارف ربيع جديد، برسالتين نستشفُّ منهما أملا، ونلتمس شعاع نور بعد فترة من التَّجَهُّم والتشاؤم.

• الدرسُ الأوَّل - وهو الأهم - جاء ليؤكد لنا مجدَّدا مدى عُمْق الروابط التي تشد التونسيين جميعهم إلى وطنهم، وإلى مصيرهم الواحد، وإلى تونس الغالية العزيزة. التونسيون على َبكْرةِ أبيهم من الشمال إلى الجنوب، من الشرق إلى الغرب... بالرغم من محاولات البعضِ الرامية إلى زرع بذور التفرقة بيننا وجرِّنا إلى التشكيك في انتمائنا الطبيعي والراسخ إلى هذا البلد «تونس». تُرى! كم تمنَّى الارهابيون أن يَضْعُفَ هذا التعلّق، وأن يَلين، وأن تطفُوَ على السطح انقسامات موهومةٌ طالما عشَّشَتْ في ظلماء مخيَّلتِهِمْ... الدرس كان قاسيا بالنسبة إليهم، لكنه أثلج صدرنا ونزل علينا نحن ماءً زلالا مباركا.

• الدرس الثاني هو أن الدولة التونسية لاتزال واقفة على قدميها. وعلى قُدرة تامة على لمًّ الشّمل، والذَّوْدِ على البلد، والدِّفاع عن السيادة وعن الشعب. لقد استطاعت الدولة القوية بجيشها وبقوّاتها الأمنية وبمواطنيها المًلْتفِّين حوْلها، أن ترٍدَّ الصَّاعَ صاعين، وأن تكسر أسنان أولئك الذين ظنُّوا أنَّها من الضعف والهَوَنِ بحيث لا تَقْوَى على ردًّ الفعل والدّخول في المواجهة، وأن تقسم ظهرهم وتُمْنيهمْ بهزيمة نكراء.

الدرسان هما نتاجٌ وتجَلٍّ لظاهرة راسخة وجوهريّة وإنسانيّةٍ إلى أبعد الحدود، ظاهرة تونسيّة صِرْفة بالأساس، تكْشف عن حبٍّ عميق للوطن، حُبٍّ فِطريٍّ مَكينٍ ينبع من الجوارح ومن عمق أعماق الذات. إنّها ظاهرة تكشف عن حال من التَّأهُّب الذاتي للتضحية لا يُشْبِهُهُ حالٌ آخر، وعن شهامة لا حُدودَ لها وعن شجاعة لا متناهية. الطريق السّالكُ هو ذلك الذي دلَّ عليه بشكل رائع جنودُنا الأشاوس، ودلَّتْ عليه قُوَّاتُنا الأمنية والديوانية، ورسمته أمَّهاتُ وآباء الشهداء وكُلُّ مواطني بن قردان نساء ورجالا. لقد أعطوْنا درسا بليغا في الوطنية وفي الشّجاعة والعطاء ما سيظلُّ راسخا في أذهاننا إلى الأبد، وهو ما أثلج صدرنا، وما كان له أعمق الأثر في نفوسنا وكان مبعث فخرِنا وما أشعل فينا جذوَةَ الأمل مجدَّدا.

السؤال المطروح علينا اليوم هو التالي: «هل بوِسْعِنا كمواطنين عاديّين، كمسؤولين سياسيّين، كنُخَبٍ .. ك.. ك.. أن نكون في مستوى ما هيأوه لنا من طريق، وما رسموه من مَعالمَ لمستقبل مشترك؟ هل بوِسعنا أن نلتقط هذه اللحظة التاريخية حتى نُغيِّرَ من وضع يُخْشى فيه من ضعْفِ بعض النفوس فيسلًّمها ذلك إلى اليأس والقنوط، ويدْفعها إلى حال من التشاؤم ويقْعًدها عن الحركة؟ هل بوِسْعِنا أن نحَوِّلَ «الأزمة» إلى «فرصة سانحة»؟ هل هي بحقٍّ الصدمة الكهربائية التي نحن اليوم في أمسًّ الحاجةِ إليها حتّى نفيق من حالة الذهول التي تستبدُّ بِنَا؟

حريٌّ برجال وبنساء السياسة في البلد أن يدفعهم معنى التضحية والفضل والمروءة إلى الإقرار بأننا نعيش أزمةً سياسية حادة، وعلينا أن نضاعف الجهد حتى نتجاوزَها. تونس في حاجة إلى صدمة كهربائية، ما في ذلك شك. لقد بلغ النظامُ الَّذِي تمَّ تركيزُه منذ انتخابات نهاية 2014 كلَّ مداهُ، وأصبح أعجزَ من أن يقدر على مواجهة التحديات المستَجَدَّة. فلا بُدَّ من إعادة النظر فيه وإصلاحه حتى يُصْبِحَ في تلاؤمٍ مع أوضاع بلد في حالة حرب ستكون طويلة مضنية، لكنها حرب بمقدورنا تماما أن نكسبها، بل قُلْ أن ليس لنا من قدر آخرَ غير كسبها والانتصار فيها... علينا أن نُهَيِّئ السبيل إلى أجواء سياسية اكثر استقرارا، ويمكن أن تدفع بالبلد على طريق التقدّم في تسوية المشاكل الأمنيّة والاقتصاديّة والاجتماعية... مسؤوليّة من بيده الشأن السياسي أن يغتنم اللحظة التاريخية وأن يعَمل على الارتقاء إلى مستوى ما قدّمته قوّاتنا المسلحة وقوّات الأمن وما قدمه شهداؤنا الأبرار وأُسَرُ شهدائنا ومواطنونا في بن قردان من تضحيات وما أبدوه من شهامة وبسالة.

هذا الهدف الذي يحدونا يبقى في تباين مع أوضاعنا الراهنة وما يشوبها من هِنات وإخلالات بيِّنةٍ على مستوى سير الهياكل السياسية؛ هذه الهِنّات والاخلالات قد وقفنا عليها في مناسبات عديدة سواء على مستوى كلٍّ مؤسسة من مؤسساتنا ، أو من خلال تفاعلها على مستوى الاختيارات والقرارات وتنفيذها، أو على مستوى الاتّصال. هي اختلالات تعكس طغيان الحسابات السياسيوية والشخصية على المصلحة العامة، وهي ظاهرة بادية تماما للعيان ومتواصلة؛ وما علينا من باب الشجاعة السّياسيّة إلا الاعتراف بوجودها والمبادرة إلى تصحيحها أكان ذلك في المجال الأمني أم في المجال الاقتصادي والاجتماعي. نحن في حاجة إلى مزيد من الوضوح في الاختيارات، وإلى نجاعة في التنفيذ، وإلى تنظيم يتناسب مع حال من الحرب والتعبئة العامة. ونلاحظ على سبيل المثال أننا لا نزال نفتقـر على المستوى الأمني

إلى هيئة أركان تكون الرأس المُدَبًّرِ في مجال التخطيط والتنسيق وتقييم جهود الحرب ضدّ الارهاب. هذه أوْلَوِيَّة وضرورة.

بالنسبة إلى رؤساء المنشآت ورجال الأعمال ونساء الأعمال، فإن ذلك يعني أن نبدِيَ اليوم مزيدا من الشجاعة، وأن لا نخْلُدَ إلى حال من الترقب الذي يقْعِدَنا عن العمل، وأن نبادر إلى الفعل، رغم الصعوبات والشكوك، وذلك بدفع الاستثمار .علينا أن نمْضِيَ قُدُما في البحث عن الأسواق واقتحامها وإتاحة مزيد من فُرص العمل. فمثلُ هذا المسعى إنما هو جزء من الحرب على الارهاب، وهي حرب اقتصادية واجتماعية كذلك.

بالنسبة إلى الأجراء والعمال، فإن ذلك يعني أن نتحلَّى بمزيد من نكران الذات، ومزيد من السخاء والتضحيات، فنقوم بواجبنا على أفضل وجه وبأكثر مما يجب، وأن ننفض عن أنفسنا غبار التلكؤ واللامبالاة، وأن نكون على حرص على مضاعفة إنتاجية العمل، وأن نَهُبَّ إلى صوْنِ مكتسباتنا... الخطر الذي يتربص بالبلد ليس مأتاه الاٍرهاب وحده؛ فهنالك خطر الأزمة الاقتصادية والمالية أيضا، ولا إمكانية لنا لتجنبه إلا سبيل العمل والعمل والعمل، ومزيد من رفع جودة العمل حتى نقوَى على دفع الاقتصاد ونؤمّنَ استقرار البلد وهو سلاحنا في مقاومة الاٍرهاب.

بالنسبة إلينا جميعا كمواطنين، نحن في حرب ضد الاٍرهاب نعاني من آثارها المدمِّرة في قطاعات حيوية مثل السياحة والنقل أو الصناعات التقليدية. لكننا نعاني أيضا من آثار التّوتّرات الاجتماعية التي كثيرا ما تُخَلِّفُ حالا من الارتباك والفوضى، وقد تسببت في انهيار بعض القطاعات مثل الفسفاط والنفط، كما نعاني من آثار المطالَب والضغوط الصادرة عن جهات مختلفة طمعا في نيل امتيازات تجود بها الدولة، وهو ما أثقل كاهل الميزانية وفاقم الدَّيْنَ العمومي بشكل خطير. ونحن أبعدَ ما يَكُونُ عمَّا يستوجبه الظرف وتقتضيه المرحلة من تضحيات جسام ومن عطاء لإنقاذ البلد. وعلينا أن نُوقِفَ هذه النزعة الأنانية المفرطة التي تدفع كُلَّ واحد مناّ، وكُلَّ فئة اجتماعية دفعا إلى الشَّدِّ بقُوَّة على الحبل حتى يبقيه طوعه وحده ... على الجميع أن يساهم وأن يقدم التضحيات كلٌّ حسب إمكانياته، لكن بروح من الوطنية ونكران الذات. علينا جميعا أن نُعَدِّلَ من سلوكنا من هذا المنظور، وأن نوقف هذا السباق المحموم إلى هدم ما بنيناه وما شيدناه على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والمالي.

بالنسبة إلينا جميعا تونسيين وتونسيات، علينا أن نُغَيِّرَ من سلوكنا اليومي، وذلك بالالتزام بواجب التضحية والبذل وذلك باحترام القوانين والملك العام وقواعد العيش المشترك.
على الشعب بأكمله واجب إكرام من هبُّوا للدفاع عنه في استبسال وعُلُوِّ هِمَّةٍ وذلك بالارتقاء إلى مستوى ما أنجزوه وما سيُدْعَوْن إلى إنجازه مستقبلا ولا خيار لنا سوى ان نكون اوفياء لهم.
لقد قطعنا على أنفسنا عهدا، وسنبقى على عهدنا أوفياء.

مصطفى كمال النابلي (ترجمة يوسف قدية)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا