شعرية المكان في " الأرض الموبوءة " للمغربي مخلص الصغير

" الأرض الموبوءة " هو اسم الديوان الشعري للمغربي

مخلص الصغير، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في حلة أنيقة ، يتضمن 20قصيدة، على امتداد 159صفحة من القطع المتوسط، ونظرة سريعة على قصائدهذه المدونة الشعرية ، يثير الانتباه حضور المكان بدءا من تسيد “ الأرض” عتبة العنوان مكانا فسيحا، مفتوحا وموبوءا ، وانتهاء بالعناوين الداخلية التي جاءت كالتالي : ( لا شيء في الأرض ، إلى أين ؟ الطريق الى قرطبة ، تطوان ، هنا مرتيل ، بكائية على قبر وردة الجزائرية، الوادي الكبير ، جامع الربطة ) .

وتبعا لما سبق ، تبغي هذه القراءة في ديوان " الأرض الموبوءة"، الكشف عن دلالات المكان، ورصد الأبعاد الجمالية والإنسانية والنفسية التي تشكل ظاهرة شعرية لها مستوياتها التأثيرية، والجمالية الخاصة في الخطاب الشعري للشاعر مخلص الصغير.
ولا ريب ، أن المكان حظي باهتمام بالغ في الدرس الأدبي ، لأنه عنصر أساسي في البناء الشعري ، فهو وثيق الصلة بالشعرية القديمة والحديثة ، إذ لا يكاد الشعر يخلو ديوان شعري من ذكر المكان ، وما يرتبط به جغرافيًّا أو معماريًّا أو تاريخيًّا. والعلاقة ببينهما وثيقة، وكل شعر يغيب فيه المكان، هو شعر دون خصوصية .
ومن الأماكن التي تفاعل معها الشاعر الحديث، حسب حالته النفسية وأسباب النزول ، والمتعارف عليها طوبوغرافيا، هي أمكنة تاريخية وجغرافية مثل “ المدن ، والشوارع.. “ ،وأمكنة إنسانية عامة من قبيل :” الغرفة ، النافذة ، القطار..” ، وأمكنة طبيعية :” الأرض ، النهر ، الحقل ، السماء ...”، ثم المكان الورقي الذي يسكب الشاعر حبره وبحره في حدود أسطره.
وإذا عدنا إلى الأمكنة في ديوان “ الأرض الموبوءة” ، فإننا نجدها تنقسم إلى أمكنة تاريخية واقعية ومعروفة :” تطوان ، طنجة ، مارتيل ، قرطبة ، اشبيلية ..” ،وأمكنة كوسمولوجية :” الوادي ، الجبل ، الأرض ، الضفة ..”وتتنوع العلاقة معها فهي التاريخ والأسطورة ، والحيز الديني والطبيعة الفاتنة ، مع التصورات والأحداث والشخصيات المصاحبة .
نقرأ من قصيدة " المغربي ":
" أنا المغربي المتوسطي
ولدت في أحضان نوميديا
على ضفاف تامودا
بين ضفائر طنجة
وأسوار سبتة
بن ثغر غرغيز
وعيون درسة
التاريخ الموغل في القدامة ، الأسطورة ،
تحديدا هنا في تطوان " ص 7
تطوان ليست هنا مجرد خلفية جغرافية ، بقدر ماهي ذاكرة مكان "نوميديا تحيل على المملكة الامازيغية"، و" تامودا على المدينة القديمة أسسها الملك الأمازيغي باكا قبل الميلاد" ، وهي اسطورة " غرغيز حاكم تطوان الذي تفطن إلى خيانة زوجته “درسة”، فأمر بقتلها ودفنها في الجبل الذي حملاسمها" ..
.ويمكن الإشارة إلى أن هذا التنوع في الرؤية إلى تطوان ، يمثل مكانا مفتوحا بالنسبة إلى الذات الشاعرة ، ويحيل على الهوية التاريخية المغربية الموغلة في القدامة ، ومن خلال هذه الرؤى الشعرية يتشكل لدى المتلقي انطباع أن تطوان ذاكرة تاريخية وزمانية ، ومكان رحمي للذات الشاعرة وما تمثله بالنسبة إليها من معاني الهوية والأصالة ، ونوعا من تثبيت الماضي والإمساك به.
وركنت قصيدة " تطوان " إلى الإرث المكاني التاريخي،الذي تجسده أبواب المدينة ذوات التاريخ الزمني الطويل " باب العقلة ،باب الرواح ،باب التوت ، باب النوادر ،باب الرموز ، باب الصعيدة ، الباب السفلي ، باب المقابر " شاهدة على الكثير من الأحداث والتغيرات ، ومن تم الوقوف على ما بقي من آثار المكان ، ومشاهده الآنية :
"عند مدخل المدينة
فتاتان تفتحان الباب للشمس
كل صباح
اليهودية تلوي يسارا
جهة الملاح
والمسلمة
تصعد الساقيه
والاثنتان معا
تلتقيان وتفتكان بعيني
في باب الرواح " ص 89
يستدعي الشاعرفي هذا المقطع ، أبواب باعتبارها ذوات التاريخ الزمني الطويل ، ليعيد صياغتها في رؤية فنية جديدة ،عبر صورتين : الأولى صورة واقعية مشاهدة تحيل إلى المكان المعيش والمحفور في الذاكرة “ الملاح ، باب الرواح “، وأخرى متخيلة تتفاعل مع الفتاتين اليهودية والمسلمة ، بوصفها جانبا خالدا من تعايش الأديان منذ الزمن القديم .
أما في قصيدة " الطريق إلى قرطبة " ، فتدخلنا الذات الشاعرة إلى العلاقة المشتركة بين المغرب والأندلس ، فهما عدوتين لدولة واحدة في عهد المرابطين والموحدين ، حيث انتقال الكثير من العائلات من المغرب إلى الأندلس ، وعديد من المدن مازالت تحتفظ بالتراث الأندلسي في ثقافتها مثل تطوان :
" في الطريق القديم
إلى قرطبة
أقتفي خطوات أبي المتعبة
باحثا عن ظلال لمنزلنا
بين أنقاض أندلس متربة
لا يزال معي الآن مفتاحه
بينما بابه
في الثرى
غائبة " ص83
هنا الحنين الأول لقرطبة التي تربط الراوي الشعري بماضيها الوثيق ، يأتيها قادما من الشمال، مقتفيا خطوات أبيه المتعبة لأن فيها موطنه ، وتكتسب صفات التاريخ المشترك حتى ، ويتعزز هذا من خلال " المفتاح الذي ما يزال مع الذات الشاعرة "، لتبدو " قرطبة" موضوعا للحنين ، تنسج علاقتها التاريخية مع الراوي الشعري ، واختزالا للحظة تاريخية موشومة في تلافيف الذاكرة.
ولعل هذا الهوس بالجغرافية الباقية من الماضي في الآثار المعمارية ، تتجلى في " جامع الربطة " الذي شيدته فتاة تطوانية تعويضا ، وتخفيفا عن خطيبها الذي لم يعد يعد من الحج ، ليكون الجامع مكانا مقدسا يعبق برائحة الدين والحب : ومكانا عاطفيا يعني التعويض والتخفيف من ألم الففقد :
“مسجدا للعشق
باركه الرسول
وقد دقت لربطتها القلوب" ص137
وما يمكن أن نخلص إليه من كل هذا أن المكان - جامع الربطة ، مكانا عاطفيا ولد إشباعا لحاجة نفسية ، تعمل على حفظ التوازن منفذا للاتصال الرمزي مع الفقيد ، ومن هذا المنطلق ياكون تشييد الجامع دعما للأنا للتغلب على ألم الغياب :
" تمنت ليت فارسها يعود
تتوجه
وتحمله الخيول
تعد شوارها عاما فعام
ولكن الفراق
مضى يطول " ص 136
وفي مقابل الأمكنة المفتوحة في نصوص المدونة ، نقرأ أمكنة المنغلقة تراوحت من الحميمي إلى ا الخانق والمعادي ،نقرأ من قصيدة " ريان " الطفل المغربي الذي سقط في بئر ضيقة ليخرج ميتا:
" في البئر
أم في دموع الناس8
قد غرقا
فعاش منتظرا
ومات مختفيا " ص 37
في هذا المقطع الشعري ، تنهض الصورة في بنائها على الدوال الشعرية المتمثلة عمليا في “ ريان، البئر ، دموع الناس، الموت “ ، وبإعادة الدوال إلى سياقها المرجعي ينصرف الذهن مباشرة إلى ، وإلى إحساسه بالانقطاع ، وأي شعور بالألفة بينه وبين المكان المغلق - البئر ، مما يحيل إلى دلالات الضيق والضجر والتعذيب ذلك أن " الاغلاق في مكان واحد يجعل الشخصية تعيش لحظات العجز وعدم القدرة على الفعل والتفاعل مع المحيط الخارجي " ، مع التركيز على إلماحة داعمة للتآزر تكمن في جوف عبارة “ دموع الناس “ ، لأن الحادثة أثارت تعاطفا وطنيا وعالميا .
حسن نجمي ، شعرية الفضاء المتخيل والهوية في الرواية العربية ، ص 202
في قصيدته “ الوادي الكبير” تصوير تشكيل وصفي بادخ ، وبأعلى قدرة بصرية رائية هائلة للوادي:
“ هو في الليل نهار
عند النهار فضة
ولدى المساء ذهب” ص 129

هكذا يبدو الوادي للوهلة الأولى لوحة تشكيلية ، التقطها الشاعر بعينين ذكيتين ، لكنها ريثما تكرسه مكانا متوهجا بالتاريخ ، ورؤية شعرية نابعة من ذاكرة الماء الموغلة في الماضي :
.” هذا هو الوادي الكبير
يجري على خد إشبيلية
يبكي على ما قد مضى “ ص 127
بل يغدو ذاكرة مكانية زمانية تندمج مع التجربة التاريخية والسياسية والاجتماعية :
“ في الساحة الخضراء
تمثال إفانتي ينسج راية الفردوس
وفق النهر بين الضفتين
خضراء وبيضاء وخضراء مرتين” ص130
وإنا نعتقد أن استدعاء “ مخلص الصغير “ للشخصية التاريخية الأندلسية ، المفكر الإصلاحي “إنفانتي” الذي دعا إلى اندماج المغرب واسبانيا ، تشير إلى الدلالات الحالمة و الحضارية، وارتباطها بقضية الهوية الفردية المندمجة في الهوية الجماعية ,
وعليه ، يبدو الحضور الفني للوادي ،وانفتاحه على الواقع التاريخي ، مدخلا مهما للتعرف على الهويته والموروث الحضاري المادي والرمزي في آن معا ، لأن الشاعر ليس مهندسا معماريا ، بل قناصا ومشروعا شعريا نحو يبلغ مساحة الرؤيا ، على يعزز فرادته .
ومجمل القول ، " الأرض الموبوءة " للشاعر مخلص الصغير ، مدونة شعرية تنضاف بغلافها الرشيق ، وقصائدها التي تحتفي بالمكان ، وتلتقطه بعينين ذكيتين أرشيفا تاريخيا ، وذاكرة تأبى المحو والانطفاء ، وبشعرية تفتح شهية المتلقي لمشاركة الشاعر هذه الذاكرة المكانية الإنسانية والوطنية.
بقلم: عبد الله المتقي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115