شعرية الانزياح في قصص "تلقي بالشتاء عاليا" لإستبرق أحمد

إنّ القاصة استبرق أحمد هي إعلامية قصصية مجتهدة

واسم حركي في المشهد الثقافي , الكويتي ، حائزة على جائزة الكاتبة ليلى العثمان في دورتها الأولى ، من مجاميعها القصصية " عتمة الضوء " و"تلقي بالشتاء عاليا ..." ، هذا بالإضافة إلى كتاب مشترك " باسم"امنحني 9 كلمات. " .

والمقبل على قراءة نصوص هذه القاصة المختلفة ، يلاحظ أنها تشتمل على إشارات ومؤشرات نصية ، تتكئ على أكوان تخييلية خصبة ، كما تشي بخرق ممنهج لأعراف وتقاليد الممارسة القصصية ، بمعنى أن الكتابة القصصية لدى استبرق أحمد هي بلاغة جديدة تنظر للقصة القصيرة ورشة مفتوحة دوما على الاشتغال والتجريب ، ,وتمردا وتذمرا من الأعراف والثوابت القصصية التي تنتج قصصا رتيبة.
بخصوص غلاف قصص " تلقي بالشتاء عاليا " تثير انتباه المتلقي جماليته التي نجح القاصة بتواطؤ مع القاصة و الشاعرة الفنانة التشكيلية سوزان عليوان في وضع أشراك بقصد تصيده وإمتاعه ، ذلك أن من شأن العنوان أن يثير لدى القارئ الحدس والفضول اللذين يفتحان شهيته للدخول إلى أغوار النص واقتحامها ، وهذا ما لجأت إلية القاصة استبرق لخلق الوظيفة الإغرائية لعنوانها كونها نوعا من الإشهار للنص وتصيدا للمتلقي .
فـ " تلقي بالشتاء عاليا " لم يأت جملة اسمية خاملة ، بل جاء جملة فعلية مكتظة بالحدث " تقلي" ، مما يشحن المعنى بالطاقة والحركة ، ثم جارا ومجرورا " بالشتاء " وما يحمله من تداعيات ترتبط برمزية "الشتاء " ، كالخير ، والحياة ، والخصوبة ، أما لفظة " عاليا" فصفة للشتاء ، والتي تحيل على العلو والارتفاع عن الأرض ، وفي سياق تصعيد مراودة العنوان ، يمكن للقارئ أن يفترض امتلاء القاصة بالأنا وهي تشتو حبرا لا يقبل سوى أراضي الكتابة عنادا ، لا سيما إذا ما كان القاص المغربي المرحوم سعيد الفاضلي يرى أن الكتابة كما لو "إرم ذات العناد ".
هي ذي الذات القاصة وقد اندمجت في صياغة العنوان عنادا بصريا ، تحتفي أيضا بالشتاء عبر أسماء تحيل إليه كما نقرأ في العناوين المركزية في المجموعة " تجمد ،رذاذ ، برودة ، برق ، رعشة ، صقيع ، بلل ، جليد ، مطر ، رجفة ، ريح .... "
بهذا المعنى سنكون أمام قصص تبعث الحياة في القصة ، كقصة من طبيعة أخرى ، تروم الانتهاك والتمرد والتذمر والعناد الجمالي عبر تقنية الانزياح عن القصصية المتداولة حد استفزاز القارئ، وتوريطه في القلق والانزعاج ، والمتعة .
في ضوء ما تقدم ، نتساءل :ما الانزياح ؟ ثم ما هي تجلياته في قصص" تلقي بالشتاء عاليا.." للقاصة الكويتية إستبرق أحمد ؟
يعني الانزياح في قواميس اللغة ومناجدها ، نزح الشيء، ينزح نزوحا :أي بُعد الشيء عن موقعه، ونزحنا عن الدار بعدنا عنها، ونزحنا عن هذا الحي أي بعدنا عنه وتخلينا عنه،أما اصطلاحا فيعني الانتهاك المعقلن والممنهج لقواعد الاستعمال اللغوي المتواضع عليه داخل عشيرة لغوية ما .
بناء على هذا التحديد ، تبتعد لغة إستبرق عن مطابقة الواقع باستخدام عبارات متعددة ومختلفة عن المألوف ، ووفق هذا السياق تتجاوز اللغة القصصية في نصوص "تلقي بالشتاء عاليا ..."، حدود المألوف باختراق القاصة للقواعد المألوفة في الكتابة وانتهاك المعاني العرفية والتقريرية ، بهدف إنتاج لغة ذات طابع منحرف حتى تكون أكثر إيحائية .
هذا الخرق والانحراف المتمرد على التقاليد القصصية ، يكاد يكون هو المهيمن ، ولعل هذا الحضور السلطوي للانتهاك والانزياح هو من فتح شهيتنا لمقاربة مظاهر ه في هذه المجموعة الصادرة عن دار الفارابي ببيروت ودار الفراشة للتوزيع والتشر بالكويت .
من مظاهر هذا الانزياح انتهاك القاصة لقدسية اللغة وانسجامها ، باعتماد دائرة التدمير واللعب في ممارستها النصية ، عبر تكسير التركيب اللغوي بمعطيات لسانية أجنبية، بطريقة تندغم فيها دلالة اللسانين في النص القصصي الواحد ، وهذا من شأنه الإجهاز على صفاء اللغة الرسمية التي تعلي من نقاء اللغة وطهارتها ، ومن نماذج هذا اللون من اللساني الذي ينتهك منطق الصفاء نقرأ :
"متنهدا ، اتجه لسفريات "New Place
أدخل ، أجلس ، أهمس للموظفة :
أريد المغادرة " ص35 ...
" أصل ، أوشوش بطلبنا الدائم ..
ONE CQFEE LQTER,ONE CQPQTCINO”
اهبط سلالم COSTA OFEE" الأفعوانية ، بأحداق مهترئة تتلقفني الكراسي ، المقاعد "ص36
يقدم هذان النموذجان ، نمطا انزياحيا من طبيعة لسانية ، ويتجلى في اندساس متواليات من لسان غير خاضع للنظام اللساني الذي كتبت وفقه النصوص ، بغرض خلق تعدد وفسيفساء لسانية داخل نسيجها ، كما يبرز الانزياح اللساني في المنافرة اللغوية التي تسم التراكيب ، إذ حدثت انكسارات في التوقع الأسلوبي داخل السياق كما انتهكت قواعد اللغة ونحويتها .
إن وعي القاصة باختلاف ممارستها النصية ،دفع بها إلى تشكيل نصها وفق منظور مغاير أصبح معها النص مرآة لسيرة كتابة النص ، وكذا انسجاما مع حالات المد والجزر التي تعيشها الذات أثناء إنتاج النص وولادته .
وينضاف إلى هذا الانتهاك اللساني تخلي قصص المجموعة عن تجانس النص القصصي من خلال تشظيته إلى مقاطع معنونة كما في قصتي " تهويمات الأحمر "ص21 ، و" خرائب الأيسر" ص 53 أو مقاطع معنونة ومرقمة كما قصة " هو _ هو " ص 15
و المثير للانتباه في هذه النماذج ، هو اشتراكها في خاصية الانزياح التركيبي وان بصيغ متفاوتة ، إذ عمدت القاصة إلى تدمير الربط بين المقاطع في الكثير من قصصها ، إذ لا مجال لحدثية مسترسلة ومتواصلة تشد الأنفاس ، وهذا التقطيع لا ينفي العلاقة القصصية بين المقاطع تلك الوحدة العضوية والباطنية للنص ، وذلك التجانس للتجربة النفسية للقاصة .
وضمن سياق تقوية المسرى ألانزياحي ، توظف الكاتبة ما يمكن تسميته بتقنية التجزيء وفق حروف متشظية، تحاكي الخارجي على شاكلة كلمة " هوت نظارته " ص31 المكتوبة بشكل مبعثر يوحي بارتطام النظارة بالأرض وتبعثرها ، لتتجاوز الحروف والكلمات فاعليتها الحكائية إلى فاعلية بصرية والتي من شأنها تدعيم الواقع النصي .
وفي النموذج التالي:
" استعادات الأغنية الإعلانية والصور المتعاقبة ... مدوخة
قفزة صرخة صرخة ميرانداااا وخلطة اللون الأخيرة في الشاشة ...تغيظك " 59
تختار القاصة نوعا آخر من الانزياح ، تستند فيه إلى تقنية الزيادة أو التلاعب بالأصوات ، وذلك بتمديد حرف المد " الألف" زمنيا ومكانيا ، زمنيا يإطالة التصويت مع المكون اللغوي "ميرانداااا" ، ومكانيا بتشغيله لمسافة فضائية تمططت بإضافة ثلاثة ألفان إلى الألف الأصلية ، دلالة على ارتفاع الصوت بكل أبعاده .
كما تعتمد القاصة تقنية الحذف التي تعني تشذيب بعض الحروف من اللفظة " اث...ثلاثة ..." ، كما تعتمد تقنية التجزيء والمقصود بها قطع أطراف الكلمة إلى قسمين " عش..رة ، ست ...’"41
وهذا التشكيل للكلمة ، من شأنه إزعاج القارئ بكتابة لم يألفها في قراءاته ، وهذا ما أضفى على التعبير لونا من ألوان الخرق والاستثناء المقلق ، ومن ثمة تأسيس لغة ذات حساسية قصصية جديدة التي تتساوق ونفسية القاصة والرسالة التي تود تبليغها للمتلقي
وختاما ، يمكن القول إن قصص " عاليا تلقي بالشتاء" ، قد نهلت من فنون شتى ، وخاصة السينما ، والفن المعماري والتشكيلي ، وانصهارها في النصوص القصصية ، مما أضفى جمالية خاصة على معمارية قصص المجموعة ، وشحن النص بمحمولات جمالية ورؤية مفتوحة ، أتاحت لها فسحة لإنتاج إبداع مختلف في المشهد القصصي الكويتي ، وكذا التأسيس بالتالي لكتابة سردية جديدة تنهض على التغيير التحول وتجريب مهارات جديدة ، وهذا من شأنه خلق حياة في النص ، وبث جمالية جديدة للتلقي .
بقلم: عبد الله المتقي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115