على تقدمها بخطى واثقة فوق أراضي المشهد الشعري السوري المعاصر، بدءا بباقتها الشعرية الأولى "لست سوى بعضي "، مرورا ب"ليس كل هذا الحريق "، و"الحرب خدعة بصرية "، انتهاء بديوانها "حرائق خضراء "الصادر ضمن منشورات دار سويد في طبعة أنيقة ، وتزين غلافه لوحة دالة للفنانة التشكيلية السورية فاطمة اسبر.
يشغل الديوان 128صفحة من القطع المتوسط ، وبنفس شعري واحد عمدت فيه الشاعرة إلى تقطيع شكلي عن طريق فقرات شعرية مرقمة وبدون عناوين ، ويمكن أن نقف على 77فقرة شعرية. ومن خلال هذه المقاطع وتبنينها الجمالي والدلالي ، تعبر الذات عن مختلف حالاتها الشعرية الحارقة ، الخضراء، والمتنوعة والمتمعنة .
والمتفحص دفة الغلاف الأول للديوان ، يثير انتباهه العنوان الذي رشحته الشاعرة ليسم الديوان ويسميه "حرائق خضراء "، ويلاحظ أنه جاء جملة اسمية يغيب عنها الفعل كبنية دالة على شرط الزمان ، وهو ما يجعل دلالة العنوان متجهة صوب الاستمرارية والانسياب .
وعليه ، نقف عند خرق ثاقب تقترحه الشاعرة ، ذلك أن صفة "خضراء "لا توافق الموصوف "حرائق "، مادامت الصفة لا تناسب الموصوف ، إذ لا يمكن للحرائق أن تكون ملونة بالأخضر، مادامت تحيل على الرماد والسواد .
وبذلك نكون أمام منافرة دلالية ، من شأنها توريط المتلقي إيجابيا لفك هذه الشفرة التي تتكسر أفق المتلقي وتواجهه في العتبة ، ومن ثم ، الانفتاح على كل القراءات المحتملة .
بدءا ، نشير إلى أن العنوان جاء مسكونا بهاجس الاختلاف والتجاوز، بدليل أن موضوع الحرائق ليس جديدا في المتن الشعري السوري والعربي ، إلا أن الشاعرة ارتأت أن تلطخه بجمالية الاخضرار وما يدل عليه هذا اللون من التفاؤل والتجديد المستمر والخير والسلام والحيوية ، بالإضافة إلى الحبّ، ، و حتى لا تجعل من هذه الحروق صنما ثابتا وواقعا ثابتا .بل لحظة متوهجة وولادة ثانية :
" مازلت
ولا ..
أولد مرتين ّ
وعليه ، تحفر الشاعرة في طبقات حرقتها ، لتولد منها حرائق ثانية ، وتقيم معها وشائج أخرى ، بغاية السمو بها ، والهروب بها إلى مراعي الحلم الفسيحة والخضراء ، وذلك هو "الوعي الثاقب بالشيء لا يصنع منه مثالا أو صنما ، إنما يحفز على المعرفة به، حتى يمكن تجاوزه "كما يذهب إلى ذلك الكاتب والشاعر جمال القصاص .
فما الجديد ، ترى ، الذي جاءت به هذه المدونة الشعرية "حرائق خضراء ؟ أو بالأحرى ، ما حرائقها الخضراء ، وبأية لغة وطريقة ؟
في حرائقها الخضراء تبتكر الذات لهيب الحب الذي يؤثث أغلبية من الفقرات الشعرية:
" لم أقع في الحب ..
هو الحب وقع بي
وحين صرته هجرني
لأستحيل شمسا
" كلما فاض بها الشغف
أنجبت قمرا
وعادت إلى هجيرها "
والواقع أن قارئ هذا الشاهد النصي ، يجده يتكون من ثلاث لحظات ، الأولى وقوع الحب بالشاعرة بدل وقوعها في الحب ، اللحظة الثانية يغلب عليها النكران والرحيل ، أما اللحظة الثالثة فيغلب الاحتراق شمسا وهجيرا ، ولأن الذات مسكونة بالبحث عن الأبهى والأجمل تخلق لحظتها المتوهجة المتمثلة وتنجب "قمرا "الذي يعني الاخضرار الاكبر .
وعلى هذا النحو يحضر الحب ، بل وتمضي الذات في ابتكار مراعيها الخضراء رغم أنف الحروق وغليانها :
" في الحب:
لاأحاول أن أحبك بطريقة مختلفة
أتعمد فقد ذاكرتي
ويتكفل الحب بالباقي "
هاهنا يحضر الامتلاء بالحب حتى فائض قيمته ، حيث الذات تبدو مسلوبة الذاكرة ، لينحصر دورها في الاستسلام للحب لتنفيذ الاوامر واكمال المعنى .
ومجمل القول ، تنفلت الشاعرة من المعنى التقليدي للحب ، والذي ييأخذ فيه الشاعر على الدوام الكلمة الشعرية في مقابل تعضية المرأة –من الاعضاء- فهي من تمسك بزمام المبادرة ، عنيدة ، ومبتكرة ، ومشاركة في الحب :
" أحبك حين تعتذر في اللحظة الأخيرة
فتمنحني انتظارا جديدا "
يضاف إلى هذه الموضوعة ، موضوعة ثانية ، وهي الوطن والماثل في الديوان :
" يا أيها الوطن
أبكني لو مرة
كم بكيتك مغرمة
أحضني الآن
فألثم جرحك وأرتق ما تبقى
من يقين ..."
نحن هنا ، في حضرة الوطن ، الوطن الذي يسكن الشاعرة و تعيشه بمسامها وجوارحها ، الوطن المخفور بسحب الحرب ، فهو المبتدأ والخبر ، ولا يسع الشاعرة غير العبور إلى غوره الدفين بقصد الحلول فيه ، ومن ثم ، وتحفيزه على تبادل تفاصيل الجراح والنزيف والبكاء ، فالهموم الصغيرة ، هي نفسها الهموم الكبيرة ، وكلاها نفس الهموم .
وفي جميع الأحوال الشعرية ، هناك دائما الوطن ملاذا ومعادا :
" يقول الجزء الصلب مني:
لا أحد يموت خارج أرضه
أردد :
لا أحد يموت خارج أرضه "
هذا المقطع الشعري ينطوي على انحياز موغل في المواطنة ، ولا يرضى بالموت إلا فوق ترب أراضي الوطن ، والمواطن العفيف الكريم ، من يموت في وطنه شريفا أو شهيدا ، وبذلك يتعزز الوطن ويكتمل بدقة وحصافة ، ويأتي أسلوب التكرار "لا أحد يموت خارج أرضه " ركيزة ، تتغيا الشاعرة من خلاله ثارة انتباه القارئ، وجعله يتفاعل مع النص .
ومن التيمات الساخنة والحساسة في الديوان ، تيمة الموت الذي يتردد بأنساق وصيغ مختلفة ، ولعل حضوره في الديوان بكل هذا الإصرار ليست إلا رغبة لا شعورية في إرادة الحياة والتشبث بالحلم ضدا في الحرب :
في زمن الحرب "
لا وقت للموت
عليك أن تحلم
وحتى أن تجتر حلمك "
ومع ذلك فإن هذا الموت لا يشبه موت أحد ، ولا وقت أن يكون هو اللازمة التي يعزفها الكثيرون ، إنه التعلق بالحياة عبر اجتراح الحلم في أسمى معانيه كما يظهر من خلال تجاوز هذا الموت اليومي الذي يحصد الكثير في وطن تنهشه الكلاب .
وعلى التوجه نفسه تنتج المقاطع
" لا أنت هنا
بقاياك فقط
وما خلفه القهر فيك
لا هنا ، ولا هناك أنا
مازلت فكرة تدور في الفراغ
هاربة من أجساد منذورة للموت "
في الفقرة الشعرية أعلاه تخلق الشاعرة مسافة بينها وبين الموت. بل يمكن القول إنها اختارت موت الآخر بنفسه ، وأقام قيامته ورتب جنازته وبقاياه ، وحاورت فقدانه الذي وصفه بالحضور والغياب ، وتحت هذا الموت أو ذاك ، تقترب الشاعرة أكثر من أجواء عاطفتها الخضراء التي تحترق جراء حالة الموت الواقعي ، وقد وظفت الشاعرة عددا هائلا من المفردات الدالة على الموت بشكل مباشر أو غير مباشر ، ويمكن رصدها كالتالي : لاغتااتني ، غياب ،ميتة ، يموت ، غيابك ،الموت ، النهايات ،الطعنة ، للموت ، القاتل ، يقتل ،ميتا ...."
وفي آخر الحرائق لا تنسى لجينة نبهان أن تأخذ القصيدة حصتها في هذه الباقة الشعرية، وأن تنخرط فعليا في بناء قصيدة مسكونة بخطاب "ميتا - شعري"، عارفة و قادرة على خلق حوار ثقافي وإثارة شهية المتلقي من خلال إحداث الدهشة والمهارة التي لا تتحقق إلا لمن خبر عوالم سقوف القصيدة ومجازاتها ، نقرأ من المقطع الشعري :
" في عقلي الكثير من الشعر
يقرأني فيكتبك
ولسبب ممنوع من صرف القهر
أمحو ما كتب النفس
على
البلور العطش للدفء "
إن الشاعرة في هذا المقطع الشعري تخلق مسافة جمالية تؤسس لذاكرة المحو ؛ بغية تشييد أفق شعري آخر متحرر تماماً من الممنوع الظلال والتناسخ والمطابقة دلاليا وجمالياً.
و ضمن الرؤية البعيدة للحداثة الشعرية، التي أفرزتها شروط سوسيوثقافية جديدة تنفتح حرائق الشاعرة على أبعاد جمالية جديدة في بناء حواري –نقدي :
" الخمر ... قصيدة "
ونفسه نقرأه ل"لويس ستيفنسون " :"الخمر شعر في زجاجة "، حيث تتناص مع مفهوم الشعر كما يراه الروائيء والشاعر الاسكتلندي ، وهذا من شأنه الإشارة يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري نفسه.
وعموما ، يمكن اعتبار ديوان "حرائق خضراء "للشاعرة لجينة نبهان ، توفق في تشخيص حرقة الذات والقصيدة ، بلغة بسيطة وعميقة كما أفلام شارلي شابلن ، حيث الابتعاد عن البهرجة البلاغية ، وإشباع التلقي بجمالية من يدرك أسرار الكتابة وحرقتها الخضراء .
بقلم: عبد الله المتقي