المحكمة الدستورية في ظلّ الوضع البرلماني الحالي: «التدخّل التشريعي ليس الحلّ،المسألة أعمق من المحكمة الدستورية ولا بد من الجلوس إلى طاولة الحوار»

يشهد البرلمان منذ أيام حالة من الفوضى والاحتقان بين كتلة الدستوري الحرّ وكتلة حركة النهضة مما تسبب في شلل كلي تقريبا لأشغال المجلس

الذي تنتظره عديد الالتزامات والمسؤوليات،وضعية أثارت انشغال رئيس الجمهورية قيس سعيّد الذي استقبل رئيس مجلس نواب الشعب ونائبيه ولوّح باستعمال الفصل 80 من الدستور الذي يتعلّق باتخاذ التدابير الاستثنائية في صورة تعذّر السير العادي لدواليب الدولة،هذا الفصل نصّ على وجوبية إعلام المحكمة الدستورية التي تتولى فيما بعد أيضا اتخاذ قرار استمرارية التدابير الاستثنائية من عدمه. إذن مرة أخرى تطرح «معضلة» تركيز المحكمة الدستورية والتعطيل الحاصل بالرغم من الدور المهم الذي تلعبه هذه الهيئة الدستورية في إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي.
ينصّ الفصل 80 من دستور 27 جانفي 2014 على أنه «لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذٌر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلًن عن التدابير في بيان إلى الشعب ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلٌ مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة وبعد مضيٌ ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتٌ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يوما.وينهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب».
«الحلّ التشريعي لا ينهي الإشكال»
ملف إرساء المحكمة الدستورية وصف بــ«المعضلة» نظرا للعثرات التي شهدها انتخاب هذه الهيئة تحت قبّة البرلمان،فقد تعدّدت الفترات النيابية واختلفت الحساسيات السياسية ولكن هذا الملف بقي على حاله لأكثر من سنتين ولا زال جراء غياب التوافقات بين الكتل النيابية،من جهة أخرى تعمل لجنة التشريع العام على مناقشة مقترحي تعديل للقانون الأساسي عدد 50 المؤرخ في 3 ديسمبر 2015 ،الأول يتعلّق بنقطة النصاب والثاني بحذف عبارة «تباعا» من الفصل 10 علّها تكون المخرج من هذه الأزمة.
في هذا السياق تحدثنا مع أنس الحمادي رئيس جمعية القضاة التونسيين الذي قال» نبهنا فيما سبق إلى أهمية المحكمة الدستورية باعتبارها تؤمن القراءة الدستورية السلسة وتقوم بفضّ الخلافات بين السلط خاصة في ظل ما شهدناه من تأويلات لفصول الدستور وبالتالي فان البطء والتأخير في إرسائها من شانه أن يجعل من النظام السياسي والآليات للتنسيق بين المؤسسات وإيجاد الحلول للوضعيات الشائكة معقّدا فما شهده المجلس سابقا بعد وفاة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وما يشهده البرلمان اليوم يجعل من وجود المحكمة الدستورية أمرا ضروريا خاصة وأن الفصل 80 من الدستوري ينصّ على وجوب استشارة هذه الهيئة»
هذا ورأى الحمادي انه «وفي ظلّ الوضع الحالي من الصعب التوصل إلى إرساء المحكمة الدستورية لأن المصلحة الحزبية الضيقة طاغية على المصلحة الوطنية العليا فنحن اليوم أمام طريق مسدود،كما أن الحلّ التشريعي في تنقيح القانون الأساسي عدد 50 في النقطة المتعلقة بالنصاب لن يحلّ الإشكال لأن البرلمان قد انتخب العضو الوحيد بالأغلبية المعزّزة فلا يمكن إذا انتخاب بقية الأعضاء بالأغلبية العادية ،كما لا يمكن النزول بالنصاب بالنظر إلى حجم هذه الهيئة الدستورية مقارنة بهيئات أخرى،ولا ننسى معايير الحياد والاستقلالية التي يجب أن تتوفر في الشخصيات التي يجب أن تكون بدورها محلّ إجماع،أما بالنسبة إلى مقترح حذف عبارة «تباعا» من الفصل العاشر فهو حلّ ممكن ولكن الخروج من هذا المأزق يتطلب الجلوس إلى طاولة واحدة برعاية منظمات وطنية ورئاسة الجمهورية ومنظمات المجتمع المدني».
إن الوضع الحالي الذي يشهده البرلمان يساهم في تعطيل ملف المحكمة الدستورية وكذلك السير العادي للمجلس الذي تنتظره حزمة من مشاريع القوانين وترسانة من التشريعات فإذا تواصل هذا الوضع فإن ذلك يهدد كيان الدولة والسلطة التشريعية وعلى الجميع تحمل مسؤولياتهم ولا بد من محاسبة كل متسبب في هذا التعطيل أو كل من تثبت خدمته لأجندات خارجية».
«لا بد من التريث في إرساء المحكمة الدستورية»
من جهته اعتبر إبراهيم بودربالة عميد الهيئة الوطنية للمحامين أنه وفي ظلّ الوضع الحالي وما يشهده من اختلافات فإنه من الصعب الوصول إلى حلّ في ما يتعلق بملف إرساء المحكمة الدستورية وقال في هذا الخصوص «يجب التريث وعدم التسرع في تكوين المحكمة الدستورية لأن المسالة دقيقة للغاية والخوف كلّ الخوف من مرحلة ما بعد التركيز إذ سنكون أمام طريق مسدود لأن المشاكل أعمق من ذلك بكثير وتتعلق بمسار كامل ولا بالمحكمة الدستورية فقط»،هذا ورأى بودربالة أن الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين موجودة ويمكن أن تقوم بمهام المحكمة الدستورية إلى حين إرسائها وفق تعبيره،كما دعا إلى ضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار من أجل إيجاد الحلول المناسبة للخروج من هذا الوضع.
«رأي استشاري»
لئن اشترك وليد المالكي عضو مجلس القضاء العدلي مع رئيس جمعية القضاة التونسيين في النقطة المتعلقة بأهمية المحكمة الدستورية وبضرورة إرسائها فإنه اختلف مع عميد المحامين فيما يخصّ قيام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين بمهام المحكمة الدستورية مؤقتا وقال في هذا الخصوص «لا يمكن لهذه الهيئة القيام بهذه المهمة لأن الصلاحيات الموكولة لها تتعلق بمشاريع القوانين في حين أن مهام المحكمة الدستورية أعمق بكثير إذ تتعلق بالقوانين وبالدستور وغيرها من النقاط»
من جهة أخرى أوضح المالكي بالنسبة إلى الحلّ التشريعي لحلحلة أزمة إرساء المحكمة الدستورية بأن المجلس الأعلى للقضاء لا يمكنه استباق الأمور فهنا دوره استشاري وبالتالي ننتظر أن تحال علينا نتائج أعمال لجنة التشريع العام في هذا الخصوص لإبداء الرأي».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا