في تقرير الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب لسنتي 2016 - 2017 معاينات وشهادات على معاناة الأطفال داخل إصلاحيات

• طعام بالديدان،6622 قضية بين جنائي وجناحي وحاويات لتخزين البقول والمواد الغذائية
• 120 طفلا في إصلاحية المروج التي لا تفوق طاقة استيعابها 60 نفرا


رفع الستار بعد ثورة 14 جانفي عن ملف ثقيل كان مصنفا «محظورا» في العهد السابق،إنه ملف التعذيب الذي يعتبر انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان، حقائق صادمة ومشاهد بشعة تفنّن خلالها الجلادون في تعذيب ضحاياهم سواء في دهاليز وزارة الداخلية أو في مراكز الأمن في ذلك العهد،اليوم أصبح التعذيب ملفا للنقاش، كما شهدت سنة 2016 ميلاد الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب التي علّقت عليها آمال كبيرة في كشف الحقيقة من خلال زياراتها المبرمجة والفجئية لمراكز الاحتجاز والوقوف على ظروف إقامة النزلاء في السجون والأطفال في الإصلاحيات وإنارة الرأي العام من خلال معاينة مدى وجود سوء معاملة أو تعذيب،هذه الهيئة نشرت مؤخرا تقريرها السنوي الأول 2016 - 2017 الذي تضمّن العديد من المعطيات والحقائق المفزعة خاصة في ما يتعلّق بالأطفال في أماكن الاحتجاز،«المغرب» تلقّت نسخة من التقرير وسلّطت الضوء على نتائج الزيارات لتلك الأماكن.

بعد أكثر من سبع سنوات على الثورة نجد كمّا هائلا من قضايا التعذيب منشورة لدى القضاء العادي وكذلك لدى الدوائر القضائية المتخصّصة في العدالة الانتقالية،ولكن ما ينقص وفق عدد من الملاحظين هو الفصل في تلك الملفات ومحاسبة مرتكبي هذه الجريمة وهو ما يكرّس مبدأ الإفلات من العقاب ،كما يتم الإعداد لسنّ قانون المصالحة الشاملة الذي يهدف إلى حلّ الدوائر المتخصّصة وهو ما يفتح الباب لأكثر من سؤال.

381 طفلا محتجزون إلى غاية مارس 2018
قامت الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب في إطار صلاحياتها التي منحها إياها القانون الأساسي عدد 43 المؤرخ في اكتوبر 2013 بزيارات إلى بعض مراكز إصلاح الأطفال سواء في إطار زيارات المراقبة الوقائيّة أو زيارات التقصّي على إثر ورود إشعارات تفيد تعرَض أحد الأطفال المحتجزين لسوء معاملة أو عنف أو غيره من أشكال الإساءة المعنويّة أو الجسديّة أو المعاملة القاسية أو المهينة سواء في مركز الإصلاح أو في مركز أمن قبل الإيداع،من جهة أخرى وعندما نتحدّث بلغة الأرقام نجد عدد الأطفال المحتجزين قد بلغ في 18 مارس المنقضي 381 طفلا من بينهم 328 طفلا يتوزَعون على مراكز إصلاح الأطفال و53 طفلا يتوزَعون على السّجون المخصَصة أصلا لاحتجاز الأشخاص الكبار الذين تساوي سنَهم 18 سنة أو تفوقها.هذا وبيّن التقرير أنّ العدد الجمليّ للأطفال المحتجزين خلال سنة 2017 كاملة هو أكثر من 381 بكثير خاصة إذا علمنا بأن عدد قضايا الأطفال المفصولة بالنسبة إلى السّنة القضائيّة 2015 - 2016 بلغ 6622 قضيّة من بينها 312 قضيّة مفصولة في مادّة الجنائي و6310 قضيّة في مادّة الجناحي.

أطفال في سجون الكبار
الطفل يعتبر من الفئات الهشّة التي تتطلب قواعد معيّنة وآليات خاصة للتعامل معه وضمان حقوقه حتى وإن كان مودعا في أماكن الاحتجاز،فحقوق الطفل دائما ما توصف بأنها خط احمر لا يمكن تخطيه ولكن هل هذه الشروط البسيطة يتم احترامها عندما يكون المحتجز طفلا ؟سؤال أجابنا عنه تقرير الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب إذ بيّن وفق احصائيات مارس 2018 أن هناك 53 طفلا بين موقوفين ومحكومين مودعون بالسجون المخصّصة عادة لاحتجاز الكبار إذ نجد السجن المدني بالمرناقية في صدارة الترتيب من حيث عدد الأطفال (21 طفلا بينهم محكوم وحيد) يليه سجن حربوب بولاية مدنين (10 أطفال تسعة منهم موقوفون) ،أما عن الإصلاحيات فقد بلغ العدد الجملي للأطفال المحتجزين فيهم من المحكومين 249 طفلا مقابل 79 موقوفا ،هذا ونجد إصلاحية المروج في المرتبة الأولى بـ117 طفلا تليها إصلاحية سيدي الهاني بــ100 طفل.

اكتئاب، قلق وتفكير في الانتحار
أكثر من 50 طفلا من جنس الذكور مودعون في السّجون في غرف مع الكبار،وهذا مخالف تماما للمعايير الدّوليّة المتعلّقة بمعاملة الأطفال في نزاع مع القانون وبمبدأ حقوق الطفل خاصة وان السّجون التونسيّة غير مؤهّلة من حيث مرافقها وخدماتها النفسيّة والاجتماعيّة وأنشطتها الثقافيّة والتربويّة والرياضيّة، لمراعاة خصوصيّة الأطفال، إلى جانب افتقارها التّام لبرامج التكوين والتأهيل الملائمة لأعمارهم،والنتيجة شعور بالاكتئاب،قلق، تعرض للتحرّش الجنسي وسوء المعاملة وهو ما يؤثر على نفسية الطفل الذي يصبح عنيفا مع نفسه بل يفكّر في الانتحار. أما عن ظروف احتجاز الأطفال في مراكز الإصلاح فهي لا تقلّ عن السجون ،اكتظاظ يصل إلى أكثر من 100 % حيث عاينت الهيئة في جويلية 2017 وجود 120 طفلا في إصلاحية المروج التي لا تفوق طاقة استيعابها 60 نفرا فقط.هذا وسجّلت الهيئة من خلال شهادات عدد من الأطفال أن هناك ما أسموه تمييزا سلبيّا في المعاملة الخاصّة تجاه الأطفال المودعين بمركز الإصلاح من أجل قضيّة ذات صبغة إرهابيّة، حيث تشدّد عليهم المراقبة ولا يسمح لهم بالحديث مع بقيّة الأطفال، وقد عبّر هؤلاء عن قلقهم بشأن تلك المسألة لأنها تشعرهم بالوصم والتمييز السّلبي وتولّد لديهم إحساسا بالإقصاء من قبل الآخرين.

مواد غذائية متعفّنة،أوساخ وكؤوس تحمل الصدأ
تضمّن تقرير الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب 2016 - 2017 حقائق أقل ما يقال عنها أنها صادمة في ما يتعلّق بظروف عيش الأطفال من جنس الذكور في عدد من الإصلاحيات من حيث وضعية المطابخ وظروف حفظ الموادّ الغذائيّة وتخزينها وتجهيزات قاعة الأكل، والنتيجة تراكم الأوساخ في كلّ الأماكن (الأرضيّة والجدران) ظاهرة للعيان، كما أنّ وسائل العمل الخاصّة بالطبخ قديمة ومتسخة جدّا إضافة إلى استخدام الحاويات والأوعية المصنوعة من الألمنيوم ومن البلاستيك غير الغذائي،كما تخزّن الأغذية في ظروف وصفها التقرير بالسيّئة للغاية إذ هي موضوعة في رفوف قديمة ومتسخة ومعرّضة بشكل كبير للرطوبة وهو ما أدّى إلى تعفّن بعض الموادّ الغذائية مثل المعجّنات أو تسوّسها رغم أنّها تحمل تاريخ صلوحيّة ساري المفعول.

استمعت الهيئة أيضا إلى الأطفال داخل تلك الإصلاحيات فسردوا قصصهم وكانوا شاهدين على مشاهد بشعة عاشوها لأنهم مجبرون لا مخيرين إذ سجّلت الهيئة تذمّرهم من وجود «الدّيدان الصّغيرة» بأطباق الشربة والمقرونة،بقول توضع في أوعية بلاستيكيّة كبيرة هي في الأصل حاويات مهملات،أمّا الخضر الورقيّة فقد كانت مجمّدة ومخزّنة في أكياس بلاستيكيّة سوداء (غير صحّية). وكذلك السّمك واللحوم والدواجن، وعدم صلوحيّة بعض أدوات الأكل التي كانت قديمة جدّا وغير صالحة للاستعمال مثل الكؤوس المعدنيّة التي تحمل الصدأ.ظروف أقلّ ما يقال عنها أنها مقزّزة ولا تمتّ بأي صلة لا للمعايير الوطنية ولا الدولية و لا حتى الإنسانية ،بهذه الطريقة يعامل الأطفال داخل إصلاحيات من المفترض أن تكون أماكن تحترم فيها الذات البشرية وحقوق الطفل في ابسط مقومات الحياة أكل محترم وصحي،مكان نظيف ومعاملة إنسانية،ولكن أسوق ملاحظة بسيطة ولكنها هامة لو كان التقرير مرفوقا بصور تجسّد تلك العبارات لكانت أبلغ بكثير وتترجم الواقع كما هو ولكن يبدو أن واجب التحفّظ كان المانع.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499