مرفق العدالة سنة 2018: القضاء يواصل بحثه عن طريق الاستقلالية، ملفات ضاعت بين أروقة المحاكم

في ظل مرحلة الانتقال الديمقراطي الذي تعيش على وقعها البلاد منذ أكثر من سبع سنوات ومع مرور كلّ سنة

لا بدّ من وقفة تأمل لتقييم مدى تقدّم هذا المسار على جميع المستويات وفي كلّ القطاعات بما في ذلك مرفق العدالة أو القضاء عموما بجميع الأطياف المتداخلة فيه من قضاة ومحامين وغيرهم،سؤال يطرح مع نهاية عام 2018 ماذا تحقّق للسلطة القضائية؟ أو هل أصبحت بعض الأحلام واقعا؟ ،في هذا السياق حاولنا القيام بجرد لأهم النقاط المضيئة وكذلك السوداء التي تم تسجيلها هذه السنة في مرفق العدالة على المستوى التشريعي والهيكلي والعملي أيضا.
لم يشهد المرفق القضائي، خلال السنة الجارية، اي تطور يذكر في شأن القضايا والملفات الكبرى خاصة منها المتعلقة بالفساد المالي او المتعلقة بقضايا الاغتيالات.

تشريعات هامة وأخرى مثيرة للجدل
أساس كلّ إصلاح هي القوانين حتى يتم البناء على قواعد سليمة وصلبة بالإضافة إلى حسن تطبيقها حتى لا تبقى مجرّد كلمات تزيّن واجهة تونس في الخارج،سنة 2018 لم تشهد ميلاد الكثير من التشريعات ولكن القليل الذي تمت المصادقة عليه يعتبر مهمّا جدّا في بناء دولة القانون والمؤسسات على غرار قانون التصريح بالمكاسب والمصالح وكذلك قانون مناهضة جميع أشكال التمييز العنصري، دون أن ننسى طبعا قانون المالية 2019 الذي أثار ضجّة غير مسبوقة خاصة في الفصل 36 منه المتعلّق بالسرّ المهني الذي جعل أصحاب العباءة السوداء ينتفضون ويعتصمون من اجل إسقاطه وقد كان لهم ما أرادوا حيث أقرت هيئة مراقبة دستورية القوانين عدم دستورية ذلك الفصل وهو ما اعتبروه انتصارا للمحاماة،مشروع قانون تنقيح قانون الإرهاب أيضا من بين القوانين المثيرة للجدل وهو اليوم على طاولة مجلس نواب الشعب،من جهة أخرى هناك حزمة من التشريعات لا تزال في الرفوف سواء تحت قبّة باردو واو في قصر الحكومة بالقصبة نذكر على سبيل المثال مشروع قانون محكمة المحاسبات ومشروع قانون تجربة السوار الالكتروني.

هيئة تاهت في طريق السياسة
لا يمكن أن نمرّ دون الحديث عن ملف مهمّ انطلق الجدل حوله منذ 2015 ولا يزال متواصلا إنه ملف الهيئة الدستورية القضائية التي تاهت بين التجاذبات السياسية ولم يكتب لها الميلاد في هذه السنة وطريقها لا يزال مظلما في ظل غياب التوافقات السياسية،طبعا إنها المحكمة الدستورية التي تمت المصادقة على قانونها منذ جويلية 2015 ولكن قدرها أن تعيش مخاض الحسابات السياسية فهل ترى هذه الهيئة النور في سنة 2019 أم تبقى رهينة حسابات الأحزاب؟.

ملف فساد متعلق بـ«المناجم»
باشرت النيابة العمومية بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي منذ جوان الفارط الأبحاث في ملف الحال. وفي أواخر أوت المنقضي قررت رئاسة الحكومة إقالة كل من وزير الطّاقة و المناجم و الطّاقات المتجدّدة خالد قدور و كاتب الدّولة للمناجم هشام الحميدي و المدير العام للمحروقات الهادي الهريشي و الرّئيس المدير للشّركة التّونسية للأنشطة البترولية و المدير العام للشّؤون القانونية بوزارة الطّاقة، مؤكدة أن هذا القرار قد جاء على خلفيّة ملف فساد متعلّق باستغلال حقل نفط من قبل مستثمر تونسي في سواحل المنستير على خلاف الصّيغ القانونيّة منذ 2009.
من جهته وفي 10 أكتوبر، قرر قاضي التحقيق إصدار بطاقة إيداع بالسجن في شأن كاتب الدولة للمناجم من أجل جريمة تقاضي رشوة واستغلال موظف عمومي لصفته لتحقيق فائدة لنفسه أو لغيره. والى حدّ كتابة الأسطر لم يتم تسجيل أي جديد في القضية.

منعرج ملف اغتيال بلعيد والجهاز السري لحركة النهضة
شهد ملف اغتيال الشهيد شكري بلعيد ، خلال 2019 منعرجا جديدا، حيث كشفت هيئة الدفاع عما يسمى «بالجهاز السري لحركة النهضة». الأمر أثار ضجة إعلامية وقانونية، خاصة وان هيئة الدفاع قد تقدمت بالعديد من الوثائق في الغرض.
من جهتها فقد أذنت النيابة العمومية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب من تلقاء نفسها بفتح بحث في الغرض، الاّ انّ قاضي التحقيق قرر التخلي عن الملف لعدم اختصاصه. في المقابل فقد تمسكت النيابة العمومية باختصاص القطب بالنظر وقررت الطعن في قرار التخلي، وما يزال الملف حاليا أمام دائرة الاتهام. وتجدر الاشارة في هذا الإطار الى انّ قاضي التحقيق قد تحوّل رفقة ممثل النيابة العمومية الى وزارة الداخلية أين تمّ العثور على المكتب الذي وصفته هيئة الدفاع بـ«الغرفة السوداء» وقام بحجز العديد من الوثائق والأقراص التي كانت متواجدة بالمكان.
في السياق نفسه فقد تقدمت هيئة الدفاع عن الشهيد شكري بلعيد برفع شكاية في الغرض ضد عدد من الأطراف لدى المحكمة العسكرية، الّا انّ هذه الأخيرة تخلت عن القضية لعدم الاختصاص للقطب القضائي لمكافحة الإرهاب باعتباره الجهة المختصة قانونية بالنظر. والملف منشور حاليا لدى قضايا التحقيق بالقطب.

ملف اغتيال محمد الزواري
ملف اغتيال المهندس محمد الزواري، الذي استشهد يوم 15 ديسمبر 2016، لم يسجل خلال السنة الجارية أي تطور يذكر، علما أن الجهات القضائية التونسية قامت بمطالب في تسليم المتهمين الرئيسيين بتنفيذ العملية وهما من جنسية بوسنية. الا ان المطالب جوبهت بالرفض.
وتجدر الاشارة في هذا الاطار الى انّ هيئة الدفاع عن الزواري كانت قد اكدت خلال ندوة صحفية عقدت بتاريخ 13 ديسمبر الجاري تورط ديبلوماسسيين وسياسيين تونسين في عملية الاغتيال.

«التآمر على أمن الدولة»
ما بات يعرف بملف التآمر على أمن الدولة، ورغم الاشواط العديدة التي عرفها ما بين التحقيق ودائرة الاتهام ومحكمة التعقيب، التي انطلقت منذ ماي 2017 والى حد كتابة الأسطر، لم يسجل هو الاخر اي جديد، حيث انه لم تباشر الدائرة الجنائية بالمحكمة العسكرية النظر في ملف الحال، كما انه لم يتم القاء القبض على وزير الداخلية السابق ناجم الغرسلي المحال بحالة فرار، علما وانّ القضية قد شملت كلا من شفيق جراية وصابر العجيلي وعماد عاشور (بحالة ايقاف).
وتجدر الاشارة في هذا الاطار الى انّ مجلس حقوق الانسان للأمم المتحدة بجينيف قد اصدر في 21 نوفمبر 2018 ، قرارا اعتبر فيه ان العجيلي محتجز وطالب الحكومة التونسية بالافراج عنه والتعويض له معنويا وماديا الى جانب فتح بحث حول ملابسات احتجاز العجيلي وحول انتهاكات تتعلق بحقوق الانسان.

«انتحارية» شارع الحبيب بورقيبة
في عملية إرهابية تعتبر الأولى من نوعها، فقد أقدمت المدعوة منا قبلة، أواخر نوفمبر المقضي، على تنفيذ عملية انتحارية بشارع الحبيب بورقية. عملية الحال كشفت عن خلية ارهابية وصفت بالخطيرة والخطيرة جدّا، كانت تستعد لتنفيذ عمليات إرهابية مختلف الجهات التونسية، وقد تم القاء القبض على عدد هام من عناصرها. كما تم ، منتصف شهر ديسمبر الجاري، الكشف عن مستودع لصناعة المتفجرات بمنطقة سيدي بوزيد، والقي القبض على عناصر، اصدر في شأن 7 منهم بطاقات إيداع بالسجن، في حين تقرر إبقاء عدد آخر إلا أنه بحالة سراح، وأحيل 3 آخرون بحالة فرار، علما وان الخلية المذكورة كانت تعتزم اقامة «امارة» بالجهة.

«محاولة الانقلاب على رئاسة الجمهورية»
من جهة أخرى فقد تولى الامين العام لحزب حركة نداء سليم الرياحي في أواخر نوفمبر المنقضي تقديم شكاية ضد كل من رئيس الحكومة يوسف الشاهد والمدير السابق للديوان الرئاسي سليم العزابي والناشط السياسي لزهر العكرمي لدى المحكمة العسكرية من أجل التخطيط للانقلاب على رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي. من جهتها فقد وجهت النيابة العسكرية للطرف الشاكي سليم الرياحي استدعاء أول لسماعه في قضية الحال والإدلاء بما يثبت ادعاءه في مناسبتين الاّ انه لم يتمكن من الحضور الأمر الذي أدى الى اتخاذ قرار من المحكمة العسكرية بحفظ الملف.

الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية
باشرت الدوائر المتخصصة بمختلف الجهات النظر في ملفات «العدالة الانتقالية» (أحداث الحوض المنجمي لسنة 2008 وقضية فيصل بركات وقضية رشيد الشامخي وقضية كمال المطماطي...)
وقد تم في جلّ الجلسات المنعقدة تقريبا الاستماع الى المتضررين في الوقائع المذكورة. قد اتخذت الدوائر المتخصصة قرارات تعلقت بتحجير السفر عن المنسوب اليهم الانتهاك وأصدرت في اغلب الملفات كذلك بطاقات جلب دولية ضدّ الرئيس السابق زين العابدين بن علي. «القضاء التونسي يتحسس مكانه»
من بين النقاط المضيئة التي شهدتها السلطة القضائية وتحديدا المحكمة الإدارية التي نجحت في امتحان النزاع الانتخابي خلال الانتخابات البلدية التي أجريت هذه السنة،كما انه من بين الانجازات الذي شهدها القضاء الإداري ميلاد 12 دائرة جهوية ساهمت وبشكل كبير في تكريس اللامركزية وفي تخفيف الضغط على المحكمة الإدارية بتونس،ولكن هناك نقائص على مستوى الإمكانيات البشرية واللوجستية تبقى من النقاط السوداء التي تعيق عمل القضاء الإداري،هنا علّق عماد الغابري رئيس وحدة الاتصال بالمحكمة الإدارية عن حال السلطة القضائية بصفة عامة فقال «القضاء التونسي يتحسس مكانه بين بقية السلط في جو من الحذر والخشية منه وحتى بعدم الاعتراف بوضعه كسلطة في الدولة».

«طريق وعرة»
في وصف دقيق ومختصر لوضع السلطة القضائية وتشخيص لمعاناتها قال محمد صالح بن عيسى وزير العدل السابق في تصريح لـ«المغرب» إن»طول الزمن القضائي و عدم إدخال التقنيات الحديثة ( الرقمنة ) في الإجراءات القضائية،علما وان البرنامج موجود لكن الانجازات تأخرت كثيرا و النقص الفادح في الموارد البشرية من قضاة و كتبة المحاكم خاصة و المالية فالجزء الأكبر من ميزانية وزارة العدل مخصص للتأجير وهو ما جعل مرفق القضاء يئن تحت وطأة الكم الهائل من الملفات و القضايا و الضغط المستمر و المتنامي للرأي العام و المجتمع الذي لا يزال في انتظار قضاء فعال و مستقل. كل هذا فضلا عن تأخر إدخال الإصلاحات التشريعية في أهم المجلات القانونية التونسية لتحقيق انسجامها التام مع الدستور الحالي. إذا أضفنا لذلك عدم الحسم القضائي بصفة باتة في ملفات الاغتيالات السياسية وفي قضايا العدالة الانتقالية أمام الدوائر المتخصصة نتيجة التجاذبات السياسية يمكن أن نقول بأننا لا نزال في بداية الطريق الوعرة المؤدية إلى إرساء سلطة قضائية ناجعة و مستقلة.

«سنة ضياع ملفات الفساد»
حوصل لطفي عز الدين هذه السنة على مستوى مرفق العدالة فقال«2018 كانت سنة غياب المحكمة الدستورية وسنة أزمة تركيز المجلس الأعلى للقضاء، وسنة ضياع ملفات الفساد المالي في أروقة المحاكم ومكاتب التحقيق والقطب المالي، وسنة إيقاف المدونين والصحفيين والمحتجين، وسنة الاعتداء على المحاكم وتهديد القضاة في سلامتهم الجسدية لتوجيه أحكامهم أو الضغط المادي عليهم بغرض الإفلات من العقاب، إلا أنها كانت كذلك ولحسن الحظ سنة انطلاق تعهد الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية بملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وغيرها»

«الأمل»
الطيب بالصادق محامي وصف المشهد القضائي لسنة 2018 في هذه الكلمات «القضاء سلطة تلاعبت بها السلطة التنفيذية و من ورائها الأحزاب السياسيّة فأصبحت جزرا متناثرة لكن هذا لا يمنع وجود جزيرة حالمة بالاستقلال سكّانها من القضاة الشرفاء ،خلاصة القول ليس هناك قضاء مستقل و لكن هناك قضاة مستقلّون. فالنقاط السوداء كثيرة ومتعددة وهي ظاهرة وواضحة في ملفات سلط عليها الإعلام أضواءه و لكن الأخطر هي ملفات عامة الشعب التي يحسمها المال الفاسد والنفوذ أما النقاط المضيئة فهي الأمل في قضاة رفعوا راية الاستقلالية ونصرة الحق دون تأثر بأي كان».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية