جدل واسع حول منع «البوركيني» في فرنسا: الأنظار متجهة نحو قرار مجلس الدولة

أحدث قرار 30 بلدية فرنسية منع البوركيني في شواطئ فرنسا جدلا عميقا في المجتمع شاركت فيه أحزاب ومنظمات وشخصيات ووسائل إعلام. وأصبح الشغل الشاغل لمحترفي البلابل في الإعلام مما جر بعض السياسيين للتدخل في الجدل والتعبير عن مساندة القرار أو رفضه

خاصة بعد أن أقرت المحكمة الإدارية بمدينة «نيس» منع البوركيني اعتمادا على النظام اللائكي . وتوجهت رابطة حقوق الإنسان وهيئة مناهضة الإسلاموفوبيا بفرنسا لمجلس الدولة لرفض هذا القرار. وقد اعلن مجلس الدولة مساء امس إيقاف قرار بلدية مدينة فيلنوف لوبي و بذلك يصبح ارتداء البوركيني قانونيا. لكن القرارات الأخرى في البلديات المتبقية يبقى قائما حتى يتم الطعن فيها أمام نفس المجلس.

لقد تفاقمت القضية المطروحة أمام القضاء بإرغام مواطنة مسلمة على نزع لباسها «الإسلامي» في شاطئ نيس من قبل أعوان من الشرطة في حين لم تكن هذه المرأة ترتدي زي البوركيني . وعارضت وسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية بشدة هذا الإجراء الذي اعتبر مسا من الحريات الفر دية. وصاحب ذلك تنظيم مظاهرة في مدينة لندن أمام السفارة الفرنسية للتنديد بالمس من الحريات الفردية للمسلمات.

اندلع الجدل بقرار منع البوركيني في الشواطئ الذي اتخذه عمدة مدينة «نيس» التي شهدت مجزرة قام بها مواطن من أصل تونسي ذهب ضحيتها 86 شخصا يوم العيد الوطني الفرنسي في 14 جويلية الماضي. وقررت بلديات أخرى على السواحل الفرنسية فرض نفس القرار مما جعل الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان ترفع قضية أمام المحكمة الإدارية بالمدينة. إقرار المحكمة الإدارية يوم 22 أوت حق العمدة في اتخاذ هذا الإجراء فتح بابا أمام منع البوركيني في فرنسا إذا ما أكد ذلك مجلس الدولة.

خطر التشهير بالمسلمين
صور المرأة المحجبة التي أجبرها أعوان شرطة «نيس» على خلع ثيابها في الشاطئ انتشرت في وسائل الإعلام وفي شبكات التواصل الاجتماعي مما أجبر رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أنور كبيبش على طلب مقابلة عاجلة مع وزير الداخلية المسؤول على الشعائر الدينية. ونشر المجلس بيانا يعبر فيه عن مخاوفه من استغلال هذا الوضع «للتشهير بالمسلمين».
خلال لقاء وزير الداخلية عبر أنور كبيبش عن «تمسك المسلمين بالعقد الجمهوري و بقيم الجمهورية». وقال برنار كازنوف وزير الداخلية إن «تطبيق النظام اللائكي وإمكانية أخذ قرارات يجب ألا يتحول إلى عملية تشهير» وطالب بعدم تفريق الفرنسيين مع الإلتزام باحترام النظام اللائكي كما دعا له الوزير الأول مانويل فالس، الذي دافع على حق البلديات في اتخاذ إجراءات لحماية النظام العام. و أضاف أنه يجب ،في حال اتخاذ مثل هذه القرارات ، «الأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على الأمن العام والأخوة».

هل ارتداء البوركيني حق من حقوق الإنسان؟
هذا السؤال هو في صميم تحرك رابطة حقوق الإنسان التي تعتبر أن للمواطنين الحق في اشهار ديانتهم وهو جزء لا يتجزأ من النظام اللائكي. هذا الموقف أدخل المجتمع في جدل واضح ساهمت فيه الصحف اليومية. وإن يبدو أنها تدعم حرية المسلمة في ارتداء البوركيني فإن بعض المتدخلين في الجدل الوطني أشاروا إلى أن البوركيني ليس «لباسا إسلاميا» بل هو صنيعة المصممة الأسترالية من أصل لبناني أهيدا زانيتي ولا يعدو أن يكون بضاعة استهلاكية.
لكن محامي المنظمات الحقوقية نبهوا للمس الواضح من حرية الضمير والمعتقد بما أن القرارات أشارت إلى البعد الديني للباس وأنها التجأت للنظام اللائكي. وأكد بعض المختصين بالشأن الحقوقي أن اتخاذ مثل هذه القرارات قد يعطي السلط المحلية حرية التدخل في الشؤون الخاصة للمواطنين و الحد من حريتهم في اللباس سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين. و أن تغطية الجسم ليست حكرا على المسلمين بل هنالك من يلجأ لذلك لأسباب عديدة و مختلفة ليست بالضرورة دينية. من ناحية قانونية، قالت ستيفاني هينيت فوشيز أستاذة القانون في جامعة نانتار، في حديث لجريدة لوموند، أن تطبيق اللائكية على الشواطئ لم يشمله قانون 1905 وأن ربط القرار بحالة الطوارئ «يهدد الحريات الفردية وحرية المسلمات بالخصوص».

بوادر الحملة الإنتخابية
جل الفاعلين السياسيين المرتبطين بالحملة الإنتخابية لرئاسية 2017 أخذوا موقفا من قضية البوركيني. واصبح البوركيني، في خطاباتهم، رمزا تتمحور حوله العلاقة مع الإسلام في فرنسا. من نيكولا سركوزي الذي أعلن ترشحه للرئاسة إلى مارين لوبان وبعض الوجوه الأخرى في اليمين السياسي تعددت التعليقات والخطابات الرامية إلى «دعم» وقف العمد الذين اتخذوا قرار المنع. في داخل الحكومة هنالك أيضا جدل بين من ساند الإجراء مثل الوزير الأول ووزير الداخلية و من تحفظ مثل نجاة فالو بلقاسم وزيرة التربية. الحزب الإشتراكي الحاكم هو نفسه منقسم. وطالبت بعض الشخصيات السياسية الإشتراكية من الرئيس فرنسوا هولاند أن يتدخل لإنارة الرأي العام.

وحسب ما تخطط له الشخصيات الفرنسية التي دخلت سباق الرئاسة، من اليمين و من اليسار، و عددها يفوق العشرين، فإن «المسألة الإسلامية» في علاقتها مع الإرهاب والنظام اللائكي سوف تكون أحد أقطاب الحوار في الحملة الإنتخابية المقبلة. لذا نرى المرشحين للرئاسة يخوضون هذا الحوار للتقرب من الناخبين الخائفين من «الزحف الإسلامي» في فرنسا. وإن كان للجدل القائم علاقة بهذه الإستراتيجيات السياسية فاستطلاعات الرأي تظهر تخوفا حقيقيا لدى الرأي العام من الإسلام عموما وهي ظاهرة جديدة لم نعتدها من قبل في فرنسا بحكم أن عدد المسلمين يفوق 10 % من الشعب وأن جزءا هاما من الفرنسيين المسيحيين اعتنقوا الإسلام. لكن موجة الهجمات الإرهابية الأخيرة، وخاصة مجزرة «نيس» غيرت المعادلة وأدخلت الرأي العام في جدل جديد ليس له بالضرورة علاقة بالانتماء السياسي بل هو جزء من الشعور بالمواطنة وبالخوف من تصدع النسيج الاجتماعي القائم على مبادئ الجمهورية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا