«فلاديمير بوتين» و المثلث الروسي الإيراني التركي: نحو تغييرات إستراتيجية في الشرق الأوسط ؟

بدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع بلقاءات هامة على مستوى القمة مع رؤساء أذريبيجان و إيران في باكو يوم الإثنين 8 أوت ثم مع الرئيس التركي في سان بيترزبورغ يوم الثلاثاء 9 أوت. التحركات الروسية تهدف إلى تمكين موسكو من تعزيز موقفها الإقليمي والدولي في منطقة الشرق الأوسط

بعد أن تمكن بوتين من الشروع في تطبيع علاقاته مع أنقرا إثر محاولة الانقلاب الفاشلة. و يتعدى ذلك، حسب المحللين الإستراتيجيين الروس، إلى العمل على تشكيل «مثلث إستراتيجي» جديد يجمع روسيا وإيران و تركيا و يكون فاعلا في إعادة صياغة الشرق الأوسط الجديد.

الطريف في التحرك الروسي أنه جمع بين «الغاضبين» من سياسات الدول الأوروبية بزعامة الولايات المتحدة في المنطقة وأنه يقدم للدول الفاعلة في المنطقة دعما يدخل في نطاق تعزيز مصالحها المباشرة السياسية والإقتصادية.
وإن كانت الخلافات السياسية لا تزال قائمة بين روسيا و تركيا في الملف السوري فإن بوادر تغيير أصبحت واضحة في موقف أنقرا منذ محاولة الإنقلاب حيث صرح رجب طيب أردوغان «نحن مستعدون للتعاون مع إيران وروسيا لحل المشاكل الإقليمية ولتعزيز أعمالنا بشدة قصد فرض السلام و الإستقرار في المنطقة». وهو ما فسره الملاحظون بتغيير استراتيجي للموقف التركي خاصة بعد أن اقترح وزير الخارجية التركي في شهر جويلية الماضي استخدام قاعدة تركيا الجوية ، التي تستعملها دول التحالف التابعة للحلف الأطلسي، «من قبل الدول المشاركة في الحرب على داعش الارهابي. وهو ما سجله الملاحظون كرسالة ضمنية لروسيا و تحذير واضح للدول الغربية المنتقدة لسياسات أنقرا.

تنقية الملف التركي
إعادة العلاقات التركية الروسية إلى سالف نصابها تأتي بعد رسالة «الإعتذار» التي أرسلها أردوغان إلى بوتين في موضوع إسقاط المقاتلة الروسية. مقابل الخطوة التركية قرر الرئيس الروسي إعادة العلاقات الجوية بين البلدين و فتح الطريق أمام رجوع السياح الروس . و قد سجلت أرقام السياحة الروسية تقهقرا بالغا في العام الماضي بنسبة 90 % من مجموع 3 ملايين سائح روسي. وبادر بوتين اثر محاولة الانقلاب بدعم النظام الدستوري في تركيا و امتنع عن انتقاد القبضة الحديدية التي لجأ إليها أردوغان مع معارضيه الإسلاميين خلافا لحلفائه الغربيين.

المشاورات في سان بيترسبورغ ركزت على استئناف المبادلات التجارية التي يطمح البلدان إلى رفعها إلى 100 مليار دولار سنويا. ويحتل ملف الطاقة في هذا العدد حجما مهما بكون روسيا هي المزود الأول من الغاز الطبيعي لتركيا (33 مليون متر مكعب يوميا وأكثر من 20 مليون طن من النفط) التي تشتري من روسيا نصف احتياجاتها السنوية. و تعمل موسكو جاهدة على التقدم في مشروع انجاز مفاعل نووي في منطقة أكويو التركية وفتح ملف تمرير أنبوب غاز إلى تركيا عبر البحر الأسود بقدرة 31 مليار متر مكعب للإستهلاك الأوروبي عوضا عن أنبوب أوكرانيا. هذه الإجراءات لتطبيع العلاقات مع تركيا تدخل في سياسة تركيز النفوذ الروسي في المنطقة في وجه التغلغل الغربي بمناسبة الحرب على الإرهاب خاصة مع تصاعد العمليات الجوية الغربية و إرسال مقاتلين غربيين الى سوريا لتأطير الثوار. الهدف الأساسي من الإجراءات الروسية هو صنع تحالف برغماتي جديد، يرتكز على المصالح المشتركة و تشارك فيه روسيا وتركيا و إيران.

الإقرار بالنفوذ الإيراني في المنطقة
اجتماع يوم الإثنين في باكو بين فلاديمير بوتين و حسن روحاني و إلهام ألياف كان مناسبة لتدعيم العلاقات بين البلدان المشاركة في القمة الثلاثية. أذريبيجان له شعب تركي ينتهج المذهب الشيعي ، كان ينتمي الى الإمبراطورية الفارسية قبل احتلاله مدة قرنين من قبل الإمبراطورية الروسية. ويمكن أن يشكل همزة وصل مثالية بين روسيا وإيران و تركيا في صورة تطورت العلاقات بين موسكو وأنقرة إلى تحالف استراتيجي تأخذ فيه إيران موقعها الطبيعي كقوة إقليمية فاعلة لها امتداد في سوريا ولبنان و اليمن. لتحقيق ذلك أقدم بوتين على الموافقة على 70 مشروع تنمية مع إيران يهدف إلى فك عزلتها بعد الحصار المفروض عليها من قبل الدول الغربية. وأقر مبدأ منح إيران قرضا بقيمة 2،2 مليار يورو لتمويل مشاريع مفاعلات كهربائية واستخدام الكهرباء في شبكة السكك الحديدية الإيرانية. المشاريع التي تتعلق بالطاقة و البيئة و الصناعات الحربية و المفاعلات النووية تهدف إلى تدعيم استقلالية إيران من المد الغربي في المنطقة و دعمها ماليا أمام الهجمات الأمريكية والأوروبية والصينية.

من ناحية أخرى ، تطورت العلاقات التجارية بين تركيا و إيران لتصل إلى 30 مليار دولار سنويا. وتعتبر إيران ثاني مزود للغاز بعد روسيا . وحسب الإتفاق الممضى في 2004 سوف تتطور هذه العلاقات بتزويد تركيا بقيمة 23 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي مدة 23 عاما مع إمكانية فتح أنبوب للغاز بين إيران و تركيا في اتجاه السوق الأوروبية. لكن على المستوى السياسي الإقرار بنفوذ إيران لا يخدم مصالح تركيا من ناحية التحالفات الدينية و السياسية في المنطقة. و يبقى الملف السوري أهم عقبة ، وفي نفس الوقت أول منطقة يمكن للثلاثي أن يستخدمها لصنع استراتيجيا جديدة تغير من التوازنات الإقليمية.

إمكانية التقارب التركي السوري
من الواضح أن روسيا و إيران تساندان الأسد في حين ترغب تركيا في رحيله. لكن أصبح واضحا اليوم، بعد 5 سنوات من الحرب الأهلية المدمرة، و تدخل إيران و روسيا عسكريا ضد الثوار، أن النظام السوري لن ينهار. و أن على تركيا و بقية الدول الإقرار بذلك. بالنسبة لتركيا الأولوية ليست رحيل الأسد بل منع الأكراد من تحقيق استقلالية إقليمهم في سوريا خشية انتشار العدوى إلى الأراضي التركية. بعض المؤشرات الدبلوماسية تشير إلى استعداد تركيا لتلوين موقفها من الأزمة السورية.

أهم خطوة تم تسجيلها هي فصل جبهة النصرة، التي تسلحها و تمولها تركيا، عن تنظيم القاعدة في حين تعتبرها روسيا و إيران تنظيما إرهابيا، وبالطبع خاضعا للضربات الجوية الروسية. المخابرات التركية لا ترغب في نزع مساندتها للجبهة بحكم أنها ورقة ضغط بيد أنقرا يمكن أن تمكنها من المقايضة يوم الحسم في الأزمة السورية، مع علمها أن ليس لها قوة ميدانية حقيقية تمكن من تغيير موازين القوى على الأرض. هل يكفي تبييض وجه جبهة النصرة لقبول تركيا في التحالف الجديد؟ يبدو أن الدبلوماسية الروسية تعمل على «تشجيع» أنقرة على إعادة الروابط المقطوعة مع النظام السوري. لذلك صرح الناطق الرسمي باسم الكرملين أن «إعادة العلاقات الإقتصادية مع تركيا سوف تحصل على مراحل». وهي، في اللغة الدبلوماسية، عنوان للضغوطات المحتملة لتغيير الموقف التركي.
خلافا للمملكة العربية السعودية و دول الخليج لا تعتقد تركيا أن إيران تشكل خطرا حقيقيا عليها. نفوذها في سوريا و لبنان والعراق أصبح واضحا و طبيعيا يمكن لتركيا أن تتفاعل معه إيجابيا. هذه المعطيات تشكل ، حسب الملاحظين، أهم الأسس التي يمكن أن تنبني عليها تحالفات «المثلث الإستراتيجي» الروسي الإيراني التركي في فرض حل للأزمة السورية و بسط نفوذ مشترك على المنطقة بالرغم من الحضور الأمريكي و السعودي

بوتين: «نقف ضد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا»
استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سان بطرسبرغ. وأعلن أنه اتصل بنظيره التركي عندما وقعت محاولة الانقلاب الفاشلة. كما أكد بوتين موقف بلاده الرافض للمحاولة الانقلابية الفاشلة. وصرّح أيضاً أن روسيا ستقوم بتجديد العلاقات التجارية والاقتصادية مع تركيا . من جهته، شكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الروسي قائلا: «لدينا كامل الثقة في تطوّر العلاقات التركية الروسية في وقت سريع». وأضاف أردوغان: «اتصال الرئيس بوتين بي وقت المحاولة الانقلابية الفاشلة حدث مهم للشعب التركي». وتابع، أن زيارة اليوم إلى روسيا تفتح صفحة جديدة في العلاقات التركية الروسية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا