انتفاضة شعبية في جزيرة غوادلوب الفرنسية ضد إجبارية التلقيح: حرائق للسيارات ونهب للمحلات التجارية واعتداءات على رجال الأمن

لم تنقطع منذ أكثر من أسبوع مشاهد الحرق والنهب والمظاهرات ضد قرار باريس فرض التلقيح ضد كوفيد 19 لكل العاملين في قطاع الصحة.

وكانت الحكومة الفرنسية قد أذنت منذ موسم الصيف بفرض حالة حظر التجوال لمقاومة انتشار الفيروس قبل أن ترفع الإجراء منذ أسبوع.
وكان من المنتظر أن تهدأ الأوضاع بحكم أن جل العاملين في قطاع الصحة في فرنسا التزموا بالقرار الوزاري. لكن معارضة المهنيين الصحيين، وفي مقدمتهم الممرضات، قد حالت دون التوصل إلى اتفاق رغم الوساطة والمفاوضات بين الأطراف الرسمية في الجزيرة والنقابات. والتحق قطاع أعوان الحماية المدنية بالحراك وأصبحت المطالب تتعلق برفض اللقاح والشهادة الصحية التي تمكن من دخول الأماكن المغلقة العمومية والثقافية. ومنذ نهاية شهر سبتمبر تم إيقاف غير الملقحين عن العمل مما أدخل كل القطاع الصحي في حالة من الغليان. حسب الإدارة الجهوية للصحة 85 % من العاملين في قطاع الصحة التزموا بالتلقيح. إلى حد 16 نوفمبر سجلت جزيرة غوادلوب نسبة لا تفوق 38 % للذين استكملوا اللقاحات ولا يتجاوز عدد الملقحين بجرعة واحدة 40 %. وهي أرقام لا تساعد على الوصول إلى المناعة الجماعية.
إضراب عام مفتوح من قبل تنسيقية لعدد من النقابات
وقد دخلت تنسيقية من النقابات والجمعيات الأهلية في اضراب عام مفتوح منذ الإثنين 22 نوفمبر تخللته مظاهرات ووقفات احتجاجية أمام مستشفى العاصمة وفي مفترقات الطرقات شاركت فيه فئات لا تنتمي إلى قطاع الصحة مثل المدرسين والعاطلين على العمل ومواطنين رافضين لقرارات باريس. وجرت صدامات خفيفة مع قوات الأمن شارك فيها شباب ملثم. وسرعان ما تطور الحراك إلى قطاعات واسعة من الشباب الذين عبروا عن غضبهم من السلطات في باريس ورفعوا شعارات اجتماعية تطالب بالتشغيل والحد من الفوارق الاجتماعية وتنفيذ خطة تنموية لتجاوز الأزمة الاقتصادية من جراء جائحة كورونا.
وأمام رفض الحكومة الفرنسية التخلي عن اجبارية اللقاح وفرض الشهادة الصحية تعددت أعمال العنف المصاحبة لها في عديد من الطرقات ونصب حواجز على الطرقات المؤدية إلى العاصمة «بوانت أبيتر» مما أدى إلى شلل في حركة المرور بين المدن ونحو المناطق السياحية مما منع المرضى من الوصول إلى المستشفيات والمصحات. وسجلت حالات من الحرق للسيارات ونهب المتاجر الكبرى وعدد من المنازل مما أجبر قوات الأمن على التدخل الشيء الذي خلف قتيلا في صفوف المتظاهرين ولا يعرف إلى حد اليوم سبب الوفاة. وفرض والي الجزيرة حالة حظر التجوال من الساعة 18 إلى الساعة الخامسة صباحا لتفادي أعمال العنف في الليل. وتذكر مشاهد الانتفاضة الحالية بأزمة 2009 التي عاشتها الجزيرة إثر الأزمة المالية العالمية عام 2008 والتي شهدت اضطرابات مماثلة من جراء تفاقم البطالة والفقر وغلاء المعيشة والتي انتشرت في كل الجزر الفرنسية ما وراء البحار في «غويانا» ولزانتي». ولا ترغب السلطات في باريس عن دخول جزرها في حالة عصيان مع اقتراب موعد الحملة الانتخابية الرئاسية والتشريعية.
تدخل قوات أمنية مرسلة من فرنسا
تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الإثنين الماضي معتبرا أن «الوضع يوشك على الانفجار» مطالبا أهالي الجزيرة بالحذر والهدوء. في نفس اليوم التقى رئيس الوزراء جون كستاكس في مكتبه بنواب الجزيرة لتدارس الوضع من أجل إيجاد حلول كفيلة بتهدئة الوضع بعد أن تم تأخير موعد اللقاح للعاملين في قطاع الصحة إلى 31 ديسمبر. وصرح سيباستيان لوكورنو وزير ما وراء البحار لقناة فرانس 2 يوم الثلاثاء أن «في الساعات الأخيرة لم تحصل أعمال عنف في المدن ، لكننا سجلنا إطلاق نار ضد أعوان الشرطة في «بونت أبيتر». نرى أن المسألة لا تتعلق بمسألة الصحة لكن بعصابات وأوغاد معروفين لدى الشرطة والعدالة والذين يريدون استغلال الأزمة للتعبير بواسطة العنف. كان لذلك جواب الحكومة واضحا وحازما: ارسال قوات التدخل وقوات الأمن الداخلي.»
وصرح جيرالد درمانان وزير الداخلية لراديو فرانس أنتار في نفس اليوم أنه تم تسجيل «90 حالةإيقاف من بينها 60 حالة احتفاظ» بأشخاص شاركوا في أعمال العنف. وأوضح أن «استتباب الأمن العمومي يأتي قبل أي نقاش» مذكرا بإطلاق النار المتكرر ضد أعوان الشرطة. ويبدو أن الحكومة اختارت المضي في «الحل الأمني» لما لصور العنف والانتفاضة الشعبية التي بثتها التلفزيونات الفرنسية والعالمية من أثر على الرأي العام.
ومع رجوع الهدوء النسبي في شوارع غوادلوب بعد شروع 50 عونا مرسلين من باريس مختصين في مقاومة المظاهرات، يتساءل الإعلام الفرنسي على مآل الأزمة وفرضية أن تقرر الحكومة التراجع على قرار فصل العاملين في قطاع الصحة وإعادتهم للعمل. وهو ما يمكن اعتباره «انتصارا» للحراك الشعبي. لكن في حالة صمود الحكومة على موقفها، حتى لا تفتح بابا آخرا عنيفا في فرنسا، لا يمكن التنبؤ بمصير الأحداث في غوادلوب وإمكانية انتشار الأزمة في شكلها الحالي إلى باقي أراضي ما وراء البحار.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا