نتائج الانتخابات العراقية.. بين الرفض والتشكيك: غياب الثقة بالقوى السياسيّة.. وتشرذم المقاعد بين الكتل سيفرض تحالفات صعبة

حملت نتائج الإنتخابات البرلمانية العراقية الكثير من المفاجآت غير المتوقعة كما أثارت الكثير من اللغط بين مكونات المشهد السياسي العراقي وكذلك المشهد الإقليمي والدولي باعتبار ارتباط

بعض الأحزاب والكتل المشاركة في الإنتخابات بأطراف إقليمية ودولية داعمة لها . وأظهرت النتائج الأولية التي نشرتها المفوضية الانتخابية العليا رغم نسبة المقاطعة غير مسبوقة، تصدر التيار الصدري بزعامة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر للنتائج المعلنة. ويؤكد التيار حصوله على أكثر من 70 مقعدا في مجلس النواب المؤلف من 329 مقعدا.

وقد بلغت نسبة المشاركة 41% فقط وسط عزوف غير مسبوق ، ووفق النتائج الأولية حصد «الفتح» 14 مقعدا، وقد كان حل ثانيا في الانتخابات السابقة (2018) برصيد 48 مقعدا. ونشرت مفوضية الانتخابات (رسمية) أسماء الفائزين على موقعها الإلكتروني، دون الإشارة إلى الكتل السياسية التي مثّلوها في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 41 %، وهي الأدنى منذ 2005.واستنادا إلى أسماء الفائزين، ذكرت الوكالة الرسمية أن «الكتلة الصدرية» تصدرت النتائج بـ73 مقعدا من أصل 329، فيما حصلت كتلة «تقدم»، بزعامة رئيس البرلمان المنحل محمد الحلبوسي (سُني)، على 38 مقعدا، وفي المرتبة الثالثة حلت كتلة «دولة القانون»، بزعامة رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي (2006-2014)، بـ37 مقعدا.
ويرى خبراء أنّ هذا الانقسام الكبير في مقاعد البرلمان يعني غياب غالبية واضحة في البرلمان المقبل، وهو إشكال سيرغم الكتل المتصدّرة على التفاوض وتقديم تنازلات مقابل تشكيل تحالفات للحكم وتسمية رئيس جديد للوزراء وهو مسار يبدو انه سيكون شائكا في ظلّ النتائج المٌعلنة .

يشار إلى أنّ هذه الانتخابات المُبكّرة جاءت في خضم صعوبات عدّة عانى منها العراق على عدة أصعدة أمنيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وسياسية، إذ كان من المُقرر أن تنتهي عهدة البرلمان الحالي عام 2022 إلّا أنّ الاحتجاجات الشعبيّة الغاضبة التي أطاحت بحكومة عادل عبد المهدي عجّلت بقرار إجراء الانتخابات المبكرة كحل لامتصاص غضب الشارع ليتمّ عقب ذلك منح الثقة للحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي والتي كلفت بإدارة المرحلة الانتقالية .

وبعد الإعلان عن النتائج التي لم تكن متوقعة يرى متابعون أنّ أكبر خطر اليوم يُهدّد الانتخابات هو الاتهامات بالتزوير وعدم قبول النتائج، مما قد يؤدّي إلى عودة الاحتقان الشعبي من جديد . ويرى مُتابعون للشأن العراقي أنّ الانتخابات الأخيرة أظهرت نوعا من غياب الثقة بالقوى السياسيّة،رغم محاولة تغيير المشهد العراقي المُتشرذم منذ سنوات، إلاّ أنّ النتائج الراهنة تُنبئ بصعوبات كبيرة في المرحلة المقبلة على صعيد التوافق حول رئيس حكومة جديدة وبالتالي إمكانيّة انسداد الأفق السياسي في العراق.

ما بعد الانتخابات
في هذا السياق قال الكاتب والمحلل السياسي العراقي نصيف الخصاف لـ«المغرب» أن هذه الإنتخابات هي مفترق طرق للعراق بين الفوضى والاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي .
وتابع «عدديا حسمت النتيجة لصالح التيار الصدري الذي أجاد تنظيم أتباعه ومرشحيه بطريقة أدت إلى هذا الفوز الساحق ولكن هناك نتائج غير مرئية وذات دلالات أفرزتها الإنتخابات منها: أن تحالف الفتح الذي يضم اغلب القوى التي تمتلك ميليشيات مسلحة متهمة بارتكاب عمليات قتل وخطف المتظاهرين والناشطين المدنيين فقد أغلب مقاعده التي حصل عليها في انتخابات 2018 المطعون بنزاهتها من قبل جميع الأطراف السياسية وهذا أمر يجب النظر اليه باهتمام لأنه يعني أنّ المواطن لم يعد يكترث أو يصدق خطاب ما يسمى بـ«المقاومة» التي كان يمثلها تحالف الفتح’’ وفق تعبيره .

وأضاف الخصاف أنّ وقوف أغلب قادة تحالف الفتح ضدّ تطلعات المواطنين ومطالبهم المشروعة في توفير الخدمات ومحاسبة الفاسدين ومواجهتهم بالرصاص الحي من قبل الأجنحة المسلحة لبعض هذه الأحزاب أدت إلى رفع سقف بإسقاط حكومة عادل عبد المهدي وتشريع قانون انتخابات جديد لا يفصل على مقاسات الأحزاب كما كان يحصل في السابق واستبدال المفوضية بقضاة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى .
وتابع «جاء رئيس مجلس الوزراء الحالي بعد إقالة رئيس الوزراء السابق تحت ضغط الشارع والحقيقة أن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي عمل بجدّ دون كلل على اجراء عملية الإنتخابات بما لا يدع مجالا للطعن في نتائجها وقد تحقق ذلك فعلاً بشهادة الجميع عدا بعض الأطراف الخاسرة وهذا أمر متوقع» وأكد ‘’النتيجة المهمة الأخرى أنه رغم مقاطعة شريحة واسعة من المواطنين الساخطين على أحزاب السلطة وترويجهم لحملات مقاطعة للانتخابات فاز المرشحون المستقلون بإعداد كبيرة قد تصل إلى 40 مقعدا بالإضافة إلى 9 مقاعد لحركة امتداد وهي من الحركات التي أنتجتها إنتفاضة تشرين مما يعني أنّ إمكانية إزاحة هذه الطبقة السياسية الفاسدة الفاشلة كان ممكنا كليا لو كانت نسبة المشاركة 80 ٪ أو أعلى وبمجرد أن توفر قانون انتخابات يضمن الحفاظ على صوت الناخب وذهابه لمرشحه فقط أزيحت أسماء كبيرة من المشهد السياسي كانت منذ 2005 في الواجهة.
وتابع «أما تشكيل الحكومة فقد يأخذ زمنا طويلاً لأن الفائز بالانتخابات «التيار الصدري» يريد أن يكون رئيس الوزراء مرشحه وأعتقد أنّ مرشحه سيكون حسن الكعبي نائب رئيس مجلس النواب السابق، وهو شخصيّة محترمة من جميع الأطراف السياسية الأخرى لكن أعتقد أنّ حظوظ مصطفى الكاظمي في البقاء في السلطة تبدو أكبر كمرشح تسوية مقبول داخلياً وإقليميا ودوليا، وفي حالة احتفاظ رئيس مجلس الوزراء الحالي بمنصبه فإن الوضع الداخلي سيكون أكثر استقرارا وأكثر مقبولية محليا «من قبل باقي الكتل والأحزاب» وإقليميا ودوليا مما لو جاء مرشح من التيار الصدري رغم انه حق دستوري للكتلة الفائزة» وفق تعبيره .

ردود أفعال داخلية وخارجية
من جهتها ندّدت قوى شيعية بارزة موالية لإيران بما اعتبرته حصول «تلاعب» و»احتيال» في نتائج العملية الانتخابية. وبعدما كان القوة الثانية في البرلمان المنتهية ولايته، سجل تحالف الفتح الذي يمثّل الحشد الشعبي ويضم فصائل شيعية موالية لإيران، تراجعا كبيرا في البرلمان الجديد، وفق مراقبين ونتائج قامت وكالة ‘’فرانس براس’’ باحتسابها.
وفي سياق ردود الأفعال قال الإطار التنسيقي لقوى شيعية والذي يضم خصوصا تحالف الفتح وائتلاف رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، في بيان «نعلن طعننا في ما أعلن من نتائج وعدم قبولنا بها وسنتخذ جميع الإجراءات المُتاحة لمنع التلاعب بأصوات الناخبين».
وكانت بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة العملية الانتخابية رأت في تلك النسبة «إشارة سياسية واضحة»، آملةً من «الطبقة السياسية الالتفات إليها»، في ما سيقدّم في بيان تقريرها الأولي للاقتراع.وأعلن أبو علي العسكري المتحدث باسم كتائب حزب الله، إحدى فصائل الحشد الشعبي الأكثر نفوذاً في بيان أن «ما حصل في الانتخابات يمثل أكبر عملية احتيال والتفاف على الشعب العراقي في التاريخ الحديث».وأضاف «الإخوة في الحشد الشعبي هم المستهدفون الأساسيون، وقد دفع عربون ذبحهم إلى من يريد مقاعد في مجلس النواب وعليهم أن يحزموا أمرهم وأن يستعدوا للدفاع عن كيانهم المقدس».
وأعلنت بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات العراقية،أمس الثلاثاء، أنها لم تجد «تلاعب أو خروقات» خلال العملية، لكنها رصدت محاولة عناصر مسلحة خارج سلطة الدولة تخويف المرشحين.وقالت رئيسة البعثة فيولا فون كرامون، خلال مؤتمر صحفي في بغداد، إن «الانتخابات (البرلمانية المبكرة) العراقيّة تمت إدارتها بشكل جيد، ولا يوجد تلاعب أو خروقات بها».وشارك الاتحاد الأوروبي في مراقبة الانتخابات العراقية بـ 100 مراقب و12 خبيرا و59 دبلوماسيا.

واعتبرت المسؤولة الأوروبية أن «حرية التعبير تم احترامها خلال الانتخابات»؛ فـ»العراقيون كانوا قادرين على الانتخاب بشكل حر وسط إجراءات انتخابية جرت بشكل سليم بنسبة 95 % حسب المراقبين».
وأعرب الحزب «الديمقراطي الكردستاني» العراقي بزعامة مسعود بارزاني، أمس الثلاثاء، عن تمنياته بتجنب «سيناريو التصعيد» بشأن نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت قبل يومين.جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقدته اللجنة العليا للانتخابات في الحزب في أربيل عاصمة إقليم كردستان شمالي البلاد تحدث خلالها القيادي في الحزب هوشيار زيباري.وقال زيباري، إن حزبه «يتمنى تجنب سيناريو التصعيد بشأن الانتخابات البرلمانية العراقية وأن تتقبل القوى السياسية النتائج المعلنة».
وكان تحالف «الفتح» بزعامة هادي العامري أعلن في بيان له يوم الثلاثاء عن عزمه الطعن بنتائج الانتخابات بعد ان فاز بـ14 مقعدا وفق نتائج أولية، متراجعا بشكل كبير عن الانتخابات السابقة عام 2018 عندما جاء بالمرتبة الثانية برصيد 48 مقعدا.

أرقام ونسب
ووفق تقارير إعلامية فقد تنافس 3249 مرشحا، يمثلون 21 تحالفا و109 أحزاب، إلى جانب مستقلين، في انتخابات الأحد، للفوز بـ 329 مقعدا في البرلمان.ومن مجموع أكثر من 25 مليون عراقي يحق لهم التصويت، أدلى أكثر بقليل من 9 ملايين منهم بأصواتهم في أكثر من 55 ألف محطة انتخابية موزعة على 8273 مركزاً انتخابيا لاختيار 329 نائبا لمجلس النواب الجديد من بين أكثر من 3200 مرشح في الانتخابات يمثلون 83 دائرة انتخابية موزعة على أساس جغرافي في عموم محافظات العراق وفق التمثيل السكاني.
كما شاركت منظمات محلية ودولية معنية بالانتخابات رؤيتها لواقع ضعف المشاركة في الانتخابات، وتسجيل عدد من التجاوزات المتعلقة بتعطل عشرات أجهزة الاقتراع، إلى جانب انتهاكات أخرى مثل التأثير على الناخبين والتجمعات الانتخابية والدعاية الانتخابية للمرشحين في خرق واضح للصمت الانتخابي، وإن بقيت هذه الانتهاكات على نطاق غير واسع.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا