تداعيات قتل الشرطية الفرنسية في رومبويي عل يد الإرهابي جمال شقران: تحقيقات معقدة من الجانبين التونسي والفرنسي في الأفق

أحدث مقتل الشرطية الفرنسية ستيفاني مونفيرميه في مركز شرطة رومبييه في ضواحي باريس على يد الإسلامي الإرهابي

جمال شقران ضجة أخرى في المجتمع الفرنسي بعد أن هزه ذبح الأستاذ سامويل باتي على يد إرهابي شيشاني لاجئ في فرنسا. وتفاعلت الطبقة السياسية الفرنسية بحزم مع العملية وطالبت المعارضة بأخذ «إجراءات استثنائية ضد «الهجرة غير النظامية» في حين أكد رئيس الدولة إيمانويل ماكرون، الذي زار عائلة الضحية على «عدم التخلي عن مقاومة الإرهاب الإسلامي».
ويختم الإرهابي شقران، الذي لقي حتفه على يد عون شركة موجود على عين المكان، سلسلة من الهجمات الإرهابية في أوروبا شارك فيها إرهابيون من صنع تونسي بعد اندلاع الثورة عام 2011. وأصبحت تونس أحد المصدرين الهامين للإرهاب منذ عملية 2016 لمدينة نيس التي قتل فيها الإرهابي محمد لحويج بوهلال 86 مارا وجرح 458 مواطنا، وعملية برلين في ديسمبر لنفس السنة الذي خلفت 12 قتيلا على يد الإرهابي أنيس العمري، وذبح 3 مؤمنين مسيحيين في كنيسة نيس من قبل الإرهابي إبراهيم عيساوي في أكتوبر 2020.
تحقيقات معقدة وطويلة
وفتح الجانب الفرنسي تحقيقا في العملية الإرهابية تم بموجبه إيقاف 6 أشخاص من بينهم أب الجاني وعدد من أقاربه وشخصين قاما بإيوائه لدى وصوله الى فرنسا بصورة غير شرعية. وأطلق سراح الجميع في انتظار مواصلة التحقيقات. في نفس الوقت توجه التحقيق في محتوى هاتف الإرهابي وموقعه على شبكات التواصل الاجتماعي للتثبت من إمكانية مشاركته في شبكة إرهابية. وتواترت أنباء حول اتساع رقعة الأبحاث إلى ما صدر في الإعلام التونسي وفي شبكة فايسبوك وخاصة الصور التي تم نشرها من داخل مجلس نواب الشعب التونسي. ويهتم المحققون في باريس بتصريح ليلى الحداد النائبة على حركة الشعب التي أفادت أن لجمال شقران علاقة بائتلاف الكرامة وهو من مسانديه وأكدت أنه كان قد زار البرلمان والتقى بأعضاء في كتلة ائتلاف الكرامة. وأعربت بعض المصادر من الشرطة الفرنسية عن تخوفها من صعوبة توسيع رقعة الأبحاث بسبب تواجد الإرهابي في فرنسا منذ 2009. ومن ناحيته فتح القطب القضائي التونسي لمكافحة الإرهاب تحقيقا تونسيا في العملية بما يخول له القانون التونسي ذلك في صورة ثبوت الجنسية التونسية للمجرم. وكان المحققون في فرنسا قد دونوا ارتباط جمال شقراني بمدينة مساكن التي ينتمي إليها كما هو شأن الإرهابي محمد لحويج بوهلال الذي قام بعملية نيس عام 2016. وتجري التحقيقات عن بعد للتحري في العلاقات الممكنة بين جمال شقراني والداعية الإسلامي المتطرف البشير بن حسن. ويبقى الملف السياسي للقضية مطروحا في خصوص ارتباط جمال شقراني من عدمه بحركة ائتلاف الكرامة المتطرفة و التي تمثل جزءا من الحزام البرلماني لحكومة هشام المشيشي.
جدل بين ضفتي المتوسط
تعددت التعليقات في فرنسا وتصب غالبيتها في اتجاه التنديد بالعملية ومطالبة الحكومة باتخاذ إجراءات إضافية لمواجهة ظاهرة «الذئاب المنفردة» وهم أشخاص دون سوابق عدلية ولم تذكر أسماؤهم في أي قائمة للإرهابيين. التثبت من هذا النوع من الإرهابيين يصعب على الباحثين. لكن الجدل يتواصل داخليا بين الحكومة والمعارضة التي تستغل كل عملية ارهابية للمطالبة بالحد من الهجرة ومقاومة الهجرة غير النظامية. وتتصدر أطروحات اليمين المتطرف المعادية للهجرة والمسلمين كل النقاشات وقد أخذت تتوسع داخل الأحزاب اليمينية التقليدية.
على المستوى التونسي تطور الخطاب السياسي كذلك.فبعد أن صرح الوزير الأول هشام المشيشي يوم 16 ديسمبر 2020 لقناة «فرانس 24» أن «من يقول هجرة غير نظامية يقول إرهاب» وقد تحررت الألسن للتشهير بعمليات «تسلل» الإرهابيين إلى أوروبا عبر موجات الهجرة غير النظامية المنطلقة من تونس. لكن هذه العملية الأخيرة تأتي في ظروف سياسية جديدة في تونس تقوم فيها شخصيات حزبية وبرلمانية تونسية بالتنديد بالعلاقة المشبوهة لائتلاف الكرامة ببعض الوجوه والحركات الجهادية. وهو ما سوف يعقد أكثر الولوج إلى حقيقة العلاقة بين جمال شقراني والحركة الممثلة في البرلمان.
وجاء الحوار الذي أدلى به الأستاذ عياض بن عاشور، عضو هيئة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، لصحيفة «لوبوان» الفرنسية ليكرس التحول الحاصل في الرأي العام التونسي في اتجاه تحميل الأحزاب الإسلامية التونسية مسؤولية نشر الفكر التكفيري الذي يولد الإرهاب الإسلامي. واعتبر عياض بن عاشور أن انتشار العمليات الإرهابية يشكل «مشكلة تونسية» ضلعت فيها حكومة «الترويكا» وحركة النهضة بالخصوص والتي ساهمت مباشرة بتقديم تسهيلات للجهاديين في جبل الشعانبي وتمكين الإرهابي أبو عياض من الإفلات. وعبر بصراحة عما يفكر فيه الشارع التونسي قائلا: «نحن التونسيون ضحية سياسة تواطئ مع الإرهاب تعتمدها بكل وعي سلطات بلادنا. أعتقد أنها مسؤولة على تسفير أعداد كبيرة من الشباب التونسي تم تجنيدهم إلى سوريا والعراق للانضمام إلى الحركات الإرهابية مثل داعش وأنصار الشريعة. هنالك مشكلة سياسية في تونس.» أن يصدر مثل هذا الخطاب من الأستاذ عياض بن عاشور المعروف بتحفظه وسلاسة كلامه مع صلابة مواقفه المبدئية مما يدل على تحول في الطبقة الفكرية والسياسية التونسية – المرادفة للتحولات في المجتمع الفرنسي – تجاه مجابهة ظاهرة الإرهاب الإسلامي بـ«تسمية القط قطا».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا