غيوم جديدة حول العلاقات الفرنسية الجزائرية: الوزير الأول الفرنسي يلغي زيارته للجزائر

أعلن القصر الحكومي الفرنسي أن إلغاء الزيارة التي كان من المفروض أن يقوم بها الوزير الأول جون كاستاكس إلى الجزائر في 11 أفريل كانت «بسبب جائحة كورونا».

وعلل ذلك كاتب الدولة للشؤون الأوروبية كليمون بون بقوله «إن الوضع الصحي لا يسمح للحكومة الفرنسية بأن تنتقل في عدد كبير إلى الجزائر». وفند الأخبار المتداولة في الصحافة الفرنسية والجزائرية حول «توتر» في العلاقات بين البلدين. وكان قد وقع تأجيلها سابقا في جانفي 2021 بسبب تواجد الرئيس عبد المجيد تبون في المستشفى للتداوي.
واشارت مصادر دبلوماسية مطلعة إلى أن مفاوضات تمت بين البلدين لتحضير الزيارة الرسمية وتشكيل الهيئة العليا الحكومية المشتركة التي تم إرساؤها عام 2014 في عهد الرئيس فرنسوا هولاند وهي المعنية بإدارة الحوار الفرنسي الجزائري. وكان الجانب الفرنسي قد أقر وفدا حكوميا يترأسه الوزير الأول ويشمل فقط وزير الخارجية جون إيف لودريان ووزير المالية والاقتصاد برونو لومار. وهو ما رفضه الجانب الجزائري الذي كان يرغب في إعطاء الزيارة مهمة أضخم عدديا وسياسيا. وقرر جون كاستاكس «تأجيل الزيارة» حسب التعبير الحكومي بسبب «جائحة كورونا».
وأكدت نفس المصادر العلاقات المتميزة بين الرئيسين إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون ومساندة الأول للثاني في انتخابات 2019 وحرصهما على تمتين العلاقات بين البلدين وتنقية الأجواء حول مسألة مصالحة الذاكرة و دعم العلاقات الاقتصادية والسياسية خاصة في مسائل الأمن في البحر الأبيض المتوسط و مقاومة الإرهاب.

خلافات جوهرية عالقة
إثر الإعلان عن تأجيل الزيارة صرح وزير العمل والضمان الاجتماعي الهاشمي جغبوب يوم 8 أفريل في مجلس الشيوخ أن فرنسا هي «العدو الدائم والتقليدي». وانطلقت حملة صحفية ضد فرنسا معتبرة قرار كاستاكس «استفزازا» للجزائر. ولوحت بعض الجهات بمقاطعة البضائع الفرنسية في حين لم ترد الدولة الجزائرية عن القرار الفرنسي. وتزامنت كلمات الوزير الجزائري مع زيارة رئيس أركان الجيوش الفرنسية الجنرال فرانسوا لوكوانتر للجزائر العاصمة في رحلة دورية طلب خلالها الجيش الجزائري مساعدة باريس من أجل «إعادة تأهيل» مواقع التجارب النووية الفرنسية التي أجريت في الصحراء الجزائرية بين 1960 و1966.
وذكرت مصادر صحفية جزائرية أن «توتر» العلاقات المفاجئ جاء بعد أن أعلنت باريس قبل أسبوع من الزيارة عن فتح قنصلية فرنسية في مدينة الدخلة في الصحراء الغربية التي تعتبرها الجزائر «ترابا صحراويا محتلا». وأكدت «غضب» الجانب الجزائري من القرار الفرنسي الذي يشير إلى انحياز فرنسا للموقف المغربي وذلك بعد أن غير الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب موقف البيت الأبيض باعتبار الصحراء الغربية جزءا من التراب المغربي. ويضاف الملف الصحراوي إلى الموقف النقدي للحكومة الجزائرية تجاه تقرير المؤرخ بينجامين ستورا حول المرحلة الاستعمار الفرنسي وحرب تحرير الجزائر في إطار مصالحة الذاكرة بين البلدين.

السفير الفرنسي والحراك
وكانت جريدة” ليبرتي” الجزائرية الصادرة بالفرنسية قد كتبت قبل الغاء الزيارة أن السفير الفرنسي بالجزائر، فرونسوا غوييت الذي شغل نفس المنصب في تونس، حاول خلال لقائه ببعض قادة الأحزاب السياسة الجزائرية إقناعهم بالمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، التي تقاطعها عدة أحزاب من الكتلة الديمقراطية. واعتبرت مصادر حكومية أن ذلك يعتبر تدخلا في الشأن الداخلي الجزائري. وقال عمار بلحيمر، وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، في حوار صحفي: «أعتقد أن السفير الفرنسي لن يفوت هذه الفرص الثمينة بفضل خبرته الكبيرة ومعرفته بحدود وقواعد الممارسة الدبلوماسية، وخاصة في الجزائر، التي لن تتردد، إذا لزم الأمر، في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتصحيح الوضع.»

وبالرغم من «أسف» وزارة الخارجية الفرنسية عن تصريحات الوزير الجزائري فإن الأوساط السياسية المطلعة في باريس تفسر الموقف الجزائري بالخوف من إدراج الأحزاب الإسلامية في العملية التي أصبحت تشارك بقوة في الحراك الذي وصل إلى 113 دورة تنظم يوم الجمعة وقد استأنف الحراك نشاطه بعد أن توقف بسبب جائحة كورونا.
وكان السفير الفرنسي فرنسوا غوييت المعروف بموقفه الداعي في تونس إلى «التوافق» بين الإسلاميين والديمقراطيين قد جمعه لقاءات مع الصحف الجزائرية في أكتوبر 2020 التي تدعوا إلى «انتقال ديمقراطي» في الجزائر وهو ما جعل الحكومة تعبر عن «استيائها» من اللقاءات ولو أن السفارة أكدت أنها لم تتدخل في الشأن الداخلي الجزائري، بل قامت باتصالات دبلوماسية عادية مع مكونات المجتمع المدني.

وتخفي إلغاء زيارة كاستاكس في الحقيقة الخلافات العميقة بين فرنسا والجزائر المتعلقة بملفات تعتبرها الجزائر جسيمة واستراتيجية مثل تغيير نظام الحكم والملف الصحراوي و الدور الجزائري في مقاومة الإرهاب على حدودها خاصة مع تواجد القوات العسكرية الفرنسي في برنامج برخان في بلدان الساحل الإفريقي. لكن باريس تراهن على الواقعية السياسية لطي صفحة الماضي واستئناف الحوار الهادئ مع الجزائر من أجل تطوير العلاقات الثنائية لخدمة المصالح المشتركة على ضوء تغيير موقف باريس من الإسلام السياسي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا