قمة تركية أوروبية في أنقرا لإصلاح ما أفسدته سياسة الهروب إلى الأمام: تركيا ترغب في تطبيع العلاقات مع أوروبا

بعد أخذ ورد وسلسلة من المفاوضات واللقاءات الافتراضية ارسل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استدعاء لكل

من شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي و أورسولا فان دار لاين رئيس المفوضية وذلك لعقد قمة تركية أوروبية قصد تعدي العقبات التي فرضتها السياسات التوسعية التركية الأخيرة والتي اعتبرت بروكسل أنها تستهدف أمن واستقرار دول الإتحاد الأوروبي.
وكانت تركيا قد قامت في الأشهر السابقة بتحركات مشبوهة ضد أوروبا خاصة منها العمليات الاستكشافية للنفط والغاز في شرق المتوسط ودخول بواخرها المياه الإقليمية اليونانية وتهديد سفينة تركية لباخرة فرنسية في السواحل الليبية قبل أن تقف أنقرة في صف أذربيجان في حربها على أرمينيا لاسترجاع جزء من كارا باخ بقوة السلاح.وتعثرت بموجب ذلك العلاقات الأوروبية التركية مما جعل المجلس الأوروبي يضع يوم 25 مارس الماضي تركيا «تحت الرقابة» إلى شهر جوان القادم ويهدد بفرض عقوبات صارمة على تركيا منها معاقبة المسؤولين على الشركة القومية التركية للنفط وعدم تسليم تأشيرات سفر الى عدد من كبار المسؤولين في الدولة.
تركيا نحو التطبيع مع أوروبا
مع دخول جو بايدن الى البيت الأبيض خسر رجب طيب أردوغان السند الأمريكي التقليدي وشعر أن الخروج من الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها تركيا بسبب جائحة كورونا سوف تصبح مستحيلة مع فرضية العقوبات الأوروبية. لذا تراجعت تركيا عن موقفها التوسعي ودخلت في مفاوضات مع اليونان. ونجح رجب طيب أردوغان في تحسين علاقاته مع مصر في خطوة لضمان المفاوضات مع أوروبا. وإن لم تفض اللقاءات مع الثنائي الأوروبي في اجتماع أنقرة في مارس الماضي إلى أي حل بل شعرت بروكسل أن رجب طيب أردوغان صفع أوروبا بقراره -بعد يوم من رحيل المسؤولين الاوروبيين- الخروج من معاهدة إسطنبول لمقاومة العنف ضدالنساء، فإن الموقف الأمريكي المعلن على لسان وزير الخارجية أنطوني بلينكن غير موقف بروكسل و أنقرة. إذ صرح بلينكن أن للولايات الأمريكية «خلافات مع تركيا» وأنها «حليف معتبر منذ زمن طويل ولنا حرص كبير على أن تبقى مغروسة داخل منظمة الحلف الأطلسي».
وعبرت تركبا من ناحيتها عن عزمها الاعتماد على «أجندة إيجابية» في تعاملها مع أوروبا مما جعل وزير خارجية الإتحاد الأوروبي جوزيببوريل يصرح أن العلاقات مؤهلة لطي «صفحة جديدة». أما المفوضية فقد عبرت عن عزمها على تطبيع العلاقات مع أنقرة ولكن في تمش «متواصل ومشروط وقابل للتراجع». وهي رسالة مسبقة بعثت بها القيادات الأوروبية لأردوغان لجعله يزن ثقل المغامرة خاصة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قائد الشق المناهض للإسلام السياسي داخل أسوار أوروبيا، لن يتراجع على توسيع رقعة الصراع في المنطقة المتوسطية وهو يخوض حربا ضد الحركات الإسلامية الجهادية في الساحل الإفريقي منذ سنوات.
وقود المفاوضات
تتمسك أنقرة بأوراق تفاوضية مهمةتتلخص في استضافتها لقرابة 4 ملايين لاجئ أغلبهم من سوريا وترعىوتدير، بالتعاون مع القوات الروسية، الشريط الحدودي مع سوريا ومنطقة إدلب السورية أين تختضن عشرات الآلاف من المقاتلين الإسلاميين التابعين لمختلف الفصائل الجهادية. ولها وجود عسكري امتد إلى ليبيا وقد صدرت-خلافا للقانون الدولي- العتاد العسكري والأسلحةوالخبراء والجنود والمقاتلين المرتزقة. وتتمتع إلى حد اليوم بوجود عسكري في قاعدة عسكرية في العراق وأخرى في قطر. وهي ورقات ضغط ومساومة في يد أردوغان يستعملها لفرض وجوده في الساحة العربية ولابتزاز بروكسل إن لزم الأمر.
أما الجانب الأوروبي فيتمتع أكثر من قبل بفرصة تغيير القيادة الأمريكية وحرص واشنطن على تحييد المنطقة لضمان انتقالها إلى استراتيجية احتواء القوة الصينية في منطقة البحر الهادي. الأوراق التفاوضية الأوروبية لها بريق وطعم اليورو. فقد أعلنت بروكسل عن عزمها على تمديد المعاهدة مع تركيا الخاصة باللاجئين ومدها بما قيمته 6 مليار يورو لإدارة المخيمات. وهو مبلغ يساعد تركيا على تخطي الأزمة الاقتصادية بعد أن فقدت الليرة ربع قيمتها مقابل الدولار في أقل من سنة. وتسرب من داخل المفوضية أن القادة الأوروبيين لن يطرحوا مسألة احترام حقوق الإنسام في التفاوض وأنهم يقبلون بانسحاب رسمي للقوات التركية المرابطة في ليبيا مقابل دعم أنقرة للقيادة الليبية الجديدة و الإبقاء على المليشيات المقاتلة. وأعلنت بروكسل أنها سوف تحيي الاتفاق الجمركي مع تركيا الذي يعتبره أردوغان مفتاح الخروج من العزلة في المنطقة.
وهي مقترحات يمكن أن تساعد ديناميكية تخفيف التشنج من أجل طي صفحة الماضي التي لم تفلح أنقرة في تحويلها إلى انتصار. لكن المتغيرات على الساحة المغاربية والتي يمكن أن تفضي إلى تغيير في موازين القوى على حساب قوات الإسلام السياسي سوف تبقى عقبة أمام تصالح شامل مع الإتحاد الأوروبي الذي دخل منذ أسابيع في منطق مقاومة الإسلام السياسي في الداخل وفي الخارجويضغط بقوة نحو فرض حالة السلم في ليبيا. وهو ما يعوق، على المدى المتوسط والبعيد، تحقيق المشروع العثماني الجديد. في تلك الظروف تصبح إعادة العلاقات مع الشريك الأوروبي بالنسبة لأنقرا ورقة ناجحة يستثمرها الرئيس أردوغان داخليا لبسط نفوذه على خصومه في تركيا وتعزيز نفوذه في انتظار مواعيد قادمة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا