توقيع اتفاق استراتيجي بين إيران والصين لمدة 25 سنة: بداية تغيير التوازنات في منطقة الشرق الأوسط

وقع في طهران يوم السبت 27 مارس 2021 وزير خارجية الصين وانغ يي مع محمد جواد ظريف وزير خارجية إيران اتفاق تعاون استراتيجي وتجاري

لمدة 25 سنة تزامن مع الاحتفال بمرور 50 سنة من العلاقات الدبلوماسية مع الصين الشعبية.وكانت طهران قد دخلت في نقاشات معمقة منذ خمس سنوات مع بيكين إثر زيارة الرئيس الصيني سي جين بينغ إلى إيران عام 2016 ولقائه المرشد العام علي خاميني.
وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية أن بعض التفاصيل تم تنقيحها صبيحة يوم السبت في لقاء جمع وانغ يي بمستشارولاية الفقيه علي لاريجاني المسؤول على العلاقات الإستراتيجية مع الصين. وكان جواد ظريف قد زار بيكين لتقديم حزمة من المقترحات وتبادل الملفات مع الجانب الصيني. وصرح الناطق الرسمي لوزارة الخارجية سعيد خطيب زاده أن الاتفاق يعتبر «خارطة طريق شاملة» فيها «بنود سياسيةواستراتيجية واقتصادية» تنظم العلاقات القادمة بين البلدين مدة 25 سنة. ويعتبر توقيت الاتفاق ردا مباشرا على الخطاب الهجومي لوزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية انطوني بلينكن في قمة آلاسكا الأخيرة التي كرست عدم التفاهم بين البلدين في الملفات العالقة بينهما. ويدخل الاتفاق مع إيران في إطار مشروع التهيئة التحتية التي أطلقتها بيكين مع 130 بلدا في مشروع طريق الحرير الجديدة.
ميادين التعاون المقترحة بين البلدين
إلى حد كتابة هذه الأسطر لم تنشر بعد تفاصيل الاتفاق بين البلدين. لكن جريدة «فايننشال تايمز» كانت قد نشرت منذ سنة مقالا بعد حصولها على 18 صفحة من ملف التفاوض ذكرت فيه أن ميادين النقاش شملت مسائل الطاقة والوقود والطاقة النووية والتكنولوجيا والدفاع ومشاريع بحرية لتسهيل المواصلات الصينية في المنطقة. أما البيان الرسمي للقمة فقد ذكر أن «التعاون يشمل تبادل الاستثمارات في ميادين النقل والموانئوالطاقةوالصناعاتوالخدمات».
وتعتبر الصين الشريك الاقتصادي الأول لإيران وهي أحد أهم الحرفاء في بيع النفط والغاز الإيراني قبل العقوبات المسلطة على طهران عام 2018 من قبل إدارة دونالد ترامب.وتمثل بيكين ملاذا لطهران بعدالعقوبات الأمريكية وتخلي ألمانيا على مشاريعها في إيران تفاديا لعقوبات واشنطن التي تمنع التعامل بالدولار مع إيران.وذكر مجيد رضا حريري رئيس الغرفة التجارية الإيرانية الصينية أن «المبادلات انخفضت إلى 16 مليار دولار عام 2020 في حين كانت 51،8 مليار دولار» عام 2014.لكن الملاحظين في بروكسل يعتبرون أن الاتفاق سوف يشمل كل الميادين التي دخلت فيها الصين مع إيران في تعاون منظم منذ سنة 2000وهي تطال كل القطاعات الحيوية للبلاد.
حقيقة التبادل الحالي
مع دخول القرن شرعت الصين في تطوير علاقاتها مع طهران إلى حد أن زرعت في إيران 100 مؤسسة صينية ضخمة تعمل على بناء المطارات،وميترو بيكين، وشبكات النقل والموانئ. وتشمل الاستثمارات الصينية في إيران قطاع الطاقة والكهرباءوبناء السدود وصناعة الإسمنت والبواخروبسط الطرقات السريعة وبعث شركات للتكنولوجيات المتقدمة. وتستورد إيران من الصين السيارات والأجهزة الإلكترونية والمعدات العسكرية والتكنولوجيا المتعلقة بتطوير الأسلحة البالستية.
لكن الميدان الإستراتيجي بالنسبة للصين يبقى ملف الطاقة الذي يسمح لبيكين بمواصلة مشاريعها التنموية مع شح المواد النفطية. وتعد إيران ثالث مورد للنفط نحو الصين بعد أنغولا والعربية السعودية. وهو ما جعل بيكين تستورد بكثافة من إيران كميات متزايدة من النفط والغاز الطبيعي تطورت في العشرية الأخيرة بنسبة 40%. وقررت بيكين عام 2004 توقيع اتفاقات استيراد للنفط والغاز لمدة 25 سنة. وهو ما جعلها تفكر في تطوير شراكة دائمة ترقى إلى المستوى الإستراتيجي.
وشرعت بيكين وطهران في ربط بلدان المنطقة بشبكة سكك حديدية بين مدن أورومكي (الصين) وألماتي (كازخستان) وبيشكاك (قيرغيزستان) وطشقند وسمرقند (أوزباكستان) وأشغبات (تركمانستان) وطهران (إيران). وهي الطريق التي تسمح للمنتوج الصيني بالعبور إلى منطقة الشرق الأوسط وأوروبا بأقل التكاليف. وتضاف هذه الشبكة إلى الموانئ المبرمجة في الخليج العربي وبحرالقزوين. وسوف يعمل الجانبان الصيني والإيراني، حسب الخبراء الأمريكيين، على تطوير التشريعات في مجال الاستثمارالخارجي والجمارك وفصل النزاعات.
الشرق الأوسط في المعادلة الإستراتيجية الصينية
اختارت الصين توقيع الاتفاقية مع إيران لما لطهران من مخزون نفطي (رابع احتياطي عالمي) وبعد تقييم العلاقات في العشرية الماضية. وتندرج إيران في إطار البرنامج الصيني الخاص بـ«التطوير الكبير في الغرب» الذي يعتني بتسهيل المبادلات التجاري في البلدان الواقعة غرب الصين الذي يشمل بناء ميناء غوادار في باكستان. وتدخل الاستثمارات الصينية في شبكة سكك الحديد الإيرانية تربط مدينة مشهد بميناء بندرعباس في الخليج في هذا التوجه.
وتلعب دبلوماسية الطاقة الصينية دورا هاما في العمل على فرض مناخ سلمي في منطقة التبادل التجاري. لذلك اختارت بيكين مد طهران بما يلزمها من معدات عسكرية دفاعية ومن تكنولوجيا تستخدمها في الصناعات العسكرية التي أخذت فيها طهران سبقا على باقي دول المنطقة. وتسعى بيكين من وراء الاتفاق الاستراتيجي الشامل مع طهران فرض الأمر الواقع على الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن تخلت عن حلفها الإستراتيجي مع إيران في الثمانينات. وتعمل بخطى ثابتة على سد الفراغ الذي تركته واشنطن في المنطقة مما يفتح نافذة أمام تمكين النفوذ الصيني في ملفات الشرق الأوسط وأولها إعادة إعمار سوريا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا