ماكرون يفتح الباب أمام مصالحة ذاكرتي فرنسا والجزائر: قصر الإيليزي: «هي خطوة للاعتراف بالحقيقة لكنها لن تفضي إلى تقديم اعتذارات»

قدم يوم 20 جانفي المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا تقريره للرئيس إيمانويل ماكرون في شأن «مصالحة الذاكرة بين فرنسا والجزائر»وذلك بعد أن كلفه في الصيف الماضي بدراسة تاريخية

تفضي إلى تقديم اقتراحات عملية لفتح الباب أمام «المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري». تقرير في 148 صفحة، سوف ينشر في كتاب في الربيع، يوصي بجملة من الخطوات العملية والرمزية التي، إذا تم اعتمادها، سوف تشكل قاعدة للحوار وتبادل الآراء وفرصة للبحث بروح جديدة غير مكبلة بالأحقاد في تاريخ العلاقات الفرنسية الجزائرية بما في ذلك فترة «الحرب في الجزائر» وهي العبارة المستعملة في فرنسا في السنوات الأخيرة بعد أن استعملت الحكومات المتعاقبة منذ خمسينيات القرن الماضي عبارة»أحداث الجزائر» في حين يخوض الجزائريون حرب تحريرهم.

ولم تقم الحكومة الجزائرية بأي تعليق على الحدث ولزمت الرئاسة الصمت في غياب الرئيس عبد المجيد تبون الموجود في ألمانيا للتداوي. لكن الأجواء الرسمية لم تكن منذ البداية مرتاحة للتمشي الفرنسي. وتجسم ذلك في رفض الجانب الجزائري مشاركة المؤرخ الجزائري الأستاذ محمد حربي، أحد الأعضاء التاريخيين لجبهة التحرير الوطني ومستشار الرئيس أحمد بن بلة، في هذا المشروع وتعيين المدير العام للأرشيف الوطني عبد المجيد شيخي الذي اقتصر، إلى حد الآن، على المطالبة بإرجاع كل الأرشيف الجزائري الذي هو في حوزة الدولة الفرنسية دون تقديم أي تصور من الجانب الجزائري لتخطي الصعاب التي يعيشها الطرفان في ترميم ما أفسده التاريخ.

خطوات نحو الاعتراف بالحقيقة والمصالحة
في حقيقة الأمر كان الجانب الجزائري في وضعية المطالب بخطوات من الدولة الفرنسية وريثة العهد الاستعماري لتنقية الأوضاع وأخذ إجراءات لإصلاح العلاقات بين البلدين. وقامت فرنسا، التي اعتبرت التراب الجزائري جزءا من ترابها من 1830 إلى 1962، في عديد المناسبات و مع رؤساء مختلفين بتغيير خطابها و أخذ قرارات رمزية لم تف بالحاجة. فبعد أن اعترف البرلمان الفرنسي عام 1999 بـ «حرب الجزائر»، اعترف الرئيس جاك شيراك عام 2005 بمجازر سطيف وقالمة عام 1945. من ناحيته ذكر الرئيس فرنسوا هولاند عام 2012 «بشاعة» النظام الاستعماري دون أن يندّد بموقف الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران الذي كان وزيرا للداخلية ووزيرا للعدل في حكومتين في عهد الحرب الجزائرية سهر فيها على إعدام 38 مواطنا جزائريا. ولم تكن جميع هذه الخطوات سوى مواقف رمزية لم تمكن من الولوج إلى صلب الشرخ الأليم الذي لا زال يهز أجيالا من طرفي البحر المتوسط.

الرئيس إيمانويل ماكرون، المولود بعد حرب تحرير الجزائر، يريد الدخول في عصر جديد من العلاقات بين فرنسا والجزائر وتعدي حالة النسيان والتنكر لما صدر من الجيش والدولة الفرنسية في الجزائر. وذلك واضح في خطاباته وفي الخطوات التي أخذها، بما في ذلك تكليف المؤرخ بنجامين ستورا بالملف. أول الخطوات التي أقدم عليها كانت تصريحاته خلال زيارته للجزائر، وهو مرشح للرئاسة عام 2016،بأن»حرب الجزائر تعتبر جريمة ضد الإنسانية». وبالرغم من الانتقادات من جانب بعض الذين شاركوا في الحرب والناشطين في حزب الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة، فإن ماكرون واصل خطواته بالاعتراف في سبتمبر 2018 في رسالة رسمية قدمها لزوجة الفقيد بدور السلطات الفرنسية في مقتل موريس أودان الناشط الفرنسي الداعم لاستقلال الجزائر.الخطوة القادمة ترمي إلى تصفية تركة حرب التحرير.

تشخيص الوضع الحالي
انطلقت السلطات الفرنسية في تشخيص الوضع بين البلدين. وبما أن القانون يمنع الإحصائيات العرقية فإن كل الدراسات العلمية، -وهي معتبرة من قبل السلطات في تقديراتها- تشير إلى أن هنالك 7 ملايين فرنسي لهم علاقة بهذا الملف المرتبط بنزع الإستعمار، أي فرنسي واحد على عشرة، من بينهم من ينتمي إلى «الأرجل السوداء» وهم متساكنو الجزائر من الأوروبيين الذين وقع ترحيلهم، وكذلك قدامى الجنود و«الحركيين» وهم مسلمون جزائريون ساندوا فرنسا في حرب الجزائر، وكل الجالية الفرنسية المهاجرة وهي تضم من يحملون الجنسيتين وأولادهم خلال جيلين على الأقل و كل المقيمين لأسباب سياسية أو اقتصادية. كل هذه الفئات لها ذاكرة مختلفة للأحداث خلال حرب التحرير مخلفاتها في الجزائر وفي فرنسا. وتشق هذه الذاكرة منافسة في مستوى التضحيات وفي سلم أهميتها بالنسبة للمجموعات المختلفة.
في المقابل تم تقييم مخلفات الحرب من الجانب الجزائري تختلف حسب انتماء «صانع الذاكرة» إذا كان ينتمي للسلطات الحاكمة التي تبث سرديات رسمية أو للعرب والبربر الذين يشكلون الشعب الجزائري. وتشق هذه التقييمات الخلافات السياسية بين المجاهدين والسياسيين وبين الإسلاميين والقوميين. وتكاد تتحد حول عدائها للاستعمار الفرنسي وتقييم كل خطوة وقرار فرنسي على أساس هذا العداء الراسخ في التاريخ. بل أن الجهات الرسمية تستخدمه لفرض شرعية تاريخية على سياساتها. وقد دخلت اليوم الجزائر في عهد «الحراك الشعبي» الذي له ذاكرة خاصة به لا تتعلق أساسا بالماضي الاستعماري بل هي تنظر إلى مستقبل الجزائر بمبادئ المواطنة الديمقراطية التي تتناقض مع الإيديولوجية الحاكمة منذ 1965.

هيئة الذاكرة والحقيقة
تقرير بينجامين ستورا يأتي في هذه الإطار المتشعب لينير الطريق أمام الفرنسيين والجزائريين. للمؤرخ الفرنسي شرعية أنه من مواليد مدينة قسنطينة من عائلة يهودية جزائرية تخصص في تاريخ الجزائر الحديث ويعتبر من أهم المؤرخين في هذا الموضوع. وقد قدم في تقريره 22 مقترحا تمد «جسورا في مواضيع حساسة» مثل المفقودين في الحرب وبقايا الانفجارات النووية في ستينيات القرن الماضي في صحراء الجزائر ومسألة الأرشيف وإعادة الاعتبار لشخصيات وطنية تاريخية وملفي التعذيب و الضحايا.

ويقترح التقرير إنشاء «هيئة الذاكرة والحقيقة» التي تتكون من شخصيات فرنسية وجزائرية يتم الاتفاق حولها تسهر على فتح مجال التعاون بين الباحثين والكتاب والمفكرين وتكون مركزة في باريس من أجل فتح الحوار مع الجزائريين في الضفتين. وسوف تتولى الهيئة تقديم مقترحات عملية، بعيدة عن اللغو الإيديولوجي، من ذلك اقتراح مناسبات قارة احتفالية حول إعلان اتفاقيات فيشي (19 مارس 1962) التي أدت إلى استقلال الجزائر وإعادة الإعتبار إلى الحركيين (25 سبتمبر) والتذكير بقمع الجزائريين في فرنسا 017 أكتوبر 1961). وتقوم الهيئة بتجميع شهادات المشاركين في هذه الأحداث على قيد الحياة وتنظم لقاءات فكرية وبحوث بنبش الذاكرة. الأعمال الرمزية المقترحة هدفها مس إحساس المواطنين بتدشين نصب تذكاري للأمير عبد القادر في فرنسا وإرجاع سيفه إلى الدولة الجزائرية. واقترح التقرير الاعتراف بقتل المحامي علي بومنجل عام 1957 وإدخال محاميته جيزال حليمي إلى «البانثيون» الفرنسي وهو مقبرة عظماء فرنسا، و إعطاء أسماء أوروبية لشخصيات مرموقة لشوارع في الجزائر والاعتناء بمقابر المسيحيين و اليهود وترميمها، أو إرجاع مدفع «بابا مرزوق» الذي كان يحرس مدينة الجزائر عام 1830و الذي تم نصبه في مدينة «براست» شمال فرنسا.

كذلك النظر في المسائل الخلافية التي تتعلق بالحركيين وبمشكلة تأشيرات السفر وفتح المجال أمام الطلية الجزائريين للدراسة في الجامعات الفرنسية وكذلك إرجاع الأرشيف المتعلق بالجزائر، كلها ملفات تتطلب تعاونا ثنائيا على المستويين السياسي والدبلوماسي لتخطي الصعاب. لكن هنالك مقترحات لفتح مجال البحث المشترك والتعاون الثقافي وبث الثقافتين للتعريف بخصوصياتيهما في البلدين وتنمية التعاون في مسائل المضامين الدراسية والنشر والترجمات وغيرها من المواضيع التي تساعد على التشارك لتقريب وجهات النظر.

رهانات المستقبل
تقرير بنجامين ستورا يشكل خطوة أولية تفتح بابا أمام المصالحة التي لا بد أن ترتكز على إرادة قوية في المشاركة من قبل الجزائريين حاملي الجنسيتين والمهاجرين المقيمين والفرنسيين «من أصل جزائري» و«الحركيين» وأبنائهم من الجيل الثاني و الثالث وكذلك ما تبقى من «الأرجل السوداء». وهي أجيال تحمل ذاكرات مختلفة في مضامينها السياسية والأخلاقية وجروح مفتوحة وخيبات أمل وانتظار لإعادة ترميم العلاقات التاريخية المكسورة. وهو رهان حقيقي أمام السلطات الفرنسية يمكن أن ينكسر أمام معاداة البعض لقانون «الانفصال» الذي يهدف إلى مقاومة الإسلام السياسي بعد أن فتحت فرنسا أبوابها للإسلاميين، بتعلة احتضان اللاجئين، المشاركين في «العشرية السوداء» في الجزائر.

أما في الجزائر، تبقى الذاكرة الوطنية للسلطة المؤسسة على عداء فرنسا وهي مسألة جوهرية بالنسبة لقدامى المجاهدين ضد الاحتلال، الذين لا يرغبون في المصالحة، مما يشكل عقبة أمام المصالحة. وعلى السلطات الجزائرية التي مازالت تستخدم حرب التحرير لفرض شرعيتها أن تنتقل إلى مبادئ فكرية عصرية لتخطي صعوبة التوافق مع العدو القديم. في المقابل، هنالك إمكانية تلوح في صلب شباب الحراك الذي لم يعش فترة حرب التحرير وهو يشكل لنفسه اليوم ضميرا جديدا ينظر إلى مستقبل ديمقراطي وقد دخل في عراك شعبي مع السلطة الحاكمة المتهمة بعرقلة مسيرة تحرر الأشخاص بعد أن تم تحرير البلاد. الوضع السياسي والصحي الحالي في الجزائر لا يسمح برصد الموقف الرسمي مع تغيب الرئيس تبون. لكن في كل هذه الحالات سوف يكتب التاريخ بين النيات الصادقة والنيات الخفية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا