رفع الخرطوم رسميا من قائمة الدول الراعية للإرهاب: السودان يقطف أولى ثمار تنازلاته للتطبيع مع إسرائيل

بدأ السودان يوم أمس في قطف «ثمار» تنازلاته عن دعم القضية الفلسطينيّة وإعلانه التطبيع رسميا مع الجانب الإسرائيلي، وذلك مقابل رفعه من قائمة الدول الراعية للإرهاب ،

ودخل القرار الأمريكي حيّز التنفيذ فعليا يوم أمس الإثنين وفق مصادر رسمية أمريكية وسودانية متطابقة. ويأتي رفع اسم السودان بعد 27 عاما على إدراجه على قائمة الدول الراعية للإرهاب في عهد الرئيس السابق عمر البشير بعد اتهامات لحكومته بتوفير «مأوى للجماعات المتشدّدة».

وقالت السفارة الأمريكية في الخرطوم في بيان «وقع وزير الخارجية على إشعار يفيد بإلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب اعتبارا من اليوم (14 ديسمبر). ويعني هذا القرار عودة الإستثمارات والمساعدات الأمريكيّة والغربيّة للسودان بعد سنوات من اتباع الولايات المتحدة الأمريكية سياسة العقوبات ضد الخرطوم .وكان إعلان الخرطوم رسميّا دخوله قائمة الدّول المطبعة مع الكيان الصهيوني مفاجئا للبعض ومرفوض في الشارع السوداني لكنه كان متوقعا خاصة وأنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وضع اشتراطات معينة لفرض هذا التعاون السوداني وفتح الباب أمام علاقات ثنائية مع الجانب الإسرائيلي وذلك مقابل رفع وصمة ‘’الإرهاب’’ عن الخرطوم وماترتّب عن ذلك القرار من تداعيات اقتصادية وسياسية .

وقال رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك على «تويتر»: «اليوم وبعد أكثر من عقدين، أعلن لشعبنا خروج اسم بلادنا الحبيبة من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وانعتاقنا من الحصار الدولي والعالمي الذي أقحمنا فيه سلوك النظام المخلوع.’’كما علق رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق عبد الفتاح البرهان، على الحدث، وكتب على حسابه الموثق في موقع «تويتر»: «التحية والتهنئة للشعب السوداني بمناسبة خروج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، هذا العمل العظيم نتاج جهد بذله أبناء بلادي ‘’.

خفايا وأبعاد
وأثار إعلان السودان بشكل رسمي عن دخوله في مرحلة التطبيع مع الكيان «الإسرائيلي» ردود فعل متباينة بين مندد ومرحّب.وبذلك تنضمّ الخرطوم إلى قائمة الدول التي تبنّت مؤخّرا بشكل علني سياسة التطبيع العلني مع الجانب الصهيوني على غرار الإمارات والبحرين والمغرب. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ «خمس دول عربية أخرى على الأقل ترغب في إقامة علاقات دبلوماسية مع «إسرائيل»، متوقعا أن تقدم السعودية على التطبيع».

ولاقت هذه الخطوة ردود فعل متباينة سواء على الصعيد الفلسطيني أو على الصعيد الدولي خاصة وأنها تأتي بعد أسابيع قليلة على قرار مماثل من الجانبين الإماراتي والبحريني والمغربي.

إلاّ أن هذا التوافق حول التطبيع السوداني لم يقتصر -على مايبدو- على الجانب الاقتصادي والمالي بل تعداه إلى توافقات سياسية تم بموجبها دخول السودان إلى قائمة الدول المطبعة مع الكيان «الإسرائيلي» وذلك بعد سنوات من الرفض والمقاومة السودانية لمشروع الكيان الصهيوني الاستيطاني والذي توجته الخرطوم بـ«لاءات ثلاث» دخلت بها سياستها الرافضة للتطبيع التاريخ ، فالخرطوم، التي خرجت منها القمة العربية في 1967، بالتأكيد على أنه «لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع «إسرائيل»، حتى أنها اشتهرت بـ»عاصمة اللاءات الثلاثة»، انضمت، أمس الأول الجمعة رسميا إلى قافلة الدول الراكضة لإرضاء أمريكا والمتحالفة مع الجانب الصهيوني.

وتعتبر خطوة السودان مفاجئة للرأي العام الدولي إذ تأتي بعد أشهر قليلة من إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين عن تطبيع العلاقات بشكل رسمي مع الجانب «الإسرائيلي» رغم الرفض والتنديد الفلسطيني وتحفّظ الدول العربية واستنكار بعضها لهذا الإعلان الرسمي عن إقامة علاقات رسمية بين الدول الخليجية وكيان الاحتلال الإسرائيلي وذلك برعاية الطرف الأمريكي.وبالاتفاق الأخير، تصبح السودان الدولة العربية الخامسة ، بعد مصر والأردن والإمارات والبحرين، التي تعترف بـ«إسرائيل» منذ عام 1948.

ويرى مراقبون أن التطبيع الإماراتي البحريني ومؤخرا السوداني والمغربي ستليه خطوات مرتقبة من دول أخرى عربية وخليجية في إطار مساعي الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب لتمرير «صفقة القرن «المزعومة وفتح الآفاق أمام علاقات جديدة لحليفتها ‘’إسرائيل’’ وذلك ضمانا لمصالحها في الشرق الأوسط والخليج العربي في مواجهة المد والنفوذ الإيراني المتزايد ، وفي سعي من ترامب لتسجيل نقاط انتخابية على حساب منافسه جو بايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة في نوفمبر القادم وكسبا لود اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية.

ووفق متابعين للشأن العربي تزيد قرارات الدول العربية التي تبنت سياسة التطبيع،من ضبابية الموقف العربي من الصراع بين كيان الاحتلال وأصحاب الأرض الفلسطينيين ، إذ طالما طالب الفلسطينيون بموقف عربي قوي وداعم لقضيتهم إلاّ أن المواقف اقتصرت على بيانات التنديد والاستنكار في غياب أي تطبيق واقعي للتهديدات العربية. ويعتبر متابعون أن الدعم الأمريكي لـ«إسرائيل» اقتصاديا وسياسيا مقابل ضعف الموقف العربي زاد من تعقيدات الصراع بين المحتل والسلطة الفلسطينية .

«التطبيع السوداني طعنة للقضية الفلسطينية»
من جهته قال الكاتب الفلسطيني مصطفى ابراهيم لـ«المغرب» أنّ « القرار الأمريكي برفع السودان عن قائمة الإرهاب جاء نتيجة الجهود التي قام بها ترامب لتطبيع العلاقات مع «إسرائيل»، وكأنه كان شرطا ضروريا لرفع الخرطوم عن قائمة الدول الراعية للإرهاب في ظل حكم المجلس العسكري الجديد وفي ظل مجلس الوزراء الجديد برئاسة عبد الله حمدوك .أعتقد أن هذا القرار ابتزاز من قبل الإدارة الأمريكية مقابل رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب عبر تطبيع العلاقات مع إسرائيل ،وهي خطوة جاءت في ظل السياسة التي يتبعها دونالد ترامب منذ وصوله للحكم عام 2016 حتى الآن عبر توخي طريقة ابتزازية للتعامل مع الأنظمة العربية وفرض شرط إدارته عليها».

وأضاف «هذا القرار يأتي نتيجة اتصالات أمريكية إسرائيلية مُستمرة مع النظام الحاكم في السودان، بالتزامن مع هذه الموجة والهرولة العربية نحو تبني سياسة التطبيع والتي أقدمت عليها الخرطوم ظنا منها أن علاقاتها مع إسرائيل ورفع اسمها من قائمة الإرهاب سيشكل حماية لها أمام الولايات المتحدة الأمريكية وقد يوقف ملاحقتها للمسؤولين السودانيين».
واعتبر الكاتب الفلسطيني أن «التطبيع السوداني طعنة للقضية الفلسطينية وطعنة للقومية العربية خاصة بعد ما كانت تمثله السودان التي سميت عام 1967 عاصمة اللاءات الثلاث، وهي الآن باتت راضخة لكل الاشتراطات الأمريكية الإسرائيلية ». وتابع»للأسف إعادة تشكيل التحالفات خدمة لـ«إسرائيل» أكثر من أنها خدمة للسودان ومصالحه خاصة في ظل موجة التطبيع الخطيرة التي تشهدها المنطقة العربية».

وأكّد محدثنا أن الحجج التي يتحجج بها السودان وقوله أن التطبيع ورفع الخرطوم من قائمة الدول الراعية للإرهاب دعم للانتقال نحو الديمقراطية مع السودان، أعتقد أنها كذبة كبرى وعلى السودان أن يثق أكثر في شعبه وموارده وعدالة القضايا العربية . فأمريكا في حد ذاتها داعمة للإرهاب الدولي وهي التي تقف حائلا أمام تقرير الشعوب لمصيرها والقضية الفلسطينية اكبر مثال على ذلك. هذا اختراق وانتقاص خطير من المبادرة العربية التي وضعت في 2002 والتي وافقت عليها جميع الدول العربية وتنصّ على أن إقامة علاقات مع ‘’اسرائيل’’ يجب أن يكون مشروطا بإنهاء الصراع العربي الفلسطيني والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا