فرنسا ... مرة أخرى الإرهاب يضرب الرأي الحر: أمام الحزن والغضب الشعبي ... تغير ملموس في سياسات الحكومة

مرة أخرى دخلت فرنسا مرة اخرى في بضعة أسابيع في متاهات الإرهاب الذي أخذ نهجا جديدا تجسم في عمليات إرهابية متكررة يقوم بها افراد ينتمون

إلى تنظيم «داعش» الإرهابي دون أن يكونوا معروفين لدى أجهزة الأمن ولا مرسمين في قائمات المشتبه فيهم. قطع رقبة أستاذ التاريخ صمويل باتي كان من قبل شاب شيشاني يبلغ من العمر 18 عاما لا يعرف ضحيته ولم تكن له معه أية علاقة يطرح من جديد إشكالية في وجه السلطات، التي استأنفت كعادتها الوعيد،وقد خرج الرأي العام الفرنسي، بالآلاف في جل المدن الكبرى للتظاهر، مسألة «التعامل» مع الحركات الإرهابية وسبل القضاء عليها في التراب الفرنسي، أسبوعا فقط بعد أن أطلق الرئيس ماكرون مشروع مقاومة ما سماه «الإنفصال الإسلامي».

ما ثبت إلى حد الآن أن القاتل يسمى عبد الله أبو يزيدوفيتش أنزوروف، من مواليد 2002 بموسكو، وهو لاجئ شيشاني مع أفراد عائلته في فرنسا يتمتع بحماية الدولة الفرنسية وبمساعداتها الإنسانية من مسكن ومنح وتغطية صحية وتعليم إلخ. ولم يكن في رادارات الأجهزة الأمنية كشخص «راديكالي» بل كان معروفا لدى الشرطة بأعمال خارجة عن نطاق القانون دون أن يؤدي ذلك إلى مثوله أمام القضاء. وأعلنت مصادر الأبحاث أن الجاني أطلق تغريدة على شبكة تويتربعد لحظات من قتله الأستاذ جاء فيها باللغة الفرنسية حسب ما ورد رسميا: «باسم الله الرحمان الرحيم (...) إلى ماكرون، زعيم الكفار، قد قمت بتصفية أحد كلاب النار الذي تجرأ على تدنيس محمد، قم بتهدئة أمثاله قبل أن يلحقكم عذاب أليم». من ناحيته الرئيس ماكرون ترأس مجلس الأمن القومي وقرر إجراءات «عاجلة» و»ملموسة» لمقاومة «الظلامية» معتبرا أنه «سوف لا يمكن للإسلاميين لن يناموا مرتاحين في بلدنا». وهو ما جعل السلطات تعتبر ذلك هجمة إرهابية . وثبت بعد التحقق من هاتفه أن عبد الله يزيدو فيتش قام بنشر 3000 تغريدة على شبكة تويتر ذات طابع إرهابي منذ جويلية الماضي.

أبحاث طويلة ومعقدة
وانطلقت الأبحاث مباشرة بعد عملية القتل البشع و قامت أجهزة الأمن بإيقاف 11 شخصا من بينهم أفراد عائلة القاتل وشخصين كانت لهما علاقة بالمجرم و شخصين قريبين من عائلة الإرهابي و الداعية الإسلامي عبد الحكيم السفريوي الذي تدخل مباشرة في المعهد مع أحد الأولياء ضد الأستاذ الضحية و نشر على صفحات التواصل الاجتماعي فيلما يندد بالإستاد و يطالب بـ«إيقافه عن حده». السفريوي إلى حد اليوم عضو الهيئة المديرة لمجلس أئمة فرنسا وهو معروف بمواقفه المتطرفة وبمحاولاته المتكررة للانقضاض على منابر الجوامع المعتدلة. وتقول أجهزة الأمن أنه ينتمي إلى حركة الإخوان المسلمين و أنه أحد أعمدة مساندة حركة حماس الفلسطينية.
وعلم المحققون من الأبحاث أن المجرم الشيشاني قدم مئات اليورو للتلاميذ أمام المدرسة من أجل التعرف على أستاذ التاريخ. مع تعدد المتدخلين المحتملين تواجه الأبحاث عثرات عملية تعزى إلى سن الجاني القاصر قانونيا مع تشعب المنظومة القضائية الفرنسية المتعلقة بالقصر ولو أن الجاني تمت تصفيته. وسوف يجد المحققون صعوبة في إثبات تورط بعض الجمعيات في العملية. ويبقى أن مؤسسات الجمهورية، مثل المجلس الدستوري ومجلس الدولة، تتدخل في بعض الأحيان لمنع الحكومة من القيام بمهامها ضد الإرهاب حفاظا على الحريات ولو أن الأشخاص المعنيين لا ينتمون إلى المجتمع الفرنسي أو أنهم قاموا بعمليات ضد مصالح وأرواح الفرنسيين.

ضحايا رمزيين
وصلت السلطات الفرنسية إلى الاعتقاد أن الحركات الإرهابية الإسلامية تستهدف الأنموذج الفرنسي الذي يعتمد على ثلاثة ركائز «الحرية والمساواة والأخوة» والإرهاب يضرب منذ عشر سنوات رموز هذه الحريات وأعمدة المجتمع الفرنسي. فبعد قتل الجنود والتهجم على مدرسين وأطفال من قبل محمد مراح عام 2012، قام إرهابي بذبح رجل أعمال عام 2015، و في نفس السنة تم الاعتداء على الفنانين في قاعة «باتاكلان» ثم على الصحفيين والمصورين في عملية «شارلي هبدو». وبعد هذه العمليات البشعة تم ذبح الأب هامل في كنيسته من قبل إرهابي إسلامي قبل أن تعيش باريس على وقع العملية الثانية ضد شارلي هبدو قبل شهر من اليوم. وأصبح الرأي العام الفرنسي في غالبيته متأثرا بهذه الأطروحة.
في المقابل، قامت أجهزة الأمن بعملها لإيقاف المجرمين والمشتبه فيهم. وحسب الإحصائيات الرسمية توجد اليوم قائمات بحوالي 8000 مشتبه فيهم تحت عنوان «أمني» من بينهم 4000 شيشاني. وتوجد قائمة أخرى لمجموع 3000 شخص تحت الرقابة الأمنية ويشتبه في علاقاتهم بحركات إرهابية.

حل جمعية مقاومة «الإسلاموفوبيا»
أول الإجراءات المعلن عنها، هي حل «تجمع مقاومة الإسلاموفوبيا» الذي تم بعثه من قبل حركة الإخوان المسلمين في فرنسا والتي تسانده عديد الجمعيات والأحزاب اليسارية الفرنسية. وبرر وزير الداخلية جيرالد دارمانان طلبه هذا بتورط الجمعية في عملية التحريض على الأستاذ صمويل باتي ببثها «فتوى» في شأنه في حين تتلقى دعما ماليا وتخفيضات جبائية من الدولة. كما ينوي الوزير حل جمعية «بركة سيتي» الإسلامية التي أسسها ناشط معروف بمواقفه السلفية. وثبت للمحققين أن الإرهابي اتصل بالأب الذي قدم شكوى ضد الأستاذ الضحية وكذلك مع الناشط الإسلامي عبد الحكيم السفريوي.
وبدأت فرق الأمن و الشركة في مراقبة 80 شخصا قاموا بتمجيد عملية الإرهاب على وسائل التواصل الاجتماعي في حين أعلن وزير الداخلية أن 50 جمعية أهلية ذات طابع إسلامي سوف تخضع للمراقبة و التفتيش في الأيام القادمة و أن عددا منها سوف يتم حلها. إلى جانب هذه الأعمال الوقائية قررت الحكومة تكثيف مراقبة المؤسسات التربوية عند الرجوع من العطلة المدرسية في نوفمبر وتقديم الدعم المباشر والسريع لكل مدرس يشكو من «تأثير خارجي» أو إكراهات تتعلق بعمله اليومي. وحرص رئيس الجولة على التثبت بسرعة من كل المعلومات المتأتية من الأوساط التربوية من أجل وقاية أعمال مماثلة. وصرح وزير الداخلية أن في اعتقاده «الإسلام السياسي يتحد مع الإسلام الراديكالي من أجل الوصول إلى الإرهاب» وأضاف «الإسلام السياسي هو العدو الداخلي». وقدم دارمانان لمجلس الوزراء قائمة تحتوي على 238 اسما من الإرهابيين المحكوم عليهم بالترحيل بعد انقضاء مدة سجنهم. وهي الخطوات الأولى التي نادى بها الحدث.

الطابور الخامس الشيشاني
تواجد 4000 شيشاني إسلامي على الأراضي الفرنسية يتمتعون باللجوء السياسي أصبح يشكل مشكلا داخليا وخارجيا للبلاد. في هذه الظروف المأساوية وقد جد الإرهابي الشيشاني عبد الله يزيدوفيتش محاميا في شخص الرئيس الشيشاني رمضان كاديروف الذي اعتبر أن الإرهابي «عاش وترعرع مع الفرنسيين وهو يتكلم ويكتب لغتهم. وقد قام بعمله هذا ربما وفقا لضميره ةذلك أخذا بالاعتبار أن الدولة لا تنصت للمؤمنين.»المحللون السياسيون في باريس أشاروا إلى أن النظام الشيشاني متطرف دينيا وهو يستغل مثل هذه الأعمال للتنصل من مسؤويته.
يبقى أن الملف الشيشاني يشكل في فرنسا بالنسبة للسلطات مشكلا أساسيا يصعب حله في إطار دولة القانون. من ناحية تشير أجهزة الأمن أن 4000 من المشتبه فيهم من المتطرفين الدينيين هم من الشيشان ومن ناحية أخرى لا تتمتع الحكومة بالآليات القانونية التي تسمح لها بالتعامل مع هذه الظاهرة الإرهابية الافتراضية والتي تمكنها من فرز المشتبه فيهم.

«السلاح عوض الدموع»
دخل الرأي العام الفرنسي والطبقة السياسية في حالة من الهلع والمزايدات السياسوية التي اختلطت لتعطي صورة ضبابية للمشهد السياسي تطغى عليها الانقسامات والمزايدات. وبدأت موجة جارفة لا يعرف أحد إلى أي مدى سوف تصل قوتها أو كيف يمكن لها أن تترسخ في السياسات و التوجهات القادمة قبلالانتخابات الجهوية و الرئاسية والبرلمانية القادمة.من ذلك أن مارين لوبان زعيمة التجمع الوطني نادت بالشروع في «عمل حربي» ضدّ الإسلام السياسي في حين صرح برونو روتاليو أحد قادة اليمين الجمهوري أنه حان وقت «السلاح عوض الدموع». وهي عبارات تشير إلى الحرب الأهلية و لو أنها مزايدات كلامية لا معنى لها في هذه الظروف و ليس لها امتداد داخل البلاد.
في نفس الوقت الذي تزايد القوى السياسية على الأزمة أصبح صوت المسلمين غير مسموع و في مقدمتهم أصوات المسؤولين في مختلف المؤسسات الإسلامية مثل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي ندد بقتل الأستاذ و طالب باحترام قوانين الجمهورية. كذلك الشأن بالنسبة لجمعية أئمة منطقة ليون التي نشرت نداء في نفس المعنى أو الصوت الصادح للإمام الشلغومي ، إمام جامع درانسي، الذي طلب العفو من عائلة الضحية و قدم التعازي لها مع التأكيد على خطر الإسلاميين وضرورة وحدة الصف لحماية المجتمع من خطر الحرب الأهلية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا