منبر: من نصرة القضية الفلسطينية إلى التواطؤ مع الصهيونية

د. عبد العزيز المثلوثي
ما تشهده المنطقة من أحداث وتطورات استراتيجية خطيرة تدفعنا الى طرح أسئلة عديدة حول ما تبقى من القدس ومن فلسطين؟

وكيف سلبت حقوقنا وارضنا؟ لا نريد -اليوم- البحث في كيفية إستهدافنا بل نريد ان نعرف ماذا فعلنا للدفاع عن حقنا وصون أرضنا ؟ كيف فرطنا فيها شبرا شبرا ؟ كيف تآكلت أرضنا وتقلّصت وانجرفت وتبخرت مياهها؟ ولماذا ؟
فأعداؤنا يسرعون في مسعاهم ونحن نسرع في خيبتنا، وإذا توقف مسارنا المنحدر، يشعلون عندنا نارا فيتبخر ويتجزأ ما بقي لنا. وإن امتنعوا لبرهة نستعير منهم الثقاب ونشعل نارنا و«بيدي ولا بيد عمرو».
وعلى مرّ السنين وبالنظر الى مجريات الأحداث والكيفية التي دار بها الصراع والطرق والتدابير التي طُرحت من طرف العرب وحكامهم في مجابهة العدوان ونصرة فلسطين، يمكننا ان نصنف ثلاث حقب او مراحل زمنية متتالية، تعاقبت منذ 1948. وقد برزت في كل مرحلة أنظمة وزعامات متزامنة هيمنت على المشهد السياسي العربي وتميزت بمواقفها من القضية الفلسطينية وطرحها وطريقتها في التعامل زمن الحرب وزمن الهدنة.
ففي البداية هيمنت على المشهد زعامات وشدّدت على ولائها التام لفلسطين وتميزت بالاندفاع والأحاسيس الجياشة، وقد انفردت بالرأي وطمست كل من خالفها ودعت للحرب ولا شيء غيرها وافتقدت لبعد النظر وخاضت حروبا دون جاهزية وحسن تدبير أو خطط واضحة ودون ان تناقش مسارات بديلة فكان مآلها الفشل. ورغم تفوق الجيوش العربية في العتاد و العدة آنذاك إلا أننا خسرنا الحرب والأرض. هزتنا الخطابات الرنانة وخابت آمالنا على ارض الواقع.

وقد يكون مساهما بأهمية في هذا الانكسار وجود بعض الأنظمة المستترة والتي ظهرت على انها تأبطت القضية الفلسطينية غير أنها كانت تجاري المسار دون الإقنناع بضرورة التقدم نحو تحرير الأرض وربما كانت تحاول أن تخفي خذلانها ومتاجرتها بالقضية ولم يكن هذا ليخفى على عدة محللين سياسيين وحربيين.
ثم وتزامنا مع بروز حركة فتح للعلن (جانفي 1965) عشنا مرحلة ثانية برزت فيها قيادات أكثر ليونة وبنظرة مختلفة ، وبالتزامن اتسمت كثير من الأنظمة بخطاب جديد يقبل بالأمر الواقع . وربما عاد هذا الأمر لقناعات شخصية بانعدام جدوى تحرير الأرض والاكثر نتيجة لنظام الجوسسة الذي كرسته «إسرائيل» واخترقت به السياسات العربية ووجهتها إلى ما تريد أو ان بعض الحكام العرب أرسوا سياسة التواطؤ وتاجروا بالقضية من أجل البحث عن دعم امريكي لتثبيتهم في مناصبهم وجعلهم يصمدون امام ضغط شعوبهم و درء خطر الاطاحة بهم من الداخل. اذ بدأت أصوات المعارضة الداخلية ضدهم تتعالى جراء الفقر والجهل والتهميش وبروز عصابات حاكمة لا وطنية همها الوحيد سلب الشعب والتفرد بالمال والسلطة، غير مبالية بالقضية وبوضع المقاومة.
وبدأ الفلسطينيون يتيقنون بأن عليهم مجابهة قدرهم بمفردهم. وحتى الدول التي سميت بدول الصمود والدول الصديقة والداعمة للقضية ، حُشرت في نفس الزاوية وها نحن نرى ما حل بها من خراب انجز بدعم «اخوة عرب» تحولوا الى ممولين منفذين لمآرب «اسرائيل» وامريكا، ولولا المقاومة الباسلة لما كنا نتكلم الآن عن غزة والضفة والقدس.

اما الآن ومنذ ما سمي بالربيع العربي سقطت كل الأوراق وبان كل شيء واتضح وأصبحت عدة أنظمة لا تتورع في التبجح والتباهي بالتطبيع واقامة علاقات «أخوية» مع الكيان المحتل والوقوف في وجه ابناء جلدتها وأصبحت تكن لدول عربية وإسلامية عداء لا مثيل له.
ماذا حدث وماذا يحدث في العالم العربي ؟ ما رأي علماء النفس وعلماء الإجتماع في تغير بوصلة الحاكم العربي؟ وهل بقي لما يسمى بـ«جامعة الدول العربية» محل من الإعراب؟ كيف كانت مصلحتنا في تأسيسها ؟ أما زالت لنا مصلحة قادمة في الحفاظ على هذا الهيكل بصفته الحالية أم أن مصلحتنا في أن تواصل الجامعة العربية خدمة «إسرائيل» على حساب فلسطين وقد ألفنا هذا الدور منذ عهود؟ وكيف السبيل لاسترجاع الحق المسلوب؟
ورغم القناعة بحق كل شعوب المنطقة في العيش بكرامة وفي سلام الا ان المؤشرات لا تدل على ان الآتي سيكون في صالح انظمة التطبيع ولا المعتدين اذا بقي الحال هو الحال. فإسرائيل الآن تعوّل على حكام عرب ليست لهم شرعية داخلية و طريقهم مسدود، أنظمة تخطط وتسير ضد مصالح الشعوب ولا يمكن لها ان تستمر. ولعل السؤال هو ما الذي سيحصل عندما تستفيق الشعوب العربية وتصعد أجيال جديدة من السياسيين الوطنيين المثقفين و القادرين على المناورة وإبداء الرأي السديد ولمّ الشمل والعمل على إحداث تقارب سياسي بين الأديان والمذاهب في المنطقة العربية عوضا عن سياسة العنف المتفشي .
وهل فكرّ الإسرائيليون في ذلك ؟ أم أنهم يتصورون يأنهم سيهنؤون بالسلام في أرض سلبوها دون حق ؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا