الإعتداء الأمريكي على القانون الدولي في مواجهة إيران

توفيق المديني
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في بداية شهر نوفمبر القادم، كشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أنيابه، بإعلانه في بيان جاء فيه،

أنَّ «الولايات المتحدة أعادت تفعيل العقوبات الأممية على إيران»، مؤكدا على أنَّ إعادة العقوبات «توجه رسالة واضحة إلى النظام الإيراني وأركان المجتمع الدولي الرافضين الوقوف في وجه إيران». ووّقع ترامب، مرسومًا يجيز فرض «عقوبات اقتصادية شديدة بحق أي دولة أو شركة أو فرد يسهم في تقديم وبيع ونقل أسلحة تقليدية إلى إيران»، وفق ما أورد روبرت أوبراين مستشار ترامب للأمن القومي.

وكان ترامب قد أعلن عن انسحاب الولايات المتحدة يوم الثلاثاء 8 ماي 2018، من الاتفاق النووي، الذي وقعته الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع القوى العظمى الست: الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن (أمريكا، فرنسا، بريطانيا، روسيا، الصين) إضافة لألمانيا ، في جوان 2015. ولعبت العوامل الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط دورًا في تغيير وتيرة مجريات الأحداث بالنسبة للاتفاق النووي ،الذي وقّع في عهد الرئيس السابق الديمقراطي باراك أوباما.

وجاء ترامب مختلفًا اختلافًا شاسعًا عن سلفه، وعن الرؤساء الجمهوريين السابقين، إذ رفض منذ البداية عدم نص الاتفاق النووي ،على حظر برنامج إيران للصواريخ الباليستية، كما رفض تحديد جداول زمنية لرفع الحظر عن أنشطتها النووية، فضلا عن امتعاضه من سكوت الاتفاق عن ما يسميها أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط ودعمها الإرهاب.

عزلة أمريكا
جاء قرار ترامب بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران في ظرف غير مناسب لأمريكا، حيث بدأت واشنطن حربها التجارية على الصين وشركائها في الأمريكيتين، كما أنَّها لم تعد القوة الوحيدة في إقليم الشرق الأوسط، ذلك أنَّ روسيا بدأت في ترسيخ مواقعها في سورية. ومن ناحية أخرى، فإنَّ فرض العقوبات الأمريكية الجديدة على قطاع الطاقة الإيراني لن يجد فرصة كبيرة على أرض الواقع للتطبيق، لأنَّ إيران تعايشت مع العقوبات الأمريكية على مدى عقود طويلة، ومن ناحية ثالثة أنَّ واشنطن التي تطبق عقوبات على تركيا وروسيا و إيران ، وحربًا تجارية مع الصين ،أصبحت معزولة، وربما تعاقب نفسها في هذه الحالة.
نشرت مجلة فورين بوليسي « الأمريكية تقريرًا قالت فيه إنّ إدارة ترامب احتفلت بعيد ميلاد الأمم المتحدة الخامس والسبعين بتصعيد حملتها لقتل أحد أهم الاتفاقيات خلال هذا القرن، وهي الاتفاقية النووية مع إيران عام 2015.

وقالت المجلة « إنَّ الجهود أحادية الجانب من أمريكا لإعادة فرض العقوبات على إيران، ذهبت أدراج الرياح حيث أكدت القوى داخل الأمم المتحدة تأييدها للاتفاقية، وقاوم الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيريش طلبا من وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيولإعادة فرض العقوبات متعددة الأطراف.

وحثَّ معظم كبار المسؤولين في إدارة ترامب بمن فيهم بومبيو ووزير الدفاع مارك إسبرو مستشار الأمن القومي روبرت اوبراين – في مؤتمر صحفي الدول الأخرى للالتزام بإعلانها يوم الاثنين عن فرض عقوبات الأمم المتحدة التي كانت موجودة قبل اتفاقية عام 2015 التي تم التوصل إليها مع ايران بالمفاوضات خلال إدارة أوباما، وأعلنت أمريكا أيضا المزيد من العقوبات أحادية الجانب على المسؤولين المؤسسات الإيرانية ذات العلاقة بإنتاج الأسلحة.

ولم يتبع أحد تقريبا أمريكا، مما يبرز آخر فشل لجهود إدارة ترامب في حشد العالم خلف حملة الضغط الأقصى ضد إيران. فلم يستمع أحد من الموقعين على اتفاقية عام 2015، بمن فيهم بريطانيا وفرنسا وألمانيا و الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، إلى نداء أمريكا بالعقوبات، مع أنَ الأخيرة حصلت على تعبير عن الدعم من الكيان الصهيوني كما دعمت دول الخليج العربية تجديد حظر الأسلحة على إيران.

أما سفيرة ترامب للأمم المتحدة ، كيلي كرافت فتجاهلت هذا الرفض التاريخي. وقالت: «لا نحتاج إلى مشجعين لتأكيد صحة بوصلتنا الأخلاقية. ولا نجد ارتياحًا بناء على الأعداد فقط، وخاصة عندما وجد الأكثرية أنفسهم في موقع غير مريح يضمن استمرار الإرهاب والفوضى والصراع.. ونرفض أن نكون أعضاء في ذلك النادي».
وقال بومبيو: إنَّ البلد المعزول اليوم هي ليست الولايات المتحدة ولكنها إيران .. بهذه الأفعال جعلنا الأمر واضحا بأن على كل دولة عضو في الأمم المتحدة مسؤولية فرض هذه العقوبات، وذلك يشمل بالتأكيد المملكة المتحدة وفرنسا...

الموقف الإيراني
أثارت المواقف الأمريكية بشأن العقوبات الجديدة على إيران، ردود فعل أوروبية غاضبة، فضلا عن تلك الصادرة من طهران، تؤكد عدم صلاحية واشنطن بتفعيل بند في الاتفاق النووي، كونها خرجت منه قبل أكثر من عامين.
وجاء الموقف الإيراني الأقوى و الأهم على لسان مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي الذي قال : إنه لا حرب و لا مفاوضات مع أمريكا في ظل إدارة ترامب، ويعني ذلك أنَّ القيادة الإيرانية لن تفاوض مجددًا في ملفها النووي، وتراهن على حصول تغيير في الإدارة الأمريكية قد يعيد العقلاء إلى واجهة الحكم في الولايات المتحدة. فالإدارة الحالية تعاني كثيرًا من المشاكل على الصعيدين الداخلي و الخارجي،ومن غير المنطقي أن تستمر في إدارة شؤون الدولة الأعظم في العالم الطريقة الترامبية الكلاسيكية، أمريكا ترامب ليست على وفاق مع أحد، و ليست على وفاق مع نفسها، و لا يمكن أن يتوقع كيفية انتهاء الصراع الدائرداخل أروقة الحكم في الولايات المتحدة ،أو خارج الولايات المتحدة التي لم تترك أحدًا في منأى من المشكلات والصراعات، حتى أقرب حلفاء واشنطن ليسوا على وفاق معها، و لا سيما في القارة الأوروبية و بعض دول الشرق الأوسط كتركيا والباكستان.

حدود التعارض الأوروبي-الأمريكي
رفض وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث، ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، المحاولات الأمريكية بإعادة فرض العقوبات الدولية من جانب واحد على إيران.
وجاء في بيان وجهه وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث: «الولايات المتحدة حاولت قبل 30 يوما إطلاق عملية إعادة العقوبات ضد إيران..فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة تذّكر أن الولايات المتحدة ومنذ انسحابها من الاتفاقية النووية مع إيران في 8 مايو 2018 لم تعد طرفًا في خطة العمل الشاملة المشتركة.. وعليه فإن أي إجراءات وقرارات لواشنطن لن يكون لها أثر قانوني ومصداقية قانونية».

وأضاف البيان: «لا تزال الدول الثلاث ملتزمة بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2231 في الأمم المتحدة، وتم اعتماد عام 2015 خطة العمل المشتركة الشاملة (بخصوص الاتفاق النووي الإيراني).. لقد دعونا منذ ذلك الحين وعملنا بلا كلل، ومازلنا ليومنا هذا مستمرين بالحفاظ على الاتفاق النووي».
كما أبلغت بريطانيا وفرنسا وألمانيا مجلس الأمن الدولي بأن إعفاء إيران من عقوبات الأمم المتحدة بموجب الاتفاق النووي الموقع عام 2015 سيستمر بعد 20 سبتمبر.

ويتساءل الخبراء في العالم ، هل تمتك الدول الثلاث الكبيرة في الاتحاد الأوروبي ألمانيا وفرنسا و بريطانيا، المعارضة لفرض هذه العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران ،القدرة الكافية ،على مواجهة الولايات المتحدة في هذا الإطار.
هنالك مصالح مشتركة لدول الاتحاد الأوروبي في تفادي انفراد الولايات المتحدة بالملف الإيراني. وليست هذه المرّة الأولى التي تعارض فيها الدول الأوروبية العديد من السياسات الأمريكية، التي تعدُّ «أحادية الجانب»، خلافًا للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن:
كانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، ومن الاتفاق النووي مع إيران، وسعيها لتصفية القضية الفلسطينية بعيدًا عن القرارات الدولية المتعلقة بها.

وتخشى الدول الأوروبية من التوترات العسكرية والأمنية في الشرق الأوسط، وذلك لأنَّها عرضة لتداعيات أي مواجهة في محيطها، وخصوصًا ما يتعلق بتدفق اللاجئين الفارين من الحروب والأزمات الاقتصادية إلى أراضيها.

ومن بين الملفات الشائكة التي أظهرت إصرارًا أوروبيًا على التحرر من الهيمنة الأمريكية، نذكر على سبيل المثال، عدم انسياق الدول الأوروبية مع التصعيد الأمريكي ضد الصين، ومعاندتها الموقف الأمريكي بشأن الاتفاق النووي الإيراني، وإصرار الأوروبيين على استيراد الغاز الروسي. فها هي ألمانيا تدعو إلى إنشاء نظام مصرفي مستقل عن «سويفت» الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، في السياق ذاته. كما وقعت الدول الأوروبية اتفاقية خاصة لتجاوز العقوبات الأمريكية ضد الشركات التي تتعامل مع إيران، في إشارة إلى «انستكس» التي بدأ التعامل بها في افريل الماضي.

وعلى الرغم من هذه المواقف الأوروبية المتعارضة مع المواقف الأمريكية، فإنَّ هناك حدودًا لهذه المعارضة، إذ لا تستطيع الشركات الأوروبية الكبرى أن تتفادى خرق العقوبات الأمريكية، وذلك خوفا على مصالحها الاقتصادية مع الولايات المتحدة. فالمواقف الأوروبية المؤيدة للاتفاق النووي والمعارضة لإجراءات واشنطن تنحصر على الجانب النظري من القضية، لأن الأوروبيين غير قادرين على اتخاذ خطوات عملية بوجه الولايات المتحدة.

ويذهب الخبير في الشؤون الإيرانية عدنان زماني إلى أبعد من ذلك، حيث يرى أن سياسات الدول الأوروبية في الأصل منسجمة مع واشنطن، وأن «ما يجري من معارضة واختلاف في وجهات النظر ما هو إلا سياسة تم الاتفاق عليها بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة وذلك من أجل الضغط على إيران وعدم إعطائها الحجة الكافية للخروج من الاتفاق النووي.

مشكلة الرئيس ترامب ومأزقه الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط ، يكمن في تنكره لقيم السياسة الأمريكية البراغماتية، وأصبح مجرد وحش يتغذى من المال العربي ،ويريد تحقيق أحلام الحركة الصهيونية العالمية، واللوبي الصهيوني في أمريكا، و إسرائيل، بهدف إعادة انتخابه لولاية ثانية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا