منبر: روسيا والإنقلاب على أردوغان في سوريا

تحولت سياسة تركيا على يد زعيمها أردوغان من صفر مشاكل مع الجوار إلى إعلان الحرب على الجميع، ولكنه عجز عن تحقيق أهدافه في سورية

رغم عملياته العسكرية الواسعة واستعانته بالتنظيمات والعصابات الإرهابية هناك، والخسائر الفادحة التي تعرضت لها قوات الجيش التركي في سورية، على يد مقاتلي الجيش العربي السوري، وضعته في موقف لا يُحسد عليه خاصة في ظل الدعم الروسي للقوات السورية.
لذلك يبحث الرئيس التركي عن ملاذ آمن للخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه، محاولاً الاستفادة من كل الوسائل للوصول إلى اتفاق مع روسيا لوقف إطلاق النار في إدلب بالشمال السوري، ولاسيما بعد قصف الجيش السوري لمواقع الأتراك الذي كبد أنقرة الكثير من الخسائر في الأسلحة والعتاد العسكري والجنود.

على خط مواز، يعتبر الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الرئيس التركي سوء تقديره لقوة خصومه، وقدرة الجيش السوري وحلفاؤه على الصمود طوال هذه السنوات، برغم الدعم الغربي-الإسرائيلي له، حيث أدركت تركيا أن الجيش السوري عازم على تحرير ادلب مهما طال الزمن أو قصر، خاصة بعد أن أصبحت عاجزة عن مواجهة ضربات الجيش السوري وحلفائه، لذلك فإن كل ما يحدث الآن من تهديدات تركية ما هو إلا مسكنات لتخفيف وطأة سقوط إدلب في يد قوات الجيش السوري في ظل عدم ثقة تركيا بالولايات المتحدة وحلف الناتو عموماً، وانحسار الدور التركي في المنطقة منذ عام 2013 بعد رحيل نظام الإخوان في مصر، ثم رحيل نظام البشير في السودان، والتدخل الروسي في سورية الذي جمد الدور التركي، الأمر الذي يقلص الخيارات التركية ويجعلها أكثر خشية و تعقيداً.

وفي الاتجاه الأخر تضغط موسكو على أنقرة لتقليص وجودها العسكري في منطقة إدلب، وسحب الأسلحة الثقيلة من المنطقة الأمر الذي لاقى قبولاً لدى الجانب التركي، فضلاً عن قيام موسكو وأنقرة بتدريبات عسكرية مشتركة في إدلب، اشتملت على وسائل لتعزيز التعاون والتنسيق أثناء تسيير الدوريات المشتركة فيما بينهما.

لذلك يبقى مسار العلاقة الروسية التركية محفوفاً بالمخاطر، لأن خيارات أنقرة محدودة في مواجهة تقدم الجيش في الشمال السوري وسيطرته على مناطق إستراتيجية هناك بدعم من الطيران الروسي، وإنطلاقاً من ذلك فإن الروس ليسوا على استعداد لإعطاء تركيا أي فرصة في التفاوض على مستقبل سورية بعد الجهد الذي بذل عسكرياً واقتصادياً لاستعادة فرض السيادة السورية على كافة أراضيها، وهذا سيضع حكومة أردوغان في مأزق داخلي أمام الشعب التركي الذي ينتظر تحركاً تركياً ينسجم مع حدة التصريحات السياسية.

من الطبيعي أن تفشل تركيا في سورية، و لعل حزب العدالة والتنمية قد اكتشف مؤخرا أن تسلّق الشجرة السورية ليس سهلا وأن المشكلة ليست في إعلان بداية الحرب بل في كيفية إنهائها، و بطبيعة الحال، ضخت تركيا ترسانتها المليئة بالأسلحة الأمريكية الصهيونية بالإضافة إلى ملايين الدولارات في هذه الحرب على الشعب السوري بداعي إسقاط النظام السوري، وفي النهاية سقط حزب العدالة والتنمية في الامتحان السوري، وكل ما أنجزه تدمير للبنية التحتية و قتل الآلاف من الأطفال و النساء ، في حين لا زالت القوات السورية تدك القواعد التركية بنيران الصواريخ و ترفض رفع الرايات و الاستسلام.، بذلك فشل أردوغان في تحقيق مآربه في سورية بعد التحذيرات الروسية التي ألجمت أطماعه هناك، كما تبدو تركيا المتضرر الأكبر وهي تراقب إعادة تشكيل المنطقة على وقع تنسيق روسي- سوري-إيراني، وتطورات ميدانية قلبت الموازين على الأرض السورية.

وإنطلاقاً من ذلك يمكنني التساؤل: هل ستبدأ أنقرة بمراجعة حساباتها، خاصة بعد ان شعرت بارتفاع المعنويات لدى الجيش السوري وحلفائه في المرحلة الراهنة؟ وهل بدأت تركيا بدفع الثمن كونها طرف أساس في الأزمة السورية؟، فالمأمول هنا آن تدرك أنقرة حجم المغامرة التي يدفعها الأمريكي نحوها، وأن تبادر إلى مراجعة حساباتها، وتجنب التورط بقدر الإمكان بالمستنقع السوري.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا