أوروبا تعطي بريطانيا مهلة للتراجع عن خرق القانون الدولي في شأن «البريكست»: تعنت بوريس جونسون يفتح الباب أمام عاصفة دبلوماسية

إنطلق مجلس العموم أمس في مناقشة قانون تقدمت به الحكومة البريطانية الخميس الماضي في شأن «ترتيب السوق الداخلية»

يتراجع فيه عن بعض بنود «قانون إتفاق البريكست» الذي صادق عليه الإتحاد الأوروبي وبريطانيا العظمى العام في الماضي. جاءت هذه الخطوة في أجواء غير مطمئنة حول توصل الطرفين إلى تحقيق اتفاق في شأن التبادل الحر بعد جانفي 2021. وكان الوزير الأول بوريس جونسون قد إدعى أن أوروبا تريد «خنق» أيرلندا الشمالية غذائيا حسب زعمه. لكن وزيرة العدل الأيرلندية هيلين ماك إنتي فندت ادعاء بوريس جونسون الذي لم يتأخر عن المضي في مشروع سن القانون الجديد.
وأربك الموقف البريطاني المسؤولين الأوروبيين واعتبروه «استفزازا» من قبل جونسون يضاف إلى الصعوبات المسجلة من قبل فريقي التفاوض حول الوضع النهائي ما بعد الطلاق واللذين سوف يجتمعان في الأسبوع القادم للسعي إلى إيجاد صيغة لسن قانون للتبادل الحر بين الطرفين. لكن قانون السوق الداخلية، يتراجع بكل وضوح في مسألتين هامتين بالنسبة للأوروبيين هي العلاقة بين الأيرلنديتين والانضباط لمنظومة حقوق الإنسان الأوروبية، أعاد خلط أوراق التفاوض. وهو ما جعل كاتب الدولة للشؤون الأوروبية الفرنسي يعتبر أن القانون «النابع من ديمقراطية عريقة غير معقول» وأنه على المسؤولين في لندن «التراجع عن نص تفاوضوا من أجله، صادقوا عليه وتراجعوا عن وعودهم». أما رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال فقد حث البريطانيين على تطبيق الاتفاق المبرم لآن «ذلك يمس من المصداقية الدولية لتوقيع المملكة المتحدة».
بروكسل ترد بقوة
وانتقل ماروس سفكوفيتش نائب رئيس المفوضية الأوروبية إلى لندن للتعبير عن قلق الإتحاد الأوروبي ولم بتمكن من اقناع نظيره البريطاني مايكل غروف، المعروف بعدائه للاتحاد وبحماسته في الطلاق منه والذي أكد أن لندن لن تسحب قانونها من مجلس العموم. و نشرت المفوضية بلاغا في هذا الشأن شديد اللهجة يختلف عن خطابات كبير المفاوضين ميشال بارنيه الذي يؤكد على «الصداقة» بين الطرفين. وجاء في البيان أن « موقف لندن هز ثقة الإتحاد في بريطانيا» وأنه على الحكومة البريطانية «أن تعمل على إعادة الثقة».
من ناحيته اتخذ البرلمان الأوروبي، الذي يواكب تطور المفاوضات بدقة، موقفا واضحا مؤكدا بصفة قطعية أنه طالما لم يتم تطبيق الاتفاق بحذافيره وبحسن نية فإنه يستحيل أن يصادق البرلمان على اتفاق شراكة في المستقبل في صورة كان هنالك اتفاق وهو موقف اعتبره الملاحظون حازما يرمي إلى الضغط على لندن ووضعها أمام خيار القبول أو الرفض تحت مسؤوليتها وهي نفس اللعبة التي أراد بوريس جونسون لعبها مع الأوروبيين.
التوجه إلى «طلاق دون اتفاق»؟
وفي حين تركز بروكسل على سيادة بريطانيا في سن قوانينها فإنها تحتفظ بحق اللجوء إلى بنود إدارة الخلافات في معاهدة البريكست الموقعة و التي تمكن الطرفين من التظلم. و يبقى أمام بروكسل أن ارفع القضية أمام محكمة العدل الأوروبية . لكن بعض المحللين يرون أن بوريس جونسون الذي جازف بهذه الخطوة لن يتراجع بل لن يقبل بمخرجاتها وسوف يستخدم تقديم شكاية أمام المحكمة لكسب عطف الرأي العام البريطاني المناهض لها و الذي يرى في استقلالية قراره التخلي عن محكمة ليس لها روابط مع المجتمع البريطاني.
هذا السيناريو يمكن أن يؤدي إلى اندلاع حرب اقتصادية بين الطرفين على غرار الحرب الدائرة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية . لكن تبقى على كل حال قوانين منظمة التجارة العالمية فيصلا في كل الخلافات إلا إذا أقدم بوريس جونسون- على غرار حليفه دونالد ترامب، على تعمد الاعتراف -هو الآخر- بعلوية قرارات المنظمة. سيناريو الطلاق بدون اتفاق هذا يدخل بريطانيا، التي تعاني من تبعات جائحة كورونا، في متاهات مأزق عميق مع الصعوبات المسجلة في المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولم تتمكن لندن إلى حد الآن إلا من الحصول على اتفاق مع اليابان. أما باقي المفاوضات مع الدول الأخرى فتراوح مكانها. ولا تبشر الولايات المتحدة بتحسن بعد أن أعلنت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوزي أن عدم احترام القانون الدولي وإعادة الحدود بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا إذا حصل لا يسمح للكونغرس الأمريكي بالمصادقة على أي اتفاق تجاري بين الولايات المتحدة وبريطانيا في المستقبل. كلام يأتي في فرضية أن يخفق دونالد ترامب في الحصول على ولاية ثانية وهو يعاني من أزمات متتالية في حملته الانتخابية المتعثرة، مما يفقد بوريس جونسون سندا قويا على الساحة الدولية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا