الحكومة الفرنسية وقانون «الانفصال» الجديد: رهان «فصل الإسلام السياسي» وحماية حقوق المسلمين

منذ أن أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في فيفري 2020 عن عزمه اتخاذ كل الإجراءات الديمقراطية لمقاومة «الانفصاليين» الذين ينتمون

إلى حركات وتنظيمات الإسلام السياسي عاشت الطبقة السياسية الفرنسية على وقع الجدل القائم في مختلف دوائر الدولة والمجتمع حول هذا الموضوع. وجاء خطاب ماكرون في الأسبوع الماضي بمناسبة الاحتفال بالذكرى 150 لإعلان الجمهورية ليحيي هذه الإرادة السياسية بمطالبة الحكومة بسن قانون في هذا الشأن قبل نهاية الشهر الجاري.
وتحركت آليات الدولة للشروع في سن القانون وتشكيل الفريق الذي سوف يسهر على إدارة هذه المسألة الدقيقة. وتم تكليف جيرالد درمانان وزير الداخلية المكلف بالشعائر الدينية ومارلين شيابا الوزيرة المكلفة بالمواطنة بالسهر على إدارة المرحلة. وقد تزامنت هذه الخطوة الحساسة مع بداية محاكمة الإرهابيين الذين قاموا بمجزرة «شارلي هبدو» عام 2015 وجاءت في ظروف تشهد توترا ملموسا بين فرنسا وتركيا، الراعية والحاضنة للإسلام السياسي، في أزمة التنقيب على الغاز في شرق المتوسط.
ويبدو أن تطورات الأزمة بين باريس وأنقرة سوف يكون لها وقع في مسار سن «قانون الانفصاليين» كما تم تعريفه رسميا.وهو حسب الحكومة الفرنسية قانون يهدف إلى إعادة بسط سلطة الدولة في المناطق الفرنسية من مدن و ضواحي المدن التي تتحكم فيها جمعيات وتنظيمات إسلامية - تعمل في بعض الأحياء بالتنسيق مع تجار المخدرات - وترفض الخضوع لقوانين و مبادئ الجمهورية و تروج لفكرة تطبيق الشريعة الإسلامية على المواطنين الفرنسيين المسلمين، خارج نطاق القانون الفرنسي، وفرض علوية الشريعة على القوانين الجمهورية اللائكية.
أزمة قديمة متجددة
مسألة تنظيم تواجد المسلمين في فرنسا ليست بالجديدة. بل أن الحكومات المتعاقبة منذ ثمانينات القرن الماضي حاولت التوصل إلى حل توافقي يمكن الجالية المسلمة– على غرار ما هو معمول به بالنسبة لليهود والبروتستانت في فرنسا – من تمثيلية لدى الدولة تسمح بتسهيل العلاقة مع الدولة في ضمان الشعائر الدينية بما في ذلك إدارة دور العبادة والجمعيات الدينية وتنظيم مناسك الحج وغير ذلك من الأمور المتعلقة بممارسة الدين الإسلامي. وبعد محاولات عدة قرر الرئيس ساركوزي عام 2003 تشكيل المجلس الفرنسي للدين الإسلامي الذي يمثل قانونيا الدين الإسلامي في فرنسا وهو عمليا جهز تمثيلي نشارك فيه الجوامع والمساجد والجمعيات الإسلامية بدون أن يشمل تمثيلية للمسلمين الفرنسيين غير المنتمين لتلك الأطر أي الأغلبية الساحقة للمسلمين في فرنسا. لكن تلك الخطوة لم تحل المشاكل العالقة في البلادوالمتمثلة في استفحال الفكر السلفي وجماعات التبليغ والمجموعات الإرهابية التي ضربت فرنسا في عديد المناسبات حتى أصبح الإسلام في ذهن الرأي العام مرتبطا بالإرهاب.
يريد الرئيس ماكرون حل المشكلة بالعمل على التفريق بين المسلمين والإسلاميين. وارتكز قراره على عدة دراسات قامت بها مؤسسات فرنسية تسهر على التفكير في الشأن الإسلامي وترغب في إرساء «اسلام فرنسي» يتماشى وقوانين اللائكية المنظمة للمجتمع الفرنسي والقاضية بفصل الدين عن الدولة أي أن يخضع المواطن والمسلم المقيم في فرنسا إلى القوانين الوضعية. وتطورت استراتيجية الدولة مع انطلاق الربيع العربي واستفحال ظاهرة الجهادية الإسلامية ومشاركة فرنسيين – ومنهم مواطنون من أصل مسيحي اعتنقوا الجهاد – في الجماعات المقاتلة في سوريا والعراق. وأصبح الآن من الأكيد، ومع صعود الحركات اليمينية المتطرفة المناهضة للهجرة وللمسلمين، العمل على التحكم في هذه المسألة بصورة ترضي الرأي العام والناخبين خاصة أن الرئيس ماكرون مقدم على انتخابات رئاسية عام 2022.
مقترحات حكومية
رسم الرئيس ماكرون في فيفري 2020 بعض الخطوط العريضة لمقاومة «الانعزالية» تتمثل في تكوين الأئمة والحرص على استعمال اللغة الفرنسية في الصلوات ورفض التمويلات الخارجية و فصل دور العبادة عن الدول الأجنبية و الحال أن لها ارتباطات تاريخية أساسا مع المغرب و الجزائر و تركيا التي تمول و تسهر على تزويد الجوامع بالأئمة والإطارات الدعوية و تمكين فرنسا من 300 زائر من الوعاظ في شهر رمضان. في الخطاب الحكومي الجديد تعددت المقترحات لتطال مراقبة نشاط الجمعيات والمدارس الإسلامية الخاصة و منع الأطباء من منح شهادات في العذرية للمسلمات قبل الزواج و غيرها من المقترحات التي تنتظر الإدراج في القانون الجديد.
ولا زالت أجهزة وزارة الداخلية ساهرة على رسم تفاصيل القانون الذي سوف يسمح بمقاومة الإسلام السياسي ونزعته الطائفيةوالقضاء على التطرف الديني والظلامية المتفشية في أوساط عريضة من ضواحي المدن وخاصة بين الشباب. مشروع القانون سوف ينص على غلق مواقع التواصل الاجتماعي الإسلامية ومواقع الأنترنت التي تنشر أفكارا وخطابات راديكالية منافية لقيم الجمهورية. وترغب الوزيرة مارلين شيابا في سن قانون يسمح بغلق الأماكن و المؤسسات التي تنشر أفكارا ضد حرية المرأة و الكراهية بسبب الجنس. و يبقى الجدل قائما في التراجع عن تمكين الجمعيات من تدريس اللغة الأم بالنسبة للمهاجرين. و لا زالت أجهزة الدولة بمختلف اختصاصاتها ترتب اللمسات الأخيرة لمراقبة تمويل الجوامع والمؤسسات الدينية لما لذلك من حساسية في التعامل مع الدول الأجنبية المانحة من جهة و من تعقيد في تطبيق حيثيات قانون 1905 الضابط لللائكية و الذي يقضي يعدم تدخل الدولة في شان الجمعيات الدينية.
إسلام الأنوار
و قبل تقديم مشروع القانون أمام مجلس الوزراء تعالت الأصوات المنتقدة للخطوة الرئاسية من قبل بعض أحزاب المعارضة اليسارية التي عادة ما تساند المسلمين والجمعيات الإسلامية التي تناضل ضد العنصرية و التمييز. وتجد هذه المنظمات اليسارية نفسها في خانة الدفاع عن الإسلام السياسي معتبرة أن الحكومة تخلط بين المسلمين والإسلاميين. أما الأحزاب اليمينية فترحب بالخطوة و تعتبر أن الإسلام السياسي الذي يدعم التطرف والإرهاب أصبح خطرا على الجمهورية.
في المقابل رحب محمد موسوي رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في شهر فيفري الماضي بنية الرئيس ماكرون العمل على مقاومة «النزعة الانفصالية» مؤكدا على أن المجلس يعمل على مقاومة هذه الظاهرة على أرض الواقع و أن مسلمي فرنسا ليسوا من المتطرفين بل هنالك أقلية أفسدت صورة الإسلام في فرنسا. لكن الجديد في العلاقة بين الدولة الفرنسية والمؤسسات الإسلامية جاء على لسان حافظ شمس الدين عميد جامع باريس الأكبر الذي خلف العميد دليل أبوبكر الذي قدم طرحا متجددا يمكن أن يفسح المجال إلى بناء أسس عقلانية للإسلام في فرنسا.
قدم العميد شمس الدين مداخلة في صورة ندوة فكرية نشرتها الأسبوع الماضي جريدة «لوفيغارو» اليمينية جاء فيها، على خلفية محاكمة إرهابيي «شارلي هبدو»،أنه يدافع على حق المصورين والصحافيين في التعبير عن رأيهم بالصورة و الكلمة و أنه كجزائري و كفرنسي ينتمي إلى ثقافتين وأنه «يعشق الجمهورية ، متمسك بمبادئها، محترم لتاريخها، حامل لذاكرة هادئة أمام صفحاتها السوداء ومنبهر بروح الأنوار التي أدت إلى الثورة و اللائكية.» وهو موقف جديد صريح لأحد أعمدة الإسلام المؤسساتي في فرنسا يصدح لأول مرة بتعلقه بالأنوار التي هي عماد الحضارة الفرنسية و التي كانت في القرن التاسع عشر أحد الأسس التي قامت عليها النهضة في مصر و في العالم الإسلامي. إقرار جامع باريس بالسير نحو «إسلام الأنوار» يعطي دفعا جديدا لمعركة المسلمين الحداثيين ضد ظلامية الخطاب الإسلاموي تعصب الحركات الوهابية التي نخرت جسم المجتمعات الإسلامية والجاليات المسلمة في أوروبا منذ عقود. هل هي بوادر حل في الأفق أم أن الطريق لا تزال وعرة أمام تطوير الخطب والمؤسسات الاٌسلامية؟ الأيام القادمة ومشروع القانون الجديد سوف تبرر مدى التنازلات والتوافقات المبرمة في إطار ضبط قواعد جديدة لغلاقة الإسلام بالمجتمع الفرنسي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا