التفاهمات الليبية سجينة تجاذب المصالح الدولية والإقليمية

توفيق المديني
قبل أسبوعين شهدت الساحة الليبية حراكًا سياسيًا أمريكيًا غير مسبوق، في محاولة لإبعاد شبح الحل العسكري عن مدينة سرت الاستراتيجية الغنية بالنفط،

إذ قاد السفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند مساع للتوصل إلى اتفاق مع أطراف الأزمة، اتفق كل من رئيس حكومة الوفاق الليبية، فائز السراج ورئيس مجلس النواب، عقيلة صالح على وقف إطلاق النار ومقترح “سرت والجفرة منطقة منزوعة السلاح».
فقد أثارت خطوة التوافق هذه حول ملف “سرت” والنفط ووقف الاقتتال، الكثير من ردود الفعل المحلية والدولية وكذلك تساؤلات حول فرص وتحديات نجاح هذا الاتفاق ومصير “حفتر” الذي غاب عن كل هذه التحركات.

الاتفاق نتيجة القناعة بانسداد الحل العسكري
بعد أن كان طرفا الأزمة الليبية ومن يدعمهما على الصعيد الإقليمي والدولي ، يقرعان طبول الحرب في منطقة سرت،حصل التوافق الذي يعزوه الخبراء المتابعون لتطورات الأزمة الليبية، إلى إدراك كل الأطراف الإقليمية والدولية بصعوبة الحسم العسكري في منطقة سرت، لذلك باتت الخطابات السياسية الدولية تنشد وقف الاقتتال بين الإخوة الأعداء، و البحث عن حل سياسي للأزمة الليبية.

ومن الواضح أنَّ الإدارة الأمريكية بزعامة ترامب، التي أصبحت متخوفة من التواجد العسكري الروسي في ليبيا، لعبت دورًا واضحًا في ممارسة الضغوطات على الأطراف الإقليمية لتنفيذ مقترح جعل “سرت والجفرة» منطقة خضراء بلا سلاح، وتقريب وجهات النظر بين مصر وتركيا في الفترة الأخيرة، والاتفاق هو نتيجة لهذه التوافقات . ويُعَدُّ هذا التوافق بين دول مركزية خاصة “أمريكا وتركيا ومصر” كفيلاً بدفع طرفي الصراع الدائر في ليبيا إلى البحث عن حلٍ سياسيٍ وتشكيل شرعية سياسية جديدة. فاتفق كل من “السراج وصالح” على وقف إطلاق النار ومقترح “سرت والجفرة منطقة منزوعة السلاح” وسرعة فتح الموانئ النفطية بشكل كامل، وذلك خلال بيانين منفصلين.
ورغم ردود الفعل الواسعة محليا ودوليا، والتي لا زالت تتوالى، على التوافق بين رئيس حكومة الوفاق الليبية ورئيس برلمان طبرق، إلا أن اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، هو الخاسر من هذا التوافق، وحتى لو رفض الخطوة، فلن يكون قراره ذي قيمة، لا سيما أنَّ الدول التي تدعم حفتر مثل مصر و الإمارات رحبتا بالإتفاق. ويجد اللواء المتقاعد حفترنفسه الآن في موقف لا يحسد عليه، فهو يخاطر بجلب العزلة والعقوبات الدولية بحال فرضت، كما هددت وزارة الخارجية الأمريكية سابقا، وإذا امتثل حفتر للتوافق الأخير، فسوف يخاطر بخسران ما تبقى من شعبيته المتهاوية.
لا شك أنَّ توافق السراج وصالح، يستبعد حفتر تماما من المشهد، ويستبدله بـ”عقيلة صالح”، وهو ما يرفضه اللواء حفتر ،الذي لن يستسلم يسهولة، وسيضع العراقيل أمام تنفيذ هذا الاتفاق.
وعلى النقيض من ذلك، هناك تطور لافت ومثير لعلاقات مصر بحكومة الوفاق الليبية، إذ أعرب رئيسها فائز السراج عن تطلعه بأن يكون للشقيقة مصر دور إيجابي خلال المرحلة القادمة لبناء ليبيا والاستقرار والسلام بأراضيها.

تحولات في موقف مصر من حكومة الوفاق
يلمس المراقبون أنَّ هناك تحولاً في موقف حكومة الوفاق من النظام المصري باتجاه طي صفحة السنوات الماضية، ولا يستبعدون تحقيق تفاهمات مستقبلية، بين القاهرة وحكومة الوفاق في طرابلس. فجميع أطراف الصراع في ليبيا وصلت إلى حالة من الإعياء، وما حدث خلال سنوات لم يترك لهم طاقة للاستمرار في الصراع.
تبادل المصالح المشتركة، يجعل من حكومة الوفاق ومصر يتوصلان في المستقبل إلى تفاهمات، إذ تتطلع مصر إلى تحقيق مكاسب من إعمار ليبيا ، وعودة العمالة المصرية إلى السوق الليبية. وفضلا عن ذلك، فإنَّ التوازن العسكري الذي أدَّى إلى هزيمة قوات خليفة حفتر دفع إلى التحول في موقف مصر، إضافة إلى أنَّ الموقف الأمريكي الداعم لحكومة الوفاق كان مخرجًا للجميع وللذين لا يودون صدامًا عسكريًا بين تركيا ومصر.
وفي المقابل، فإنَّ حكومة الوفاق الليبية تحتاج الى مصر لعلاقتها مع القبائل الليبية في الغرب.ويبقى لمصر دور مهم جدًّا في إحلال السلام في ليبيا، وخصوصًا، أنَّ ليبيا دولة جارة لمصر، وهناك روابط قبلية و أسرية بين الشعبين الليبي و المصري ،وتواجد ملايين المصريين الذين يعملون في ليبيا.

موقف تركيا
تدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليا في مواجهة قوات اللواء خليفة حفتر، وذلك بموجب اتفاق تعاون أمني وعسكري أبرمته أنقرة وطرابلس، نهاية العام الماضي. وبعد الإعلان المتبادل بين حكومة الوفاق الوطنية، وبرلمان طبرق بشأن وقف إطلاق النار في ليبيا، واعتبار مدينة سرت منطقة منزوعة السلاح، ترى تركيا أنَّ رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، الداعم لحفتر المدعوم من الإمارات ومصر وفرنسا ، يتحدث عن تحويل سرت لمنطقة منزوعة السلاح ومركزا للمجلس الرئاسي الجديد، وبالنظر إلى تصريحات حكومة الوفاق، فإنَّ نزع السلاح فقط في سرت، ولا يوجد ذكر للجفرة والقاعدة الجوية الاستراتيجية هناك في هذا الشأن.
وتعتبر أنقرة أنَّ هذه الثغرة (عدم اعتبار الجفرة منزوعة السلاح)، ستشكل خطرًا مستقبليًا لهذا الاتفاق.ويريد عقيلة صالح تشكيل مجلس ثلاثي رئاسي لطرابلس وبرقة وفزان، وعليه تمتد هذه العملية من 18 إلى 24 شهرا، ومن ثم إجراء انتخابات، وبالنظر للتجارب السابقة في ليبيا فإنَّ هذه المدة طويلة للغاية في ظل تغير الأرصدة المتواصل بشكل يومي.

العقبات أمام التسوية
أولاً: من أخطر القضايا التي لم تكن واضحة في الاتفاق هي قضية توزيع عائدات النفط، والحال هذه يرى الخبراء أنَّ القضية التي يتوقع أن تندلع فيها المشاكل هي تقاسم عائدات النفط. فكيفية تقاسمه ومن سيسيطر على الآبار والموانئ ويحميها ما زال لغزًا غامضًا، كما أنَّ البنك المركزي ما زال تحت سيطرة حكومة الوفاق، فيما تم الاتفاق بشأن تحويل عائدات ليبيا من النفط التي كانت مجمدة من الخارج منذ 11 عاما.
في ظل الظروف الحالية، فإنَّ آبار النفط بأيدي قوات حفتر ، ولا يوجد رد على هذه النقطة والمتعلقة بكيفية إدارة هذا الأمر.بينما يقول عقيلة صالح إنه سيتم تجميد عائدات النفط حتى تشكيل حكومة تمثل الجميع، لكن حكومة الوفاق ترى أنَّ إدارة آبار النفط والموانئ وعملية الإنتاج يجب أن تكون تحت سيطرة المؤسسة الوطنية للنفط.
لكن القضية الكبرى ، التي لم تخضع للنقاش، تكمن في كيفية إجراء انتخابات في بلاد تحكمها النعرات القبلية، لأن ما يقرب من 91 قبيلة بالبلاد تسعى للسيطرة فيما بينها، وتُعَدُّ أكبر عقبة في التحول الديمقراطي، ويطرح التساؤل أيضا: من هي الجهة التي ستتمكن من الإشراف على عملية الانتخابات؟

ثانيًا:رفض حفتر لوقف إطلاق النار
يشكل رفض اللواء المتقاعد خليفة حفترلوقف إطلاق النار في مناطق التماس من سرت إلى الجفرة، وسط البلاد، عودة الأوضاع السياسية والعسكرية إلى مربعها الأول، فيما لا تزال المفاوضات جارية في عواصم الدول المتورطة مباشرة في الصراع بشأن شكل الحلول الممكنة في المنطقتين، بالإضافة لوضع حفتر الذي بات يشكل طرفاً عسكرياً يعارض كلّ مساعي التوافق، بما فيها مساعي مجلس نواب طبرق الذي أعرب عن نيته وقف القتال وترجيح كفة الحلّ السلمي.
ينبع رفض اللواء حفتر لوقف إطلاق النار وإخلاء سرت من السلاح من قوة ودعم استمرار الرفض الروسي للمقترح الأمريكي الذي بات مدعوماً من دول عدة بشأن أوضاع سرت والجفرة ، فحفتر لا يمتلك القوة أمام الضغوطات الدولية والإقليمية ليستمر في موقفه الرافض.وتعتزم واشنطن فرض مقترح إخلاء سرت والجفرة من السلاح، وتحرير عملية استئناف تصدير وإنتاج النفط، لعزل روسيا لوقف تأثيرها في المنطقة.

ثالثًا:الميليشيات المسلحة
تتخبّط ليبيا الانتقالية منذ سقوط نظام العقيد القذافي تحت “حكم الميليشيات”، في وقت تشكّل هذه الأخيرة التحدّي الأكبر لجميع القوى السياسية(حكومة الوفاق ، وبرلمان طبرق).ففي عهد الميليشيات المسلحة تحولت ليبيا إلى بؤرة للإرهاب تهدد شمال إفريقيا كله، من تونس إلى المغرب مرورا بالجزائر وموريتانيا، ومالي، والنيجر، وبطبيعة الحال مصر. ويتحمل الغرب المسؤولية التاريخية عن واقع ليبيا الحالي، فهو صانع الفوضى الهدامة في ليبيا. لكن في المشهد السياسي الليبي الحالي، من الذي يتحمل المسؤولية عن الوضع الراهن؟
لا شك أن ليبيا تمرّ بمرحلة انتقالية صعبة، بعد أن ورثت مؤسسات دولة ضعيفة وفي ظل غياب الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، وفشل المجلس الوطني الانتقالي، وحكومة الوفاق الحالية في كبح جماح الميليشيات المنتشرة في كامل التراب الليبي، والتي تمارس عمليات النهب المنظمة لثروة الشعب الليبي من نفط وغيره، وهذا ما جعل الشعب الليبي يعيش مع تركة قاسية جداً.

وتُعدّ الميليشيات الخارجة عن القانون التحدّي الأكبر في ليبيا ما بعد القذافي، لاسيَّما بعد أن عجز المجلس الوطني الانتقالي والحكومة الليبية عن إعادة دمج المقاتلين المسلّحين في صفوف الجيش الليبي، إذ كانت نتائج هذا التوجه محدودة للغاية،وواجه صعوبات كثيرة. وتريد الميليشيات المسلحة أن تمارس شريعة الغاب في ليبيا ،لا سيما إزاء 8 آلاف معتقل من أنصار العقيد القذافي،معلن عنهم يتوزعون في 60 مركز اعتقال في أنحاء البلاد. وترفض هذه الميليشيات تطبيق القانون على هؤلاء المعتقلين ، بل لأنها لا تؤمن بأي شكل من أشكال العدالة الانتقالية ،التي يجب أن تضطلع بها الحكومة الليبية .فهذه الميليشيات التي تريد المحافظة على فوضى السلاح ،تريد تطبيق استراتيجيتها في الهجمات الانتقامية والثأرية، بدلاً من سياسة تضميد الجراح الناجمة عن الصراع تمهيدا للمصالحة الوطنية باعتبارها أولى المهام المترتبة على طرفي الصراع في ليبيا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا