منبر: شرق المتوسط يتحول إلى فضاء لصراع إقليمي محتدم

توفيق المديني
أفضت التطورات التي شهدتها الأزمة الليبية،لا سيما بعد هزيمة قوات اللواء المتقاعد حفتر في طرابلس الغرب، وتراجع العديد من القوى الغربية

المهمة عن دعمه،وذلك بعد تفاهمات قادتها تركيا، إلى تحوّل كل من تركيا ومصرإلى لاعبين أساسيين في ليبيا، حيث تدعم تركيا حكومة الوفاق، برئاسة فائز السراج، فيما أصبحت مصر تلعب دورًا متزايدًا على الصعيد الإقليمي في مواجهة التدخل العسكري التركي في ليبيا، وكذلك في نطاق ممارسة استراتيجية التطويق والمحاصرة للإستراتيجية التركية في شرق المتوسط، خاصة بعد أن وقَّع الرئيس التركي،رجب طيب أردوغان،ورئيس حكومة الوفاق الليبية، فايز السراج، في 27 نوفمبر 2019،اتفاقيتي تفاهم بالغتي الأهمية والأثر: الأولى: تتعلق بترسيم الحدود البحرية الاقتصادية شرق المتوسط،والثانية: تخص التعاون العسكري والأمني بين البلدين.
الاتفاق المصري –اليوناني يفجر الصراع في شرق المتوسط
ويشكل توقيع اتفاق تحديد الحدود البحرية بين مصر واليونان تصعيدًا إقليمياً جديدًا بين القاهرة وإنقرة، لا سيما بعد أن تحولت تركيا إلى قوة إقليمية في البحر المتوسط، ولها موقع قدم في ليبيا. فقد أراد الرئيس السيسي استغلال الصراع السياسي بين مصر وتركيا، والعداوة التاريخية بين اليونان وتركيا ،بسبب استمرار النزاع بينهما على ملكية بعض الجزر، فضلاً عن ترسيم المناطق البحرية الخاصة بكل منهما، لكي يمضي قدمًا في إنهاء مشاكل مصر الحدودية البحرية لاجتذاب مزيد من الاستثمارات في قطاعي الغاز الطبيعي والبترول، باعتباره القطاع الوحيد الذي تملك مصر سبل تحقيق نجاح اقتصادي كبير فيه من دون انتظار عشرات السنوات.
ورغم أنَّ تركيا تعتبر صاحبة أطول السواحل في إقليم البحر المتوسط، فإنَّها بعد توقيع الاتفاق المصري- اليوناني الأخير، وبعد أسبقية ترسيم الحدود البحرية بين قبرص والكيان الصهيوني بمباركة أوروبية وأمريكية،وكذلك ادعاء قبرص،والاحتلال الصهيوني، مراعاة قواعد القانون الدولي في ترسيم منطقتيهما الاقتصاديتين، فسوف يكون لتركيا يهذه الخطوة بعد تلك الاتفاقيات المساحة البحرية الأصغر والمنطقة الاقتصادية الأقل مساحة إذا ما قورنت باليونان وقبرص ومصر، الأمر الذي سيكون قبول أنقرة به مستحيلاً، ويمثل سبباً من وجهة نظرها للإصرار على التدخل في ليبيا، والدعم اللامحدود لحكومة الوفاق الليبية بهدف تثبيت اتفاقية ترسيم الحدود بينهما.
لا يعني ذلك أنَّ هذه الاتفاقيات الموقعة بين الدول المعنية لترسيم الحدود البحرية في إقليم البحر المتوسط، والتي تم إيداعها لدى الأمم المتحدة، مع بدء عمل بعض الشركات الكبرى في إنتاج الغاز الطبيعي في المناطق المصرية والقبرصية والمناطق المحتلة صهيونيًا، أنها نهائية، بل تبدو هشة اقتصادياً وفاقدة لعوامل الاستقرار الجاذبة للاستمرار، أمام استمرار الأزمة الليبية وتداعياتها الإقليمية ،وعجز القوى الدولية الكبرى:الولايات المتحدة،وروسيا، ودول الاتحاد الأوروبي عن التوصل إلى صيغة تسوية دولية للأزمة الليبية المتفجرة منذ سقوط نظام العقيد القذافي في نهاية اوت 2011.
مشروع الطاقة ودور اللوبي اليوناني في أمريكا
من الناحية التاريخية اضطلع اللوبي اليوناني في الولايات المتحدة بدور كبير في الموقف الأمريكي المؤيد لليونان،فعلى السبيل المثال كان أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الأمريكيين اليونانيين، وكذلك المؤيدين لليونان في طليعة الجهود المبذولة لمنع تسليم مقاتلات الشبح إف 35 إلى تركيا، حيث عكس تدخلهم الجريء نفوذهم في السياسة الأمريكية واهتمامهم بعدم الإخلال بتوازن القوة في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط.
وقد لعب اللوبي اليوناني دورًا مهمًا في تمرير الاتفاق المصري-اليوناني عبر الموافقة الأمريكية عليه،وفرملة الموقف التركي الذي كان يريد التصدي لطموحات دول منتدى الغاز لتوسيع شبكة الأنابيب المقامة بين مصروالكيان الصهيوني، والمملوكة حالياً لشركة جديدة أسست خصيصاً لامتلاك شبكة الأنابيب، بين شركتي «نوبل إنيرجي» الأميركية و»ديليك» الصهيونية وشركة «غاز الشرق» المملوكة حالياً للدولة المصرية ،ممثلة في جهاز المخابرات العامة وهيئة البترول،لتشمل قبرص، بهدف الاستفادة من مصنعي إسالة الغاز في مصر،واللذين ستستفيد منهما إسرائيل أيضاً.
الموقف التركي
تعتبر تركيا الاتفاق المبرم بين أثينا والقاهرة في البحر الأبيض المتوسط انتهاكًا للاتفاق المبرم بين أنقرة وطرابلس بشأن الولاية البحرية. وأشارت أنقرة إلى أنَّ الأسطول البحري، المكون من فرقاطات، وطرادات، وقوارب هجومية، وسفن إنزال، ودعم لوجستي، وغواصات، اتخذ مواقع جديدة، قبل المهمة التي من المقرر أنْ تنطلق بها سفينة ستقوم بأعمال بحث واستكشاف متعلقة بالنفط.
وكشف الرئيس التركي أنَّ بلاده أعادت أعمال التنقيب في شرق المتوسط، بسبب عدم إيفاء اليونان بوعودها للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.وأوضح قائلا: «أوقفنا أعمال التنقيب لمدة 3-4 أسابيع بوساطة من المستشارة الألمانية، لكن اليونان أثبتت مجددا أنَّه لا ثقة بها، ولأنَّها لم تف بوعودها، استأنفنا أعمال التنقيب من جديد، وأرسلنا سفينة «خير الدين بربروس» شرق المتوسط، وأخبرت ميركل أننا سنواصل طريقنا».
وقال وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو،إنَّ أنقرة ستواصل بحزم الحفاظ على الحقوق الشرعية لتركيا ولشمال قبرص.وتابع: «لا يمكن لهذه الاتفاقيات أو التعاونات أن تبعدنا عن طريقنا، ولا يمكن لأحد أن يغتصب حقوقنا، فنحن لم ولن نسمح لذلك».
وتُشَدِّدُ تركيا على أنَّ الاتفاق بين مصر واليونان باطلٌ، وينتهكُ الحقوق البحرية الليبية،وأنَّ المنطقة المحددة تقع في الجرف القاري التركي، مؤكدة أنَّها لنْ تسمحَ بأنشطةٍ في منطقة الصلاحيات البحرية، وستدافعُ بحزمٍ عن حدودها.
الموقف اليوناني
أعلن مكتب رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الثلاثاء الماضي،أنَّ بلاده ترغبُ في عقد اجتماعٍ عاجلٍ للاتحاد الأوروبي بشأن تركيا، بعدما أرسلتْ أنقرة سفينة للتنقيب عن المحروقات في شرق المتوسط.وقال مكتب رئيس الوزراء إنَّ «وزارة الخارجية ستقدّم طلباً لمجلس الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي من أجل عقد قمة طارئة». فيما اعتبر وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الأحد تصرفات تركيا بأنَّها «مثيرة جدّاً للقلق» ومقدمة لمزيد من «العداوة وانعدام الثقة». واندلع الخلاف الاثنين بعد ان أرسلت أنقرة سفينة «أوروتش ريس» للتنقيب عن المحروقات قبالة سواحل جزيرة كاستيلوريزو اليونانية التي تتنازع تركيا واليونان على الحقوق البحرية فيها.
وحَدَّدَتْ البحرية اليونانية الثلاثاء موقع السفينة التركية في جنوب شرق جزيرة كريت، ترافقها فرقاطة تركية،وتراقبها سفن حربية يونانية. وأعلنت تركيا أنَّ «أوروتش ريس» ستقوم بعمليات بحث في المنطقة بين 10 و23 اوت. ويُشَكِّلُ التنقيب عن مصادر الطاقة في شرق المتوسط الغني بالغاز الطبيعي مصدر توتر بين تركيا وجيرانها، اليونان وقبرص وإسرائيل.
مصر و إنشاء سوق غاز إقليمية
في عام 2019، تشكل منتدى باسم «منتدى غاز شرق المتوسط»، وضم (مصر و اليونان، وقبرص، و إيطاليا، والسلطة الفلسطينية، و الكيان الصهيوني )على أن يكون مقره في العاصمة المصرية، القاهرة، في محاولة للاستفادة من المنطقة الغنية بالطاقة،ولاسيما الغاز.وقالت وزارة البترول المصرية آنذاك،في بيان صحفي لها، إنَّ أهداف المنتدى الجديد هي العمل على إنشاء سوق غاز إقليمية، وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية.
ويأتي إنشاء المنتدى في إطار سعي مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة في المنطقة.ومن العوامل المؤهلة لمصر لتحقيق هدفها كمركز للغاز الطبيعي: البنية التحتية الهائلة وسوق الاستهلاك الكبير،ما يجعل أي مشروع لتطوير إنتاج الغاز الطبيعي مجديا اقتصاديا.
وتظهر تقديرات دولية أن احتياطات منطقة شرقي المتوسط تصل إلى ما نحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي،ويعتبر حقل»ظهر»أكبر حقول الغاز فيها شمالي السواحل المصرية.
وكان بدء الإنتاج المبكر في حقل «ظهر» المصري، الذي اكتشفته شركة «إيني» الإيطالية عام 2015، بمثابة تغيير لخريطة تجارة الغاز الطبيعي في شرق المتوسط.وتقدر احتياطات الغاز في حقل»ظهر»بنحو30 تريليون قدم مكعب وفقا للبيانات المصرية، متقدما كثيرا على بقية حقول الغاز في المنطقة، ومنها:
• تمار: يقع «تمار» مقابل سواحل سوريا ولبنان وقبرص وفلسطين المحتلة ومصر على بعد 80 كيلومتر غربي حيفا، ويحتوي على احتياطي من الغاز يبلغ 10 ترليون قدم مكعب.
• حقل ليفياثان: تستخرج منه إسرائيل الغاز الطبيعي ويقع على قرابة 130 كلم غربي حيفا، ويحتوي على احتياطي من الغاز يبلغ قرابة 17 تريليون قدم مكعب.
• حقل تانين: وتشير تقديراته إلى احتياطي من الغاز يبلغ 1.2 تريليون قدم مكعب.
• حقل أفروديت: ويقع في المياه الإقليمية القبرصية ويحتوي على احتياطي من الغاز يبلغ نحو 8 تريليونات قدم مكعب.
أصبحت تركيا التي نجحت في إيجاد كميات جيدة من الغاز قبالة سواحلها، متخوفةً من إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء الآخرين (مصر، اليونان، قبرص، و الكيان الصهيوني)، من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد وترشيد كلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية،وتحسين العلاقات التجارية بين أعضاء المنتدى والشركات الأمريكية والأوروبية الكبرى، ما يؤثر بالسلب على الاقتصاد التركي. وتدعم إدارة دونالد ترامب التحركات المناوئة لتركيا فانضمت بصفة مراقب لمنتدى الغاز، بالتوازي مع سعي الدوائر اليهودية وذات الأصول اليونانية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي لسرعة تمرير مشروع القانون المتداول حالياً في الكونغرس، باسم «قانون شراكة الطاقة والأمن في شرق المتوسط»، الذي أعدَّهُ النواب روبرت مينديز وماركو روبيو وكريس فان هولين وغاري بيترز وكريس كونز،ويُحْظَى بدعمٍ واسعٍ من الدوائر اليهودية وذات الأصول اليونانية بالحزبين الديمقراطي والجمهوري. ويهدف مشروع القانون لإنشاء مركزٍ أمريكيٍّ للطاقة في المنطقة، ووضع خطةٍ متكاملةٍ لتدشين تعاون استراتيجي مع الثلاثي الرئيسي، اليونان وقبرص وإسرائيل، للدفاع عن مصالحها المشتركة في مواجهة تركيا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا